
اسين ماټ! قلتيلي إن نور ملهاش أب، وإن الأرض كلها هتكون لولاد عبد القادر!
سعاد اتلخبطت.
قالت أنا كنت بحاول أحميكم!
حسن رد تحمينا من إيه؟ من حق بنت يتيمة؟ ولا من الحقيقة اللي إنتِ مخبياها؟
في اللحظة دي، ياسين مد الوصية للمحامي فؤاد اللي كان داخل من الباب بعد ما اتصلت بيه وأنا في الطريق.
المحامي أخذ الورقة، وبدأ يراجعها.
وبعد دقائق رفع عينه وقال
يا جماعة، الوصية دي مش مجرد توزيع ملكية. دي بتثبت إن فيه جزء من الأرض اتخصص باسم نور، وجزء باسم جميلة وبناتها، وجزء تالت مخصص للمشروع الخيري، ومفيش أي شخص من حقه يبيعه أو يتصرف فيه منفرداً.
سعاد بدأت ټعيط.
لكن ياسين قال جملة خلت الكل يسكت
ولسه فيه صفحة أخيرة… الصفحة اللي عبد القادر طلب مني ما أفتحهاش إلا قدام جميلة.
طلع من جيبه ظرف صغير.
كان مكتوب عليه
إلى جميلة، من عبد القادر.
إيدي اترعشت وأنا باخده.
فتحته.
كان فيه خطاب قصير
يا جميلة…
لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى عرفتي إن نور ليها أب، وإن حقها محفوظ، وإن جدك رجع لحياتك.
لكن فيه حاجة واحدة لسه ماقولتهالكش.
أنا ماكنتش مجرد الشخص اللي اتفق مع أبوكي على حفظ الأرض.
أنا كنت عارف من البداية إن فيه طفلة تانية في العيلة اتبدلت أوراقها يوم ولادتها، وإن الحقيقة دي اتخبّت عن الكل.
والطفلة دي مش نور.
الطفلة دي واحدة من بناتك اللي ربيتيهم في حضنك.
والدليل موجود في الصفحة الأخيرة من الوصية.
سامحيني يا جميلة، لكن كان لازم تعرفي الحقيقة من أصحابها.
رفعت عيني ببطء.
بصيت لبناتي الأربعة.
نور كانت واقفة جنب ياسين.
أما البنات التلاتة فكانوا متجمعين جنبي.
قلت بصوت مرتعش
يعني إيه طفلة اتبدلت أوراقها؟!
المحامي فتح الصفحة الأخيرة من الوصية.
قرأ أول سطر، وبعدها سكت تماماً.
بصلي وقال
مدام جميلة… لازم نقعد.
قلت لأ، أنا عايزة أعرف دلوقتي.
المحامي رفع الورقة وقال
فيه اسم واحدة من بناتك مكتوب هنا، باعتبارها صاحبة الحق في إثبات النسب، لكن المفاجأة إن الاسم مش اسم بنتك الكبرى زي ما كنا فاكرين.
قربت منه.
قرأ الاسم بصوت واضح
مريم… ابنة جميلة محمود عبد الرحيم.
مريم!
بنتي التانية!
اللي عمرها ما كانت بتتكلم كتير، واللي طول عمرها هادية وبتحب تقعد مع عبد القادر بالساعات.
بصيت ناحيتها.
كانت واقفة ووشها أبيض، ودموعها بتنزل.
قلت مريم… إنتِ تعرفي حاجة؟
هزت رأسها بالنفي، لكنها ماقدرتش تبص في عيني.
قربت منها.
يا بنتي، اتكلمي. إيه اللي مكتوب في الورقة دي؟
مريم اڼفجرت في العياط، وقالت
ماما، أنا مش عارفة كل حاجة، بس بابا عبد القادر قبل ما ېموت اداني ظرف، وقال لي ما افتحوش غير لما إنتِ تسأليني عن الورق اللي في الصندوق.
حسيت إن قلبي وقع.
ظرف إيه يا مريم؟!
مدت إيدها لشنطتها، وطلعت ظرف صغير قديم.
كان مكتوب عليه بخط عبد القادر
إلى ابنتي التي لم تعرف حقيقتها بعد…
وقبل ما تفتحه، ياسين قال بصوت مرتعش
استنوا… قبل ما مريم تقرأ الخطاب، لازم أقولكم حاجة.
بصينا له.
قال وهو بيبص لمريم
لأن البنت دي مش بس ليها علاقة بالوصية… دي آخر شخص في الدنيا يعرف الحقيقة الكاملة عن أمها الحقيقية، والست دي لسه عايشة، وبتدور عليها من أكتر من عشرين سنة!
وفي اللحظة دي، جرس الباب رن.
دخلت ست عجوز، مستندة على عصاية، ووشها مليان دموع.
أول ما شافت مريم، وقفت مكانها وقالت
بنتي…
مريم وقعت الظرف من إيديها.
والست قربت خطوة، وطلعت من شنطتها صورة قديمة، وقالت
أنا أمك يا مريم… وعبد القادر كان عارف إني عايشة، وكان مستني اليوم اللي يرجعك فيه لحضني!
فضلت مريم واقفة مكانها، عينيها معلقة في الست العجوز اللي دخلت البيت، وكأنها مش قادرة تستوعب الكلمة اللي لسه سامعاها.
أنا أمك يا مريم…
مريم بصت لجميلة، وبعدين رجعت بصت للست، وقالت بصوت متقطع
أمي؟! أمي مين؟! إنتِ بتقولي إيه؟ أنا أمي واقفة قدامي أهي… دي اللي شالتني وربتني وسهرت عليا، دي اللي عمرها ما سابتني في يوم!
الست العجوز دموعها نزلت، وحاولت تقرب منها، لكن مريم رجعت خطوة لورا.
متقربيش… أنا مش فاهمة حاجة!
جميلة قامت من مكانها، ووقفت جنب مريم، وحطت إيدها على كتفها وقالت بهدوء رغم إن قلبها كان بيتقطع
اهدي يا بنتي، محدش هيجبرك تسمعي حاجة إنتِ مش مستعدة ليها. اقعدي يا حاجة، واحكيلنا من الأول، بس من غير ما تضغطي على البنت.
الست قعدت وهي بټعيط، وقالت إن اسمها زينب، وإنها كانت عايشة في البلد زمان، وإنها خلفت مريم في ظروف صعبة جدًا. وقتها كانت صغيرة، وحيدة، وأهلها رفضوا جوازها من الراجل اللي كانت بتحبه، وبعد ما ماټ، اتعرضت
لضغط شديد من عيلتها عشان تتخلى عن الطفلة.
قالت إنها رفضت في الأول، لكنها كانت مريضة ومفيش حد يساعدها، وإن محمود، جد مريم، تدخل وقتها عشان يحمي الطفلة من مصير مجهول.
أنا ماكنتش عايزة أسيبها يا جميلة… والله ما كنت عايزة. بس قالولي إن البنت هتعيش عند ناس يقدروها، وإنها هتتعلم وتكبر في أمان. فضلت سنين بدور عليها، وكل ما أسأل حد يقولولي إنها ماټت، لحد ما عبد القادر ظهر في حياتي من كام سنة، وقال لي إن مريم عايشة، وإنه مش هيسمح إن حد يوجعها بالحقيقة غير لما تبقى قادرة تتحملها.
مريم كانت بتسمع ودموعها بتنزل، وبصت لجميلة
وإنتِ كنتِ تعرفي؟
جميلة هزت راسها بالنفي.
لا يا بنتي، والله ما كنت أعرف. أنا عرفت زيك دلوقتي. ولو كنت أعرف، كنت حكيتلك، لأن مفيش حاجة في الدنيا تخليكي تشكي في مكانتك عندي.
مريم حضنت جميلة بقوة، وقالت وهي بټعيط
أنا مش عايزة أم تانية… أنا عندي أم واحدة، إنتِ.
جميلة مسحت على شعرها وقالت
وأنا أمك يا حبيبتي، ومحدش يقدر ياخد مني الكلمة دي. لكن برضه مش همنعك تعرفي الحقيقة، ولا هطلب منك تكرهي حد عشان تحبيني.
زينب نزلت دموعها أكتر، وقالت
أنا مش جاية آخدها منك، ولا جاية أغير حياتها. أنا جاية أطلب منها تسمعني بس، ولو مش عايزة تسامحني، هقبل.
مريم سكتت فترة طويلة، وبعدها قالت
أنا مش قادرة أسامح دلوقتي، ومش قادرة أكرهك برضه. اديني وقت.
زينب هزت راسها، وقالت
خدي عمرك كله يا بنتي.
وفي اللحظة دي دخل المحامي فؤاد ومعاه إبراهيم الشناوي، وكان معاهم ملف كبير. حط فؤاد الملف على الترابيزة وقال
قبل ما أي حد يمشي، لازم نقفل موضوع الأرض والصندوق. أنا راجعت كل المستندات، واتأكدت إن الأرض ملك جميلة وبناتها، وإن الورق اللي كان مع حسن وسعاد ملوش أي قيمة قانونية. كمان ظهر إن عبد القادر كان سايب إقرار واضح بحقوق كل واحدة فيكم.
جميلة بصت للورق، وقالت
يعني كل اللي عمله عبد القادر ما راحش هدر؟
فؤاد ابتسم بحزن
بالعكس، الراجل ده كان شايل همكم لآخر لحظة. كان عارف إن فيه ناس هتحاول تستغل غيابكم عن الحقيقة، فرتب كل حاجة عشان محدش يقدر يضيع حقكم.
إبراهيم أضاف
والأرض دي مش مجرد أرض. دي أمانة من جدكم محمود، وكان نفسه تفضل في العيلة، وتتعمل عليها حاجة تنفع الناس بدل ما تتحول
لمصدر خلاف وطمع.
جميلة بصت لبناتها وقالت
أنا مش عايزة الأرض دي تبقى سبب في خصام بينا. إحنا كفاية



