
هناك، لقى قطعة قماش صغيرة مربوطة في غصن منخفض.
كانت العلامة اللي اتفق عليها مع هنري كولينز.
معناها إن المجموعة اللي جوه المزرعة نجحت في تجهيز العربات والمؤن، وإنهم مستنيين الإشارة الأخيرة للخروج.
لكن كان فيه تفصيل واحد ناقص.
صامويل كان المفروض يقابله عند الجدول قبل شروق الشمس، ويسلّمه مفتاح البوابة الخلفية.
وماجاش.
إلياه وقف، وبص ناحية الطريق اللي بيؤدي للمزرعة.
كان قدامه اختياران يكمل خطته وينقذ الناس اللي مستنيينه، أو يرجع يدور على صامويل، ويخاطر إن كل اللي خططوا له ينهار.
فضل ساكت لحظات، وبعدين قال لنفسه
صامويل عمره ما كان بيتأخر من غير سبب.
قرر يرجع.
لكنه قبل ما يتحرك، سمع صوتًا جايًا من وراه
لو رجعت للمزرعة دلوقتي، هتدخل في الفخ اللي اتعمل لك.
إلياه لف بسرعة، ورفع غصنًا سميكًا كان ماسكه في إيده.
كان فيه رجل عجوز واقف بين شجرتين، لابس معطفًا أسود قديمًا، وعلى وشه ندبة طويلة تمتد من جبهته لحد خده.
نفس الوصف اللي حكاه الصياد لبلاك وود.
الرجل رفع إيديه بهدوء وقال
أنا مش عدوك يا إلياه.
إلياه ما نزلش إيده.
إنت تعرف اسمي منين؟
الرجل ابتسم ابتسامة حزينة.
لأني كنت مستنيك من يوم ما سمعت إن شاب أفريقي اسمه إلياه وصل مزرعة بلاك وود.
إلياه ضيّق عينيه.
إنت مين؟
الرجل رد
ناثان كول.
إلياه سكت.
كان الاسم ده أول مرة يسمعه، لكن طريقة كلام الرجل كانت بتقول إنه مش شخص عادي.
ناثان قرّب خطوة، وقال
أنا عارف إنك بتحاول تنقذ خمسة وسبعين شخصًا من المزرعة. وعارف إنك قضيت شهور بتراقب الحراس وبتجهز للهروب. لكن فيه حاجة إنت مش عارفها.
إلياه سأله بحذر
إيه هي؟
ناثان بص ناحية المزرعة وقال
بلاك وود عرف بخطتك قبل ما تبدأ رحلة الصيد.
إلياه حس إن الأرض بتتحرك تحت رجليه.
مين اللي قال له؟
ناثان ما ردش فورًا.
طلع من جيب معطفه ورقة مطوية، ومدّها لإلياه.
كانت الورقة فيها أسماء بعض العمال، ومواعيد خروج العربات، وتفاصيل دقيقة عن الطريق اللي كانوا ناويين يستخدموه للهروب.
إلياه بص للأسماء، ولما وصل لآخر سطر، اتجمد مكانه.
الورقة كانت موقعة باسم شخص واحد.
شخص كان إلياه واثق فيه ثقة كاملة.
هنري كولينز!
إلياه قبض على الورقة بقوة.
مستحيل هنري مش ممكن يخوننا!
ناثان رد بهدوء
يمكن يكون فيه تفسير تاني. لكن اللي أنا متأكد منه إن بلاك وود مجهز رجاله عند البوابة الخلفية، ومستني الناس تخرج عشان يقبض عليهم كلهم مرة واحدة.
إلياه رفع عينه وقال
لو ده حقيقي، يبقى لازم نرجع فورًا.
ناثان هز راسه.
مش قبل ما تعرف الحقيقة عن الصندوق.
إلياه بص له باستغراب.
إنت تعرف الصندوق؟
ناثان أخرج من جيبه مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، عليه نفس العلامة المحفورة فوق جذع الشجرة.
وقال
الصندوق ده فيه دليل على جريمة بلاك وود، لكن فيه كمان ورقة هتفسر لك ليه أنا رجعت بعد عشرين سنة، وليه هو مستعد يحرق المزرعة كلها عشان الورق ده ما يوصلش للسلطات.
إلياه قرب منه وقال
إيه علاقة الورق بيا؟
ناثان بص في عينيه طويلًا، وبعدها قال جملة قلبت كل حسابات إلياه
لأن أختك غريس ما ماتتش في الرحلة اللي اتاخدتوا فيها من قريتكم وفيه دليل إنها وصلت لويزيانا قبلك بسنين.
إلياه حس إن نفسه اتسحب من صدره.
غريس!
أخته اللي قضى سنين وهو بيحاول يعرف مصيرها، واللي كان فاكر إنه فقدها للأبد.
مسك ناثان من ذراعه وسأله بصوت مرتعش
إنت متأكد؟ غريس عايشة؟!
ناثان رد
أنا مش هقول لك إنها عايشة من غير دليل. لكن اسمها موجود في السجلات، وفيه توقيع لشخص استلمها من أحد تجار البشر، وبعدها اختفى أثرها تمامًا.
إلياه سكت، وعينيه مليانة صدمة وأمل في نفس الوقت.
كان طول الشهور اللي فاتت بيخطط لإنقاذ خمسة وسبعين شخصًا، لكنه لأول مرة بقى عنده سبب شخصي يخليه يواجه بلاك وود مهما كان الثمن.
قبل ما يسأل ناثان عن أي تفاصيل إضافية، دوّى صوت جرس من ناحية المزرعة.
جرس الإنذار!
وبعده مباشرة، ارتفع دخان أسود فوق الأشجار.
إلياه جري ناحية أقرب مرتفع، وبص من بين الأغصان.
كان فيه حريق بيبدأ عند المخزن القديم.
وناثان، أول ما شاف الدخان، وشه اتغير.
قال بصوت منخفض
هو بدأ يمسح الأدلة.
إلياه قبض على إيده وقال
مش هسمح له ياخد مني أختي مرة تانية.
لكن ناثان مسكه من كتفه وقال
استنى! لو دخلت من البوابة الخلفية، هتقع في إيد رجاله. لازم تعرف مين اللي فتح له باب الخيانة من جوه.
وفي نفس اللحظة، ظهر رجل بيجري بين الأشجار ناحية الجدول.
كان هنري كولينز!
هدومه مليانة تراب، وإيده بتنزف، وبيجري كأنه هرب من الموت.
أول ما شاف إلياه، صرخ
إلياه! ما تصدقش الورقة اللي معاه! أنا ما خنتكش!
إلياه وقف مكانه.
هنري وصل له وهو بينهج، وبعدها بص لناثان، ولما شاف الندبة اللي في وشه، رجع لورا فجأة.
وشه شحب، وقال بصوت مخنوق
إنت إنت المفروض تكون ميت!
ناثان ما ردش.
هنري بص لإلياه وقال بسرعة
اسمعني! بلاك وود مسك صامويل، وأخد الصندوق، لكنه لسه ما فتحش الدرج السري اللي جواه. ولو فتحه، مش هيكتفي بقتلنا هيقتل كل شخص اسمه موجود في السجلات!
إلياه سأله
والورقة اللي عليها توقيعك؟
هنري نزل عينه، وطلع من جيبه قطعة ورق ممزقة.
قال
التوقيع ده مش توقيعي الحقيقي. حد قلّد اسمي عشان يوقعك في الفخ. وأنا عرفت مين عمل كده، لكن الشخص ده
توقف فجأة.
لأنه سمع صوت خطوات قريبة.
ثلاثة رجال كانوا بيتحركوا بينهم وسط الأشجار، وكل واحد فيهم شايل بندقية.
هنري همس
وصلوا لنا!
ناثان أشار لإلياه ناحية ممر ضيق بين الصخور.
لكن قبل ما يتحركوا، سمعوا صوت بلاك وود من خلف الأشجار، وهو بيصرخ
إلياه! أنا عارف إنك سامعني! عندي عرض ليك!
وبعدها قال جملة خلت إلياه ينسى للحظة كل حاجة حواليه
سلّم نفسك، وأنا هقول لك مكان أختك غريس!
إلياه وقف مكانه، وبص ناحية الصوت.
وبلاك وود كمل
لكن لو رفضت مش هتكون غريس هي الوحيدة اللي هتخسرها النهارده!
يتبع في الجزء الرابع
يا ترى بلاك وود فعلًا يعرف مكان غريس، ولا بيستخدم اسمها عشان يستدرج إلياه؟ ومين الشخص اللي زوّر توقيع هنري، وإيه السر الموجود في الدرج الخفي للصندوق؟
الجزء الرابع بلاك وود كشف السر اللي كان مخبيه عشرين سنة لكن إلياه قلب الطاولة!
إلياه وقف وسط الأشجار، وعينيه مثبتة على المكان اللي جاي منه صوت بلاك وود.
اسم غريس كان كفيل إنه يوقفه عن التفكير للحظة.
سنين طويلة وهو بيسأل نفسه إذا كانت أخته لسه عايشة، وإذا كانت بتدور عليه زي ما هو بيدور عليها، وإذا كان ممكن ييجي يوم ويشوفها تاني.
والنهارده، الراجل اللي دمّر حياته بيقول له إنه يعرف مكانها!
هنري مسك ذراعه وهمس
إوعى تصدقه يا إلياه. بلاك وود مستعد يقول أي كذبة عشان يمسكك.
لكن إلياه ما ردش.
كان بيفكر في حاجة واحدة لو بلاك وود فعلًا عنده معلومة عن غريس، لازم يعرفها، من غير ما يعرّض الناس اللي في المزرعة للخطر.
ناثان كول قرّب منه وقال
اسمعني كويس. الراجل ده عنده نقطة ضعف عمره ما قدر يتخلص منها. هو بيعتقد إن كل الناس ممكن تشتريها بالفلوس أو تخوفها بالسلاح. لو عرف إنك مستعد تتصرف من غير تفكير بسبب أختك، هيستغل ده ضدك.
إلياه بص له وقال
ولو كانت عايشة فعلًا؟ أسيب الفرصة تضيع مني؟
ناثان رد بحزم
لأ. لكن لازم تاخد الحقيقة منه، مش تقع في الفخ اللي عامله لك.
وفجأة، صوت بلاك وود ارتفع مرة تانية من بين الأشجار.
عندك خمس دقايق يا إلياه! بعدها، مش هضمن إن المعلومات اللي عندي هتفضل موجودة!
هنري بص لإلياه، وبعدها قال
أنا عرفت هو جاب اسم غريس منين. الصندوق اللي أخده من صامويل فيه سجل قديم، لكن فيه صفحة اتشالت منه من سنين. الصفحة
—
دي فيها أسماء الناس اللي اتنقلوا من الميناء إلى المزارع في لويزيانا.
إلياه سأله بسرعة
وإنت عرفت الكلام ده إزاي؟
هنري اتردد، وبعدها رد
لأني شفت الصفحة دي قبل كده، في مكتب توماس غراي.
ناثان رفع راسه فجأة.
توماس؟!
هنري هز راسه.
أيوه. هو اللي مسؤول عن حسابات المزرعة. ومن شهر تقريبًا، شفته بيدخل المكتب بالليل، وبيخرج منه ومعاه ورق ملفوف. ولما سألته كان بيعمل إيه، هددني إني لو اتكلمت هتكون دي آخر ليلة ليا في المزرعة.
إلياه بدأ يربط الأحداث ببعضها.
توماس عنده إمكانية الوصول للسجلات، وعارف تفاصيل المزرعة، وقريب من بلاك وود لدرجة تخليه يقدر يغيّر أوراق من غير ما حد يشك فيه.
لكن ليه يزوّر توقيع هنري؟ وليه يساعد بلاك وود يخفي الأدلة، لو كان هو نفسه بيخاطر إنه يتفضح؟
قبل ما إلياه يقدر يسأل، سمعوا صوت صفارة حادة من ناحية المزرعة.
ناثان اتغيرت ملامحه.
قال
دي مش صفارة الحراس العادية. دي إشارة إنهم لقوا حاجة في المخزن.
هنري رد بسرعة
الصندوق! لو عرفوا يفتحوا الدرج السري، كل حاجة انتهت!
إلياه بص له باستغراب.
إيه الموجود في الدرج ده؟
هنري فتح فمه عشان يرد، لكن في اللحظة دي، خرج واحد من رجال بلاك وود من بين الأشجار، ووجّه بندقيته ناحيتهم.
محدش يتحرك!
وخلفه ظهر رجلان آخران.
بلاك وود نفسه كان واقف على مسافة قصيرة، ماسك بندقيته، وعلى وشه ابتسامة باردة.
قال
كنت متأكد إنك هترجع يا إلياه. إنت ذكي، لكن عندك مشكلة واحدة بتفكر في غيرك أكتر ما بتفكر في نفسك.
إلياه وقف قدامه من غير ما يتحرك.
بلاك وود أشار لهنري وقال
خدوا الراجل ده بعيد عني.
