
الظابط بصوت هز أرجاء : “اكتفوا الاتنين وهاتوا كل حاجة معاهم!”
خلال ثواني، كانت الكلبشات بتتقفل على إيدي وإيد رجب البشاري، اللي كان بينظر لي بنظرات كلها غل وشر وهو فاكر إن أنا اللي سحبته للفخ ده. أنا مكنتش داري بجديد ولا بقديم، عيني كانت متسمرة على الشخص اللي واقف جنب العميد… “الحاج توفيق”، كبير عيلتنا، الراجل اللي كان بيمسح على كتفي الصبح وبيقولي “اتعوذ من الشيطان يا عبد السميع وابنك في رحمة ربنا، بلاش تفتحه فتنسى حرمة الميت!”
كان واقف يداري عينيه عني، وشعاع كشاف الشرطة يضرب في وشه، فتبان حركة إيديه المترددة وهي بتلعب في زرار عبايته السودا. السر اللي قال عليه رجب البشاري بدأ ينكشف قدامي زي الغشاوة اللي تقع من على العين، بس الثمن كان إني أتبهدل وأتسحل في أروقة المباحث وأنا مجروح في شرفي وعقلي وابني تحت التراب!
اتسحبنا أنا ورجب على مركز الشرطة. في مكتب رئيس المباحث، كانت الرائحة تفوح بسجاير كليوباترا مع عرق المتهمين، والجو مشحون. جلس العميد على كرسيه الجلد وبصلي بنظرة شفقة مخلوطة بريبة، وقال: “يا عبد السميع… أنت راجل معروف في البلد بالطيبة والاستقامة، إيه اللي يخليك تتفق مع نباش قبور رد سجون زي رجب عشان تفتح نص الليل؟ هل الصدمة طيرت عقلك بجد، ولا في حاجة تاني مستخبية؟”
رفعت رأسي وإيديا المكلبشة بتهتز، وقلت بصوت حزين ومبحوح: “والله يا باشا ما اتفقت معاه، ولا بلغت عن حاجة. أنا جيت عشان جالي جواب تحت الباب بيكشف سر اللي حصل لابني عمر… الجواب قال إن ابنك مكنش في غيبوبة، وإن اتفتح ليلة دفنته لاتنين اتسحبوا وياخدوا صندوق اتدفن جوة من سنين!”
هنا، رجب البشاري اتنفض ورجع لورا في الكلبشات وصصرخ: “كداب يا باشا! الراجل ده مجنون! هو اللي كلمني وقال لي تعالى المقابر أوريك مكان آثار تحت ابنه عشان نبيعها وسوا، وأول ما جيت لقيت الشرطة طبّت عليا!”
بصيت لرجب بذهول من كمية الغدر، بس قبل ما أرد، العميد ضرب بيده على المكتب بقوة وقال: “بس أنت وهو! السوالف دي مش هتدخل عليا. التقرير الطبي المبدئي بتاع الطب الشرعي وصلني قبل ما أتحرك للمقابر… التقرير بيقول إن ‘عمر عبد السميع’ مات من هبوط حاد في الدورة الدموية وقت الحادثة فوراً، ولم يتم تسجيل أي علامات تتفسر إن الج/ثة اتنفس داخل أو حفرت بأظافرها!”
قاطعت الظابط بدموع قاهرة: “والشوكة اللي في جنبه يا باشا؟! والكفن المتقطع والج/ثة اللي كانت مقلوبة للناحية التانية؟!”
العميد سكت لحظة، وبص في ورقة قدامه وقال بنبرة جدية: “الشوكة والجرح ده اتسبب فيه صلب حاد اتغرس في الكفن والج/ثة بعد الدفن بساعات… وده معناه إن اتفتح فعلاً بعد ما الدفنة خلصت! التقرير بيؤكد وجود آثار عبث مش محلي جوة !”
الكلمات دي نزلت على رجب البشاري زي الصاعقة، وشه اصفرّ، وأنا قلبي بدأ يدق بسرعة. العميد كمل كلامه وبص لرجب وقال بصرامة: “وربنا يستر عليك يا رجب لو تبين إنك أنت اللي فتحت ده… بس الغريبة إن المعاينة جابت حاجة أختير من كدة… البصمات اللي اتلقت على الحجر اللي سد ومش معجون بالأسمنت الكويس، مش بصمات رجب بس!”
في اللحظة دي، دخل مخبر المكتب وهملس في أذن العميد ورقة صغيرة. العميد قراها، وعينيه اتوسعت بذهول، ورفع رأسه وبصلي وقال: “عبد السميع… أنت عارف دي ملك مين أصلًا قبل ما تدفن فيها ابنك؟”
قلتله وأنا بترعش: “دي العيلة يا باشا… شارينها أنا وأخويا والحاج توفيق من أربعين سنة من واحد كان غريب عن البلد وتوفى!”
العميد ابتسم ابتسامة باهتة مليانة غموض، ووقف من على كرسيه وقرب مني وقال: “دي ما كانتش ملك الغريب ده يا عبد السميع… دي كان مكتوب عليها حجة ملكية قديمة باسم جيل أقدم في عيلتكم… وتحديداً باسم والد ‘الحاج توفيق’! والصندوق اللي رجب بيحكي عنه… طلع مش صندوق آثار ولا دهب!”
انفاس القاعة كلها اتكتمت، ورجب البشاري عينه اتفتحت على الآخر وهو مش فاهم حاجة. رفعت عيني للعميد وقلتله: “أمال صندوق إيه يا باشا؟!”
رد العميد وهو بيبص في عيني بتركيز شديد: “الصندوق ده كان جواه أوراق ومستندات مبايعات لأراضي وأطيان العيلة كلها اللي أختك وأمك اتنصب عليهم فيها من ثلاثين سنة، بالإضافة لحاجة ثانية وأبشع بكتير… حاجةخصت حادثة وفاة مرتك الله يرحمها وحادثة ابنك عمر!”
كله سحبت منه الطاقة، والمكتب بدأ يدور بيا. مراتي اللي ماتت بمرض مفاجئ من سنتين؟ وعمر اللي طيرته العربية وهو راجع من الجامعة؟! هل الحوادث دي مكنتش قدرية؟!




