
الكفن الأبيض اللي لفناه بيه كان متبهدل، ومتقطع من ناحية الجنب، مكنتش متجهة للقبلة زي ما سبناها يوم . عمر كان مقلوب على جنبه، وششه متغطي بالتراب، وإيديه التنين ممدودين لقدام كأنه كان بيحاول في جدار أو يتسلق عشان يخرج! وأبشع حاجة زلزلت كياني وخلت دموعي في عيني… إن الجانب الأيمن من كان مغروس فيه فرع شجرة ناشف وشهير بشوكه الحاد، فرع دخل في تماماً زي ما كنت بشوفه في الكابوس بالظبط، الناشف كان معلم في حوالين الشوكة!
وقفت مذهول، رجليا مش شايلاني، والعرق نازل مني زي المية رغم برودة المكان جوة . صوت الناس برة كان بينادي عليا بذهول وخوف: “يا عبد السميع! في إيه يا عبد السميع؟ طمنا يا راجل!”
أخويا الكبير “حسين” نزل ورايا وهو بيترعش، ولما بص على عمر، ماسك في كتفي بقوة وقال بصوت ومخنوع: “إيه ده يا عبد السميع؟! ده… ده إزاي بيحصل؟! هو عمر مكنش لما ؟!”
الكلمة نزل عليا زي الصاعقة… “مكنش ؟!”
هل يعقل إن الدكاترة في المستشفى غلطوا لما قالوا إنه فارق الحياة بعد الحادثة؟ هل إحنا دفناه وهو في غيبوبة أو سكتة قلبية مؤقتة؟ هل ابني صحي تحت التراب في الضلمة والخنقة دي، وقعد ويخبط في الجدران لحد ما ماتمن الخوف ونقص الأوكسجين؟ هل عشان كده كان بيجيلي في الحلم ويقولي: “خرجني من هنا يا بابا”؟!
الفكرة لوحدها كانت كفيلة إنها تطير اللي فاضل من عقلي. جثيت على ركبي جنب ابني، مسكت كتافه وأنا بصوت زلزل كلها: “سامحني يا عمر! سامحني يا ابني! أنا اللي بإيدي! أنا اللي سبتك يا حبيبي!”
أخواتي والرجالة نزلوا بسرعة، سحبوني بالعافية وأنا في ج/ثة ابني ومش راضي أسيبه. الناس كانت في حالة ذهول تام، الحادثة هزت القرية كلها في دقائق، والأخبار طارت بين الأهالي زي النار في القش: “عبد السميع فتح ابنه ولقاه متحرك من مكانه ومغزوز في جنبه شوك!”
رجعت البيت محمول على الأكتف، ومش قادر أستوعب الحقيقة. بس وسط الذهول والصدمة، دخل عليا “الشيخ مهران”، راجل كبير من أعيان البلد ومعروف برزانته وعقله. قعد جنبي، ومسك إيدي بصرامة وقال لي: “يا عبد السميع، استهدي بالله وركز معايا… اللي شفته ده وراه سر، والموضوع مش مجرد غيبوبة غلط، الشوكة اللي في جنبه دي مجتش من العدم جوة مقفول بالأسمنت!”
كلام الشيخ مهران نزل عليا كأنه أمل أو بداية الخيط… لو عمر مكنش صحي لوحده… يبقى في حد دخل ده! أو في حاجة تانية بتحصل مش طبيعية!
في نفس الليلة، وقبل ما المفتش أو الصحة يوصلوا عشان يعاينوا الواقعة بناءً على طلبنا، جالي جواب متطبق ومرمي من تحت باب ، مكتوب فيه بخط رديء وبقع د صغيرة:
“ابنك مش في غيبوبة… وابنك مكنش لوحده في … لو عايز تعرف السر اللي مع ابنك، تعال لوحدك قبل أذان الفجر.”
مسكت الجواب في إيدي وأنا حاسس إن جسمي كله بيتكتك من البرودة والخوف. الشقة كانت فاضية وضلمة، وصوت قلبي كان طالع زي الطبولة في ودني. الجواب بين إيديا، وبقع الصغيرة اللي عليه كانت زي اللي بتاكل في صوابعي. “تعال لوحدك قبل أذان الفجر…” العبارة دي كانت بتتردد في عقلي كأنها حكم بالإعدام، بس ما كانش قدامي خيار تاني. لو في أي خيط، حتى لو كان كذب أو فخ، يخليني أفهم إيه اللي حصل لابني عمر، همرّ عليه حتى لو على أطراف الشوك.
بصيت في الساعة المعلقة على الحيطة، كانت التانية والنصف بعد منتصف الليل. الفجر فاضل عليه حوالي ساعة ونص. خرجت من البيت من غير ما أحسس أخواتي أو أي حد من البلد، مشيت في شوارع القرية الفاضية، الهدوء كان مرعب، والكلاب كانت بتعوي بصوت ينقبض له القلب. كل خطوة كنت بمشيها ناحية المقابر كانت تحسسني إن الأرض بتتسحب من تحت رجليا، بس صورة عمر وهو الحلم والشوكة مغروسة في جنبه كانت هي المحرك الوحيد ليا.
وصلت سور ، الضلمة كانت كاحلة، وما فيش غير نور القمر الخافت اللي نازل على أسطح الشواهد . الريح كانت بتهب بصوت حفيف بين أشجار الصدر والعوسج النابتة بين المقابر. مشيت بخطوات بطيئة ومرتبكة بين الشواهد لحد ما قربت من عمر.
أول ما قربت، لاحظت حاجة غريبة جداً… الشمعة! كان في شمعة صغيرة متولعة ومحطوطة على الطوب الرصيص اللي فوق ، ونورها الضعيف كان بيرتعش مع الهواء!
وقف قلبي في صدري. قربت ببطء وأنا ماسك عصاية خشب تقيلة كنت جايبها معايا، وقلت بصوت مخنوع ويرتعش: “مين هنا؟… مين اللي بعت الجواب؟”



