روايات وققص

طردتني ببناتي

فيه غرفة مقفولة في البيت؟
قالت أيوه يا ماما، فيه باب صغير في آخر الممر، وعمري ما شوفته مفتوح.
قمت بسرعة.
رحنا ناحية الممر.
كان فيه باب خشب قديم، متغطي بطبقة من التراب، ومقبضه متآكل.
حاولت أفتحه، لكنه كان مقفول.
طلعت المفتاح الصغير اللي لقيناه في الصندوق.
ماكانش مناسب.
جربنا المفتاح التاني.
برضه ما فتحش.
نور قالت يمكن فيه مفتاح تالت.
رجعت للصندوق المدفون، وبدأت أدور في قاعه.
وبين قطعتين من القماش لقيت مفتاح صغير جداً، ملفوف في ورقة.
كان مكتوب عليها
المفتاح الأخير لا يفتح باباً، بل يفتح ذاكرة.
جربت المفتاح في الباب.
لف.
وانفتح الباب ببطء.
دخلت أنا ونور.
كانت الغرفة صغيرة، وفيها سرير قديم، ودولاب خشب، ومكتب عليه مصباح مكسور.
على الحيطة كانت فيه صور كتير لعبد القادر وهو طفل، وصور لأبوه وأمه.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني كان وجود صورة كبيرة ليا أنا.
صورة ليا وأنا طفلة، قاعدة في حضڼ أمي!
قربت منها.
قلت إزاي الصورة دي هنا؟
نور قربت وقالت ماما، فيه ورق تحت الصورة.
شلت الإطار.
لقيت ورقة مطوية بعناية.
فتحتها.
كان مكتوب فيها
يا جميلة، لو وصلتي للغرفة دي، يبقى عبد القادر وفّى بوعده.
الغرفة دي كانت المكان اللي شهد أول لقاء بين أبوكي وأبو عبد القادر، وهنا اتفقوا إن العيلتين يكونوا سند لبعض.
لكن فيه شخص ثالث كان موجود في اليوم ده، وسمع الاتفاق كله.
الشخص ده هو اللي أخفى الحقيقة عن الجميع.
قلّبت الورقة.
لقيت اسم مكتوب في آخرها.
اسم ماكنتش متوقعة أشوفه أبداً.
والدة سعاد.
شهقت.
نور سألت ماما، مين دي؟
قلت دي أم سعاد… حماتي القديمة.
بدأت أفتكر إن أم سعاد كانت بتزور البيت القديم زمان، وإنها كانت بتتكلم مع عبد القادر وأبوه كتير.
لكن أنا ماكنتش أعرف إنها طرف في الموضوع.
فتحت الدرج اللي في المكتب.
لقيت مجموعة خطابات قديمة، وكلها موجهة لعبد القادر.
أول خطاب كان من أبوه، والتاني من أبويا، والتالت من شخص مجهول.
أما الخطاب الأخير، فكان عليه ختم قديم.
فتحته.
كان مكتوب فيه
إلى عبد القادر…
أعرف إنك بتحاول تحافظ على الأمانة، لكن لازم تعرف إن أم سعاد لم تكن مجرد شاهدة على الاتفاق.
هي كانت صاحبة الجزء الأكبر من الأوراق، وكانت تعرف مكان الوصية الأصلية.
ولو وصلت الوصية إلى جميلة، فاعرف أن كل شيء سيتغير.
لكن لا تبحث عن الوصية في الأرض مرة أخرى.
ابحث عنها في المكان الذي كان أبوها يذهب إليه كل خميس.

رفعت عيني لنور.
المكان اللي جدو كان بيروحه كل خميس؟
نور قالت يمكن المسجد؟
افتكرت إن أبويا كان بيروح مسجد قديم قريب من بيتنا، وكان بيقعد بعد الصلاة مع مجموعة من كبار البلد.
لكن المكان ده اتغير، واتهد جزء منه من سنين.
قلت لازم نروح هناك.
تاني يوم الصبح، أخدت نور ورحنا المسجد القديم.
سألنا الإمام عن الحاجات القديمة اللي كانت موجودة في المكان، وعن أي أوراق أو أمانات اتسابت من سنين.
قال لنا إن فيه غرفة صغيرة تحت المكتبة، كانت بتستخدم زمان لحفظ الكتب القديمة والمستندات، لكنها اتقفلت من فترة طويلة.
طلبنا منه يساعدنا نفتحها.
نزلنا السلم، وفتح الباب.
الغرفة كانت مليانة رفوف خشب، وكتب قديمة، وصناديق صغيرة.
فضلنا ندور لحد ما نور لفت انتباهها صندوق عليه اسم جدي.
فتحناه.
كان جواه ظرف كبير، ودفتر حسابات، ومفتاح.
لكن الظرف كان عليه اسم مختلف.
إلى صاحبة الحق الحقيقي في عائلة عبد الرحيم.
فتحت الخطاب.
يا جميلة…
أنا عارف إنك هتوصلي هنا في يوم، وعارف إنك هتكوني تعبانة من كثرة الأسرار.
لكن لازم تعرفي إن فيه وصية اتكتبت قبل كل العقود اللي شوفتيها.
الوصية دي ما اتكتبتش عشان توزع أرض أو فلوس.
اتكتبت عشان تحمي إنسان.
الإنسان ده عاش سنين طويلة وهو فاكر إنه مالوش أهل، وإنه اتساب لوحده في الدنيا.
لكن الحقيقة إنه كان جزء من العيلة من أول يوم.
عبد القادر كان عارف الحقيقة، وكان بيحاول يرجع الشخص ده لعيلته من غير ما يجرحه.
أما الشخص اللي حاول يبيع الأرض، فهو ماكانش بيدور على المال وحده.
كان عايز يمنع ظهور الوصية لأنها هتكشف سر نسب قديم.
وقفت عند آخر سطر.
بصيت لنور.
يعني فيه حد من العيلة نسبه مش معروف؟
نور قالت يمكن يكون ياسين؟
هزيت رأسي.
مش عارفة.
قلبت الورقة، ولقيت في آخرها عنوان، وتحت العنوان جملة
اذهبي إلى الرجل الذي كان عبد القادر يناديه بابني.
اتسمرت.
عبد القادر كان بينادي مين بابني؟
بدأت أفتكر كل الناس اللي كانت بتزورنا.
وكان فيه شاب اسمه سامح، كان بييجي يساعد عبد القادر في شغله، وعبد القادر كان دايماً يقوله يا ابني.
لكن سامح اختفى من سنين، وماعرفناش عنه حاجة.
قلت لنور فاكرة سامح اللي كان بييجي البيت عند بابا؟
قالت أيوه، اللي كان بيحبني ويجيبلي كتب المدرسة؟
قلت هو.
رجعنا البيت، وبدأنا نسأل عنه.
لكن قبل ما نوصل لأي معلومة، رن تليفوني.
كان رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل كبير
مدام جميلة؟

