
مهدود ده، وأنا أصلاً جاية أعمل فيكي خير.
بنتي الكبيرة ماقدرتش تسكت ماما مش هتبيع البيت.
سعاد بصتلها باستهزاء وإنتِ مالك يا بنتي؟ الكبار بيتكلموا.
قلت لها اتكلمي معايا أنا، وبناتي محدش يرفع صوته عليهم.
سعاد قربت مني وقالت بصوت واطي بصي يا جميلة، أنا مش جاية أضيع وقتي. فيه مشتري مستعد يدفع مبلغ كبير، والناس اللي معاه مستعجلين. عايزاكي تمضي على ورقة بيع، وناخد الفلوس ونخلص.
قلت مش همضي على أي حاجة.
وشها اتغير.
إنتِ فاكرة نفسك بقيتي صاحبة أملاك؟ إنتِ مش عارفة إن عبد القادر كان بيضحك عليكي؟ الراجل كتب كل حاجة لولادي، وإنتِ عايزة تعملي فيها صاحبة الأرض؟
قلت أنا مش هبيع البيت.
خرجت من شنطتها ملف صغير، وطلعته قدامي.
طيب شوفي ده.
فتحت الملف وطلعت صورة لعقد قديم، وحطته على الترابيزة.
قالت ده عقد ملكية الأرض، واسم عبد القادر موجود فيه، وأنا معايا صورة منه. يعني لو مشيتي بالذوق، هتمشي بالورق.
نظرت للعقد.
كان فيه اسم عبد القادر بالفعل، لكن فيه حاجة شدت انتباهي.
العقد كان مكتوب فيه إن الملكية انتقلت له من شخص اسمه محمود عبد الرحيم.
اسم أبويا!
بصيت لسعاد وقلت إنتِ جبتي العقد ده منين؟
ردت بسرعة مش مهم جبته منين. المهم إن الأرض مش من حقك.
حاولت أتماسك.
قلت سيبيلي فرصة أراجع الورق.
سعاد ضحكت وقالت تراجعي إيه؟ أنا هسيبك يومين، وبعدها هاجي ومعايا المشتري والمحامي. ولو ما مضتيش، هنشوف القانون هيقول إيه.
خرجت وهي بتقول لابنها يلا يا حبيبي، سيبيها تحلم شوية.
قفلت الباب وفضلت واقفة مكاني.
بنتي الكبيرة قربت مني ماما، هي عرفت منين إن فيه حاجة في الأرض؟
بصيت لها وقلت مش عارفة، بس واضح إن الموضوع مش جديد عليها.
رجعت للصندوق وفتحته تاني.
طلعت الدفتر الأزرق وبدأت أدور على الصفحة اللي وقفت عندها.
الحقيقة التي لا يعرفها أحد.
قرأت أول سطر
هذه الأرض لم تكن ملكاً لعبد القادر، ولم تكن ملكاً لي وحدي، بل كانت أمانة مشتركة بين عائلتين، وقد تم الاتفاق على أن تظل باسم شخص واحد حتى لا تضيع حقوق بقية الشركاء.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
يعني الأرض مش ملك أبويا وحده؟
كملت
وقد تم بناء البيت القديم فوق جزء من الأرض التي شهدت اتفاقنا، أما الجزء الأكبر فيمتد خلف المنزل وحتى نهاية السور الشرقي.
رفعت عيني وبصيت ناحية الحيطة.
البيت كان عبارة عن غرفتين وصالة، وفي الخلف مساحة واسعة مهجورة، كلها تراب وحشائش.
عمرنا ما اهتمينا بيها.
كملت القراءة
الأشخاص الذين شاركوا في الاتفاق كانوا أربعة.
محمود عبد الرحيم.
عبد القادر محمود.
إبراهيم الشناوي.
والشخص الرابع…
هنا كان الاسم ممسوحاً بحبر أسود، كأن حد تعمد يخفيه.
حاولت أقرب الورقة من النور، لكن الاسم ماكانش واضح.
قلّبت الصفحة اللي بعدها.
لقيت ورقة صغيرة متدبسة، مكتوب فيها
إذا عادت جميلة إلى البيت، فعليها أن تذهب إلى إبراهيم الشناوي، فهو آخر شخص يعرف الحقيقة كاملة.
قلت بصوت مسموع إبراهيم الشناوي؟
بنتي الكبيرة سألت تعرفيه يا ماما؟
هزيت رأسي.
الاسم ده سمعته قبل كده من أبوكي، بس مش فاكرة فين.
في اللحظة دي افتكرت موقف قديم جداً.
من حوالي عشر سنين، عبد القادر كان بيتكلم في التليفون مع شخص، ولما دخلت عليه قفل المكالمة بسرعة.
سألته وقتها مين يا عبد القادر؟
قال واحد صاحبي قديم اسمه إبراهيم.
وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي بدأت أربط الأحداث ببعض.
قلت للبنات بكرة الصبح هنروح ندور على إبراهيم الشناوي.
بنتي التانية سألت وهنسيب الصندوق هنا؟
قلت هنخبي الأوراق في مكان محدش يعرفه، ومش هنقول لأي حد إحنا لقينا إيه.
قضينا الليلة كلها في ترتيب الأوراق، وتصويرها بالموبايل، وحفظها في حقيبة صغيرة.
أما الصندوق، فغطيناه تاني بالتراب، لكن قبل ما نقفله، لقيت في قاعه مفتاحاً صغيراً مربوطاً بقطعة جلد.
كان عليه رقم محفور ١٧.
احتفظت بيه.
تاني يوم الصبح، سبت البنات في البيت مع بنت خالتي اللي اتصلت بيها وطلبت منها تيجي تقعد معاهم، ونزلت أدور على إبراهيم الشناوي.
بدأت أسأل في المنطقة القديمة، لكن محدش كان يعرفه.
لحد ما وصلت لكشك صغير عند آخر الشارع، وكان فيه راجل كبير قاعد بيشرب شاي.
سألته لو سمحت، تعرف راجل اسمه إبراهيم الشناوي؟
رفع عينه وبصلي باستغراب.
إبراهيم الشناوي؟ تقصدي عم إبراهيم بتاع المخازن؟
قلت بسرعة أيوه، هو فين؟
قال كان عنده مخزن كبير في شارع السوق، بس قفله من سنين. على حد علمي عايش في البلد القديمة عند بنته.
اداني العنوان.
ركبت مواصلة وروحت.
وصلت لبيت صغير في شارع هادي، وخبطت على الباب.
فتحتلي ست في أواخر الأربعينات.
قلت السلام عليكم، أنا بدور على الأستاذ إبراهيم الشناوي.
ردت مين حضرتك؟
قلت أنا جميلة، مرات المرحوم عبد القادر محمود.
مجرد ما سمعت الاسم، وشها اتغير.
قالت استني هنا.
دخلت وقفلت الباب وراها.
فضلت واقفة مستغربة.
بعد شوية، ظهر
راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مرهق، وكان بيتحرك بصعوبة.
بصلي طويلاً، وبعدين قال إنتِ جميلة؟
قلت أيوه.
اتنهد وقال كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
اتفضلت جوه.
قعدت قدامه، وطلعت صورة أبويا وعبد القادر.
أول ما شافها، دموعه نزلت.
قال الله يرحمهم… كانوا رجالة، بس كل واحد فيهم دفع تمن السكوت غالي.
قلت أنا عايزة أفهم. إيه حكاية البيت القديم؟ وإيه علاقة أبويا بجوزي؟ وليه عبد القادر سابلي البيت ده بالذات؟
بصلي وقال قبل ما أقولك، لازم أسألك سؤال.
قلت اتفضل.
إنتِ لقيتي الدفتر؟
اتجمدت.
قلت إنت عرفت منين؟
رد لأن عبد القادر كلمني قبل ما ېموت، وقال لي إنك هتيجي في يوم تسألي عن الحقيقة، وإن أول حاجة هتعمليها إنك تدوري على الاسم اللي مكتوب في الدفتر.
سكت شوية، وبعدين قال بس فيه حاجة تانية لازم تعرفيها يا جميلة. الأرض اللي إنتِ عايشة فيها دلوقتي، مش هي كل الأمانة.
قلت يعني إيه؟
قال فيه جزء تاني من الأرض اتسجل باسم شخص مختلف، والشخص ده كان مسؤول إنه يحافظ على نصيبك ونصيب ناس تانية.
سألته مين الشخص ده؟
قام بصعوبة، ودخل أوضة جانبية، ورجع ومعاه صندوق خشب صغير.
حطه قدامي وقال قبل ما أبوكي ېموت، سلمني الصندوق ده، وقال لي ما افتحوش إلا لما جميلة تعرف إن ليها حق.
فتحت الصندوق.
كان فيه عقد شراكة قديم، وخريطة مرسومة بإيد، ومفتاح تاني.
المفتاح ده كان عليه نفس الرقم اللي لقيته في الصندوق المدفون.
١٧.
بصيت لإبراهيم.
قال المفتاح ده مش بيفتح باب البيت، ولا الصندوق اللي تحت الأرض.
قلت أمال بيفتح إيه؟
رد مخزن رقم سبعتاشر، اللي كان أبوكي بيستخدمه زمان.
حسيت إن قلبي هيخرج من مكانه.
والمخزن ده فين؟
قال في أرض قديمة جنب محطة القطر، مقفول من يوم ۏفاة أبوكي.
سألته وفيه إيه جواه؟
سكت إبراهيم فترة طويلة، وبعدين قال فيه الإجابة عن السؤال اللي إنتِ بتسأليه من يوم ما عبد القادر ماټ.
قلت ليه جوزي عمل كده؟
بصلي وقال لأن عبد القادر كان عارف إن لو عرفتي الحقيقة وإنتِ في بيته الكبير، مش هتقدري تحمي نفسك ولا بناتك.
حسيت ببرودة في جسمي.
قلت تحمينا من مين؟
قبل ما يرد، رن تليفونه.
بص للشاشة، ولقيته بيتغير.
رد بصوت متوتر أيوه… أيوه يا سعاد.
قلبي وقع.
إبراهيم سكت وهو بيسمع، وبعدها قال لأ، جميلة مش عندي.
قفل المكالمة وبصلي.
قلت هي عرفت إني جيت هنا؟
هز رأسه.
مش بس عرفت… دي عرفت إنك معاكي مفتاح المخزن.
قلت
بسرعة إزاي؟ أنا ماقولتلهاش حاجة!
إبراهيم قرب مني وقال لأن فيه حد بيراقبك من يوم ما خرجتي من البيت.
اتسمرت مكاني.
مين؟
قال الشخص اللي ساعد



