روايات وققص

طردتني ببناتي

ي شفناه. هننفذ وصية جدكم، ونخصص جزء منها لمشروع يخدم أهل البلد، ونحافظ على باقي حق البنات.
مريم مسحت دموعها وقالت
وأنا موافقة. بس عايزة حاجة واحدة… محدش يخبي عننا الحقيقة تاني.
جميلة ردت فورًا
أوعدك. من النهارده مفيش أسرار بينا.
وبعد أيام، اتجمعوا كلهم في البيت القديم. حسن وسعاد رجعوا وطلبوا يقابلوا جميلة، وكان واضح عليهم الندم والخۏف من نتيجة اللي عملوه.
حسن قال بصوت واطي
إحنا غلطنا، وكنا فاكرين إن الأرض هتضيع مننا لو ما لحقناش نتصرف.
جميلة بصت له وقالت
الغلط مش إنك خفت على نفسك، الغلط إنك فكرت تاخد حق مش حقك وتكسر خاطر ناس وثقت فيك. أنا مش هنتقم منكم، لكن حقي هيرجع بالقانون، ومش هسمح إن اللي حصل يتكرر.
سعاد عيطت وقالت
سامحينا يا جميلة.
جميلة ردت
ربنا يسامح الجميع. لكن السماح مش معناه إننا نرجع زي الأول، ولا إننا ننسى اللي حصل. كل واحد لازم يتحمل نتيجة اختياره.
وبالفعل، رجعت الحقوق لأصحابها، واتحفظت المستندات، وانتهى الڼزاع على الأرض. وبعد فترة بدأوا يجهزوا جزء منها لمركز صغير لخدمة أهل البلد، فيه مكان لتعليم الأطفال، ومساعدة الأسر المحتاجة، ومكتبة تحمل اسم محمود وعبد القادر.
أما مريم، فبدأت تقابل زينب على فترات. ما كانش الطريق سهل، ولا الچروح اتقفلت في يوم وليلة، لكن زينب ما ضغطتش عليها، وكانت كل مرة تيجي ومعاها حكاية من الماضي أو صورة قديمة، وتسيب لمريم حرية إنها تسأل أو تسكت.
وفي يوم افتتاح المركز، وقفت جميلة وسط بناتها، وزينب واقفة بعيد شوية، بتتفرج عليهم ودموعها في عينيها.
مريم لاحظتها، راحت ناحيتها، ومدت إيدها وقالت
تعالي اقفي معانا… النهارده يوم فرحة، ومش عايزة حد يفضل واقف لوحده.
زينب بصت لها بعدم تصديق
يعني… مش زعلانة مني؟
مريم ردت
لسه جوايا أسئلة كتير، ولسه محتاجة وقت، بس فهمت إن اللي حصل زمان مش
ذنبي ولا ذنبك لوحدك. وأنا مش هسمح للماضي يسرق مني الناس اللي حواليا.
زينب حضنتها بحذر، ومريم بادلتها الحضن، بينما جميلة كانت بتبصلهم ودموعها بتنزل، لكنها ابتسمت.
بعد الافتتاح، دخلت جميلة أوضتها القديمة، وفتحت الصندوق للمرة الأخيرة. طلعت صورة عبد القادر، وحطتها جنب صورة محمود، وقالت بصوت واطي
أمانتك رجعت لأصحابها يا عبد القادر… والبنات بقوا في ضهر بعض. ربنا يرحمك، إنت كنت شايل عننا حمل كبير وإحنا ما كناش حاسين.
قربت مريم منها، وحطت إيدها على كتفها
بتكلمي عبد القادر؟
جميلة ابتسمت
آه يا بنتي. ساعات الواحد بيبقى نفسه يحكي للي مشي كل حاجة حصلت بعده.
مريم قعدت جنبها وقالت
احكيله إننا بقينا بخير… وإن البيت مش هيبقى بيت أسرار تاني.
جميلة بصت لبناتها اللي كانوا بيتجمعوا في الصالة، وسمعت ضحكتهم بعد شهور طويلة من الخۏف والخلاف، وحست لأول مرة إن البيت رجع بيتهم بجد.