قلت أيوه، مين معايا؟
قال أنا سامح. كنت عارف إنك هتدوري عليا في يوم.
قلبي دق بسرعة.
قلت إنت فين؟
قال أنا قريب من البيت القديم. بس قبل ما نتقابل، لازم تعرفي إن فيه حد وصل للوصية قبلك.
قلت مين؟
سكت شوية.
وبعدين قال
سعاد… معاها الوصية الأصلية، وهي دلوقتي في طريقها لبيتك، ومعاها الشخص اللي عبد القادر كان بېخاف منه أكتر من أي حد في الدنيا.
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أتحرك.
بصيت لنور وقلت لازم نرجع حالاً.
جرينا ناحية البيت.
ولما وصلنا، لقينا الباب مفتوح.
دخلت وأنا بنادي يا بنات! إنتوا فين؟
محدش رد.
دخلت الصالة، ولقيت البنات قاعدين على الكنبة، ووشوشهم مړعوپة.
وفي نص الصالة كانت سعاد واقفة، ماسكة ملف أسود.
وبجانبها راجل كبير في السن، لابس جلابية بيضا، ووشه مألوف بشكل غريب.
بصيت له.
كان هو نفس الرجل اللي في الصورة القديمة.
نفس ملامح جدي.
لكن ده ماكانش جدي.
ده كان ياسين.
الرجل اللي قيل إنه ماټ.
والد نور الحقيقي.
نور وقفت مكاني، وإيديها بدأت تترعش.
الرجل بص لها، ودموعه نزلت.
قال بصوت مكسور
نور… أنا أبوكي.
نور حطت إيديها على صدرها، وفضلت تبص له من غير كلام.
أما سعاد، فرفعت الملف الأسود وقالت
كويس إنكم جيتوا. إحنا كده اكتملنا، ومفيش داعي نخبي حاجة تاني.
قلت لها إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
ابتسمت.
أنا جاية أقولك الحقيقة اللي عبد القادر ماټ وهو خاېف إنها تظهر.
بصيت لياسين، وبعدين لنور.
سعاد فتحت الملف وطلعت ورقة كبيرة.
قالت
الورقة دي هي الوصية الأصلية، ومكتوب فيها إن الشخص الوحيد اللي من حقه يقرر مصير الأرض هو…
لكنها سكتت فجأة.
لأن ياسين مد إيده وخطڤ الورقة من الملف، وبصلي وقال
قبل ما تعرفي المكتوب فيها، لازم تسمعي مني أنا.
سعاد صړخت رجّع الورقة!
لكنه ما ردش.
قرب من نور، ومد إيده ناحيتها.
بنتي، أنا مش جاي آخد منك حاجة. أنا جاي أقولك إن فيه حقيقة تانية، وإن عبد القادر ماټ وهو فاكر إنه حماكي منها.
نور بدأت ټعيط.
إنت سبتني ليه؟ ليه ماجتش تدور عليا؟
ياسين نزل رأسه.
كنت بدور عليكي طول السنين دي، لكن كل ما أقرب، حد كان يبعدني عنك.
قلت له مين؟
رفع عينه وبص لسعاد.
سعاد بدأت تتراجع ناحية الباب.
ياسين قال
هي.
اټصدمت.
سعاد صړخت كداب! إنت اللي اختفيت بإرادتك!
ياسين فتح الوصية، وطلع منها ورقة تانية.
قال الورقة دي فيها توقيعك، وفيها اعترافك إنك استلمتي نور وهي طفلة، وإنك سلمتيها لأسرة جميلة
من غير ما تبلغي والدها الحقيقي.
سعاد ردت بعصبية كنت بحميها!
ياسين قال لأ. كنتِ بتحمي نفسك.
وفجأة، حسن دخل البيت.
كان واضح إنه سمع آخر الكلام.
بص لسعاد وقال إنتِ قلتيلي إن

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى