
العميد مسك تليفون المكتب وطلب النبطشية وقال بصوت حاد: “هاتوا لي ‘الحاج توفيق’ فوراً من برة… وفتشوا بيته والجامعة اللي كان بيتردد عليها سواق العربية اللي خبطت عمر!”
قبل ما يتقفل الباب، سمعت صوت دبة رجيل جارية في ممر المركز، وصوت عويل جاي من برة من حريم البلد… كانت أختي وجارة لينا جايين يجروا وهما : “الحق يا عبد السميع! بيت الحاج توفيق والبيت اللي جنبه ولعت فيهم … وفي اتلقت مرمية ورا المقابر للريس اللي كان سايق العربية اللي خبطت عمر!”
صوت العويل اللي هز ممر المركز كان كفيل إنه يخلع قلبي من مكانه. الكلمات كانت بتتردد في ودني زي الصدى : “بيت توفيق …سواق العربية اتلقت ورا !”
العميد اتفض من على كرسيه، وبص للمخبرين بصوت زي الرعد: “انزلوا بسرعة! هاتوا الحماية المدنية، واقفلوا كل منافذ البلد! محدش يخرج أو يدخل منها!”
في أقل من نص ساعة، كانت عربيات الشرطة طايرة بينا في شوارع القرية اللي تحولت لساحة من والرحيل. الدخان الأسود كان مغطي السما، وريحة الشياط والحريق كانت خنقانا من على بعد كيلو. لما وصلنا عند بيت الحاج توفيق، لقيت البيت عبارة عن كتلة من اللهب الفاضحة، والناس بتجري بجادل المية وهما . بس أغرب حاجة شفتها، إن مكنتش بتاكل الخشب والحيطان بس… كانت طالعة من المضيفة القديمة اللي كنا بنقعد فيها كلنا، والناس بتقول إن توفيق دخل البيت بنفسه وسد الباب على نفسه أول ما شاف عربيات الشرطة اتحركت للمقابر!
سحبوني المخبرين وأنا مكلبش، والعميد واقف يوجه رجال المطافي اللي كانوا بيحاولوا يكسروا الباب الحديدي للمضيفة. وبعد محاولات مستميتة وصريخ من حريم العيلة، الباب انكسر وسحبوا ج/ثة متفحمة بالكامل… ج/ثة الحاج توفيق!
قعدت على ركبي في التراب، والدموع جفت في عيني من كتر الصدمات. كل حاجة كانت بتنتهي قدامي في ثواني، بس السر كان بيزيد غموض وظلمة. العميد قرب من الج/ثة المتفحمة، وبص للظابط الصغير اللي كان معاه وقال: “توفيق ولع في نفسه وفي بيته عشان يداري على المستندات والأوراق اللي في الخزنة… بس الج/ثة اللي ورا المقابر هي اللي هتنطق!”
اتحركت القوة كلها بسرعة للمقابر تاني، وتحديداً للناحية الغربية الفاضية ورا سور المقابر. هناك، تحت شجرة لبخ كبيرة، كانت ج/ثة “سيد الكوماندوز”، السواق اللي خبط ابني عمر بالعربية وتسبب في موته، ممدودة على الأرض، وعلى رقبته آثار خنق بآلة حادة، وإيديه التنين مربوطين بحبل خيش تقيل!
العميد توطى على الج/ثة، ومسك جيب الجاكيت المتبهدل بتاع السواق، وخرج منه محفظة جلد قديمة، وجواها ورقة متطبقة أربع تطبيقات ومبلولة بدمه. لما فتحها، عينه اتوسعت، وبصلي بصة مش هنسى نظرتها طول ما أنا عايش… نظرة تحسر وندم وخوف!
قال العميد بصوت واطي ومخنوع: “عبد السميع… تعال بص هنا.”
قربت بخطوات تقيلة، وبصيت في الورقة. كانت شيك بمبلغ نص مليون جنيه، ممضي باسم الحاج توفيق، ومتأرخ بتاريخ يوم الحادثة بالظبط! وتحت الشيك، كانت مكتوبة إقرار واستلام نقدية بصوت توفيق: “هذا المبلغ مقابل التخلص من عمر عبد السميع وجعل الوفاة تبدو كحادث سير عادي على طريق القاهرة.”
الدم اتجمد في عروقي. الحقيقة نزلت عليا زي حجر جرانيت طحن صدري… أخويا الكبيرة… عم ابني… الراجل اللي كنت بشوفه في مقام أبويا، هو اللي أجر السواق عشان يقت/ل عمر! هو اللي حرم ابني من شبابه ودفن فرحتي تحت التراب!
بصوت هز أرجاء المقابر، صوت طالع من قاع جرح ملوش دواء: “ليه يا توفيق؟! ليه تعمل فيا وفي ابني كده؟! ده عمر كان بيعتبرك أبه الثاني! ده كان بيحبك وبيبوس إيدك كل يوم!”
في اللحظة دي، رجب البشاري اللي كان واقف مع حراسة الشرطة، اترمي على الأرض وهو بيترجى العميد ويقول: “يا باشا أنا هقول كل حاجة! أنا مكنش ليا دعوة بالق/تل! توفيق هو اللي جاني قبل حادثة عمر بأسبوع، وقال لي إن في صندوق مدفون جوة العيلة القديمة، صندوق فيه حجة الأراضي وفيه كمان أوراق بتثبت إن زوجة عبد السميع المرحومة ما ماتتش بمرض طبيعي… توفيق هو اللي سمها بالبطيء عشان كانت عرفت إنه بيسرق أطيان العيلة وبيعيد كتابتها باسمه!”
الناس اللي واقفين من أهل البلد حطوا إيديهم على رُؤوسهم من هول الكلام، وأنا حسيت إن الدماغ بيغلي والأرض بتلف بيا.
كمل رجب وهو وبيبكي: “ولما عمر بدأ يدور في أوراق أمه بعد وفاتها ويفتش في الورث، توفيق خاف إن عمر يوصل للصندوق أو يفهم السر، فقرر يتخلص منه بالحادثة! ولما اندفن عمر في دي، توفيق استغل الفرصة وجاب الرجالة عشان يفتحوا وياخدوا الصندوق اللي كان استخبى جوة الحيطة القديمة من سنين… وهما بياخدوا الصندوق، زقوا ج/ثة عمر ولغبطوا الكفن، وأنا اللي شفتهم وخدت الجواب عشان أبتز توفيق وأطلب منه فلوس!”