واحد من الحراس قرب من هنري، لكن هنري فجأة صاح
قبل ما تعمل كده، اسأله عن اللي حصل سنة 1849! اسأله ليه ناثان كول اختفى، وليه كل الناس اللي كانوا معاه ماتوا أو اختفوا بعده!
ابتسامة بلاك وود اختفت.
ولثانية واحدة، عينيه راحت ناحية ناثان.
الثانية دي كانت كفاية لإلياه عشان يفهم إن هنري لمس سرًا حقيقيًا.
بلاك وود رجع ليتكلم، لكن ناثان سبقه.
قول لهم يا بلاك. قول لهم إيه اللي حصل في الليلة اللي اتهمتني فيها بالسرقة، وإنت كنت بتحاول تتخلص من السجلات اللي تثبت جرائمك!
بلاك وود صرخ
كفاية كذب! إنت هربت، وسِبت رجالتك يموتوا!
ناثان رد بصوت هادي
أنا ما سبتهمش. إنت اللي بعتهم لطريق كنت عارف إنه مقفول، عشان تمنعهم من الوصول للميناء. ولما رجعت عشان أنقذ اللي قدرت عليه، كنت إنت أول واحد أعلن إني مت.
الرجال اللي واقفين مع بلاك وود بدأوا يبصوا لبعض.
واحد منهم سأل
يا سيدي، الكلام ده حقيقي؟
بلاك وود لف له بغضب.
إنت بتسألني أنا؟!
لكن السؤال كان اتقال، والشك بدأ ينتشر.
إلياه استغل اللحظة وقال
إنتوا جيتوا هنا عشان تصطادوا إنسان، لأن بلاك وود وعدكم بمكافأة. لكن حد فيكم سأل نفسه ليه الراجل ده مصرّ يقتلني بدل ما يرجعني للمزرعة؟ وليه بيخاف من صندوق خشب أكتر ما بيخاف من عشرين بندقية؟
محدش رد.
بلاك وود رفع سلاحه ناحية إلياه، لكن قبل ما يضغط على الزناد، سمعوا صوت حصان جاي من ناحية الطريق.
ظهر توماس غراي، ووشه شاحب، وفي إيده ورقة مختومة.
نزل من الحصان بسرعة، وبص لبلاك وود وقال
لازم نتكلم حالًا.
بلاك وود صاح فيه
مش شايف إني مشغول؟!
توماس قرّب منه وهمس، لكن صوته كان مسموعًا بما يكفي للي واقفين قريب
الورقة اللي كنت بتدور عليها مش موجودة في الصندوق.
بلاك وود اتجمد.
إيه؟!
توماس بلع ريقه وقال
الدرج السري فاضي. اللي كان جواه اتنقل من زمان.
ناثان ابتسم لأول مرة.
أما إلياه، فبص لتوماس وسأله
اتنقل لفين؟
توماس ما ردش، لكن عينيه اتحركت ناحية هنري.
وفي اللحظة دي، فهم إلياه إن هنري كان مخبي عنه معلومة مهمة.
هنري رجع خطوة لورا، وقال بسرعة
إلياه، اسمعني قبل ما تحكم عليّ. أنا ما خنتكش، لكن فيه حاجة ما قدرتش أقولها لك.
إلياه بص له بحدة.
إيه هي؟
هنري نزل عينه، وبعدها قال
أنا اللي نقلت الورق من الصندوق بأمر من صامويل. لأن صامويل اكتشف إن فيه صفحة واحدة ممكن تكشف مكان غريس، لكن لو وقعت في إيد بلاك وود، عمرنا ما هنقدر نوصل لها.
إلياه حس إن قلبه بيدق بسرعة.
إنت معاك الصفحة؟
هنري هز راسه.
لأ. أنا سلّمتها لشخص واحد بس، شخص يقدر يحافظ عليها بعيد عن بلاك وود.
ناثان سأله
مين الشخص ده؟
هنري بص ناحية المزرعة، وقال
مارجريت هال.
في نفس اللحظة، كانت مارجريت واقفة داخل الكوخ اللي كانت بتستخدمه لتخزين المؤن.
كانت سامعة أصوات الحراس وهم بيتحركوا ناحية المخزن المحترق، وعارفة إن الوقت بيضيق.
فتحت صندوقًا صغيرًا تحت سريرها، وطلعت منه رسالة قديمة، وصورة باهتة لفتاة شابة واقفة جنب امرأة أكبر منها.