ومن يومها، فضل البيت القديم مفتوح بابه، مش عشان الصندوق اللي كان مدفون فيه، ولا عشان الأرض اللي اتنازعوا عليها، لكن عشان بقى مكان بيجمع العيلة، ويفكرهم إن الحق ممكن يتأخر، وإن الحقيقة مهما كانت موجعة، أهون من عمر كامل بيتبني على الكتمان.
أما جميلة، فكانت كل ما حد يسألها عن سر صمودها، تبتسم وتقول
أنا ما كنتش قوية لوحدي… أنا كان عندي بنات يستاهلوا إني أفضل واقفة عشانهم. واللي يزرع حب وأمان في قلوب ولاده، عمره ما بيخسر حتى لو الدنيا كلها حاولت تكسره وفي آخر ليلة ليهم في البيت القديم، اتجمعت جميلة وبناتها في الصالة، وفتحوا الصندوق الخشبي للمرة الأخيرة. مريم طلعت منه جواب صغير كان مستخبي تحت البطانة، وعليه بخط عبد القادر
لجميلة وبناتها…
لو وصل لكم الجواب ده، يبقى أنا مشيت، لكن أتمنى تكونوا عرفتوا إن البيت عمره ما كان حيطان، وإن الأرض عمرها ما كانت أغلى منكم. حافظوا
على بعض، ومتخلوش الفلوس ولا الورث يفرقكم. واللي ليه حق ياخده، واللي غلط يراجع نفسه، لكن أوعى حد فيكم ينسى إن العيلة هي السند الحقيقي.
يا جميلة، سامحيني لو في يوم خبيت عنك حاجة، أنا كنت خاېف عليكي من ۏجع الحقيقة، لكن عمري ما شكيت إن قلبك أوسع من كل الأسرار.
عبد القادر.
جميلة ضمت الجواب لصدرها، وفضلت ساكتة، لحد ما مريم قالت
هو كان عارف إننا هنفضل مع بعض، صح؟
جميلة ابتسمت وسط دموعها
كان عارف إنكم بناتي، وإن قلبي عمره ما هيسمحلي أفرط فيكم.
وفي اللحظة دي، دخلت نور وهي شايلة لوحة صغيرة، وقالت بحماس
أنا علقت اسم المركز على الباب… كتبت عليه بيت العيلة.. صدقة جارية عن محمود وعبد القادر.
كلهم خرجوا يشوفوا اللوحة، ووقفوا قدام الباب، وجميلة مسكت إيد مريم وإيد نور، وبصت لباقي بناتها وقالت
من النهارده، أي طفل يدخل المكان ده هيلاقي باب مفتوح، وأي أم محتاجة مساعدة هتلاقي حد يسمعها. يمكن دي أحسن طريقة نرد بيها الجميل للي سابوا لنا الأمانة.
زينب كانت واقفة بعيد، فمريم مدت إيدها ونادتها
تعالي يا زينب… إنتِ كمان من الناس اللي ليها مكان هنا.
زينب قربت وهي بټعيط، وجميلة فتحت لها دراعها. اتعانقوا كلهم، من غير وعود كبيرة ولا كلام كتير، بس كان فيه قرار واضح إن محدش هيسمح للماضي يفرقهم تاني.
وبعد شهور، بقى المركز مليان أطفال وضحك وحكايات، والأرض اللي كانت سبب خلاف بقت سبب خير لناس كتير. أما البيت القديم، ففضل شاهد على إن الأسرار ممكن تتدفن سنين، وإن الطمع ممكن يفرق أقرب الناس، لكن الحق لما يرجع، والقلوب لما تختار التسامح، بتبدأ حياة جديدة.
وانتهت حكاية جميلة، مش بانتصارها على اللي ظلموها، لكن بانتصارها على الۏجع، وبإنها قدرت تحافظ على بناتها وعلى الأمانة اللي اتسابت في رقبتها… لأن أغلى ميراث مش بيت ولا أرض ولا فلوس، أغلى ميراث هو قلب اتربى
على الأمانة، وعيلة مهما اتوجعت فضلت متمسكة ببعض.

11 من 11التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى