روايات وققص

طردتني ببناتي

ش قادر يقولها بصراحة.
قلت للبنات هاتوا أي حاجة نقدر نفتح بيها القفل.
جابتلي بنتي الكبيرة عتلة حديد كانت مرمية جنب الحيطة، وحاولت أرفع القفل، لكنه كان متماسك بشكل غريب.
فضلنا نحاول لحد ما اتفتح أخيراً.
رفعنا الغطاء بصعوبة، وظهر قدامنا صندوق حديد كبير، متغلف بطبقة من القماش المشمع، ومحكم الإغلاق.
قلبي كان بيدق بسرعة.
بنتي الصغيرة مسكت إيدي وقالت ماما، هو بابا كان مخبي لنا فلوس؟
بصيت لها وقلت مش عارفة يا حبيبتي… بس أكيد كان عنده سبب إنه يخبي الحاجة دي عن الناس.
فتحنا الصندوق.
وأول حاجة ظهرت قدامنا كانت مجموعة ملفات قديمة مربوطة بشريط قماش، وفوقها صورة فوتوغرافية كبيرة.
مسكت الصورة.
كانت صورة عبد القادر وهو شاب، واقف قدام البيت القديم، وجنبه راجل كبير في السن وست شايلة طفلة صغيرة.
لكن الصدمة مش كانت في الصورة نفسها.
الصدمة كانت في إن الست اللي واقفة جنب جوزي كانت أمه… والراجل الكبير كان أبويا أنا!
شهقت ووقعت الصورة من إيدي.
بصيت فيها تاني، وقربتها من عيني، وفضلت أقول مستحيل… مستحيل!
بنتي الكبيرة خطفت الصورة من إيدي هو جدو كان يعرف بابا من زمان؟
هزيت رأسي وأنا مش قادرة أستوعب.
أبويا ماټ من سنين طويلة، وعبد القادر عمره ما حكالي إنه كان يعرفه قبل جوازنا.
بل بالعكس، أنا فاكرة كويس إن أول مرة شفته فيها كانت عن طريق قرايبنا، وإنه كان شخص غريب عن عيلتنا تماماً.
إزاي الصورة دي موجودة هنا؟
وإزاي أبويا واقف جنب جوزي في البيت القديم؟
مديت إيدي للملفات وبدأت أفتح أول ملف.
كان جواه عقد قديم، ورقة مطوية، وصورة تانية أصغر.
قرأت أول سطر في العقد، وحسيت إن الأرض بتلف بيا.
كان مكتوب
إقرار باستلام أمانة وحفظ حقوق السيدة…
والاسم اللي بعده كان اسم أمي.
أمي!
أمي اللي ماټت من أكتر من عشرين سنة!
قعدت على الأرض وأنا ماسكة الورقة، ودموعي بتنزل من غير ما أحس.
بنتي الكبيرة قعدت جنبي يا ماما، إيه اللي في الورق؟
قلت لها بصوت متقطع جدتك… أم ماما… كانت ليها علاقة بالبيت ده.
قلبت الورقة، ولقيت توقيع عبد القادر، وتوقيع أبويا، وتوقيع راجل تالت معرفوش.
وتحت التوقيعات كان فيه تاريخ يرجع لسنين طويلة قبل ما أتجوز عبد القادر.
بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد حاجة مدفونة في الأرض.
لكن لسه ماكنتش عارفة إيه علاقة أمي وأبويا بالبيت، وليه عبد القادر احتفظ
بالأوراق دي طول السنين.
فتحت الملف التاني.
كان فيه ظرف أبيض مكتوب عليه بخط عبد القادر
إلى جميلة… لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا مشيت من الدنيا، وإنك أخيراً وصلتي للمكان اللي كنت مستنيكي توصلي له.
إيدي اترعشت.
فتحت الظرف وبدأت أقرأ.
يا جميلة…
أنا عارف إنك دلوقتي زعلانة مني، وعارف إنك مش فاهمة ليه وافقت قدام أمي ومراتي التانية إني أكتب الأملاك باسم الولاد، وليه سبتك إنتِ وبناتك في البيت القديم.
عارف إنك اتوجعتي لما سمعتي مني إن البنات مالهمش ورث، وعارف إنك يمكن تكوني كرهتيني في اللحظة دي.
بس فيه حاجات ماقدرتش أقولها وأنا عايش.
البيت ده مش خړابة زي ما الناس فاكرة، والأرض دي مش مجرد أرض قديمة.
أنا عايزك تكملي قراءة الأوراق بالترتيب، وماتديش أي ورقة لأي حد قبل ما تعرفي حكايتها.
وأهم حاجة يا جميلة، مهما حصل، ماتخليش حد ياخد البيت منك إنتِ والبنات.
حتى لو الشخص ده كان من أقرب الناس ليكي.
وقفت عند الجملة الأخيرة.
بصيت للبنات، ولقيتهم كلهم مركزين معايا.
قلت هو كان عارف إن حد هيحاول ياخد البيت؟
بنتي التالتة قالت يمكن عارف إن مراتُه التانية هتطردنا؟
ما رديتش.
كملت قراءة الرسالة.
فاكرة لما أبوكي ماټ، وفضلتي شهور مش عارفة تتصرفي في ورثك؟ فاكرة لما قولتلك إنك ماخدتيش من أبوكي غير شوية حاجات بسيطة؟
أنا عارف إنك عمرك ما سألتي عن تفاصيل كتير تخص الماضي، وكنتِ فاكرة إن كل حاجة خلصت يوم ما أبوكي ماټ.
لكن الحقيقة إن أبوكي سابلك حق كبير، وأنا كنت شاهد عليه.
والبيت القديم ده كان المكان اللي أبوكي اختاره عشان يحفظ حقك لحد ما تكبري وتبقي قادرة تعرفي الحقيقة.
أنا اتجوزتك وأنا عارف إنك بنت الراجل ده، وعارف إن فيه أمانة في رقبتي.
ماكنتش عايز أقولك وأنا عايش، لأني وعدت أبوكي إني ماكشفش السر إلا لما تكوني إنتِ بنفسك صاحبة القرار.
أنا آسف إني خليتك تتوجعي، لكن كان لازم أوصلك للمكان ده.
وقفت عن القراءة.
بصيت في الورقة، وبعدين بصيت للبنات.
قلت أبويا كان سايبلي حق؟ حق إيه؟ وإزاي جوزي كان عارف كل ده؟
بنتي الكبيرة قالت كملي يا ماما، لازم نعرف.
رجعت للرسالة.
جوا الصندوق هتلاقي دفتر أزرق. الدفتر ده أهم من كل الأوراق اللي موجودة.
اقري أول صفحة، وبعدها هتعرفي تروحي لمين.
بس خلي بالك، مش كل اللي هيبتسم في وشك هيكون فرحان إن حقك يرجعلك.
رفعت عيني من الرسالة.

الدفتر الأزرق كان موجود بالفعل تحت الملفات.
كان شكله قديم جداً، والغلاف متآكل من الأطراف، لكن صفحاته محفوظة بعناية.
فتحته.
أول صفحة كان مكتوب فيها بخط أبويا
أنا محمود عبد الرحيم، أكتب هذه الكلمات حتى لا يضيع حق ابنتي جميلة بعد رحيلي.
حطيت إيدي على بقي.
ده خط أبويا.
أنا كنت بعرف خطه كويس، وكنت محتفظة برسائل قديمة منه، مستحيل أغلط فيه.
بدأت أقرأ.
في سنة من السنين، اتعرضت لمشكلة كبيرة مع شريك حياتي في التجارة، وكان فيه ناس حاولوا يستولوا على الأرض اللي ورثتها عن والدي.
اضطريت أبيع جزء من أملاكي، لكن احتفظت بجزء كبير باسم أمانة لابنتي جميلة.
الجزء ده مش مجرد أرض، ده أصل عيلة كاملة، وفيه حقوق ناس تانية لازم تتحفظ.
اتفقنا أنا وعبد القادر على إنه يحتفظ بالأوراق لحد ما جميلة تكبر وتعرف الحقيقة.
ولو حصل لي أي حاجة، يكون هو المسؤول عن توصيل الأمانة ليها.
فضلت أقرأ، لكن كل سطر كان بيفتح قدامي سؤال جديد.
مين الناس اللي ليهم حقوق في الأرض؟
وليه أبويا ماقالليش؟
وليه عبد القادر اتجوزني وهو شايل السر ده؟
قلّبت صفحات الدفتر لحد ما وصلت لصفحة مكتوب فوقها بخط كبير
الحقيقة التي لا يعرفها أحد.
وقبل ما أقدر أقرأ باقي الصفحة، سمعت صوت خبطة قوية على باب البيت.
البنات اتخضوا.
بصيت ناحية الباب، وسألت مين؟
جالي صوت من بره.
افتحي يا جميلة، أنا عارفة إنك جوه!
الصوت كان مألوف جداً.
كانت ضرتي، سعاد.
بصيت للبنات وقلت لهم محدش يتكلم، ومحدش يقولها إحنا لقينا إيه.
خبّيت الأوراق بسرعة جوه الصندوق، وقفلت الغطاء، لكن الدفتر الأزرق احتفظت بيه في إيدي.
فتحت الباب.
كانت سعاد واقفة قدامي، ووراها ابنها الكبير وابنها الصغير.
ابتسمت ابتسامة مستفزة وقالت إيه يا جميلة؟ لسه عايشة في الخړابة؟ أنا قلت أجيلك أشوفك، يمكن تكوني أخيراً اقتنعتي إن المكان ده ماينفعش لحد يعيش فيه.
قلت لها بهدوء خير يا سعاد؟ عايزة إيه؟
دخلت من غير استئذان، وبصت حوالين المكان.
أنا عايزة أخلص من الموضوع ده. إنتِ قاعدة هنا على إيه؟ عبد القادر الله يرحمه سابلك البيت ده، بس الأرض دي عليها كلام كتير.
حسيت بقلبي بيدق.
قلت كلام إيه؟
ردت وهي بتبص في عيني فيه ناس عايزة تشتري الأرض، وإحنا مش هنسيبها تضيع. البيت ده هيتباع، وإنتِ وبناتك هتاخدوا مبلغ كويس وتروحوا تشوفوا لكم مكان تاني.
قلت البيت بتاعي، وعبد
القادر سابهولي.
ضحكت بتاعك إيه بس؟ ده جوزك كان عايش معانا في البيت الكبير، وكتب كل أملاكه لولاده. إنتِ آخرك البيت

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى