روايات وقصص

اتجوزت حب عمري بعد فراق دام

اتجوزت حب عمري الأول بعد فراق دام خمسة وأربعين سنة، علشان أحقق لها آخر أمنية قبل غيابها… لكن بعد ما غابت، ابنها سلّمني جواب مقفول، وقاللي جملة خلت قلبي يقف من الصدمة: «إنت متعرفش الحقيقة كلها عن أمي… هي سابتلك الجواب ده، ووصّتني ما أديهولكش غير بعد غيابها!»

ماكنتش أعرف إن الجواب ده هيخليني أكتشف إن الست اللي فضلت أحبها طول عمري، كانت شايلة سر يخصني أنا شخصيًا من يوم ما افترقنا. وسر لو كنت عرفته من خمسة وأربعين سنة، كان ممكن يغيّر حياتنا كلنا!

لكن علشان تفهموا حكايتي، لازم أرجع بيكم لليوم اللي شوفتها فيه بعد السنين الطويلة دي كلها. اسمي محمود، عندي أربعة وستين سنة. أنا راجل عشت عمري كله تقريبًا لوحدي، رغم إني اتجوزت زمان وخلفت بنت، لكن مراتي غابت من اتناشر سنة، وبنتي اتجوزت وسافرت مع جوزها.

ومن يومها، بقيت عايش في شقتي القديمة، وسط صور وذكريات وهدوء ساعات كان بيبقى أصعب من أي وجع. كنت موظف حكومي، ولما طلعت معاش، حسيت إن الأيام بقت شبه بعضها. أصحى الصبح، أصلي، أفطر لوحدي، وأنزل أتمشى شوية، وأرجع أقعد قدام التلفزيون لحد ما الليل ييجي.

وفي يوم، واحد صاحبي اقترح عليّا أشارك في نشاط تطوعي لزيارة المرضى في المستشفى. قاللي: — يا محمود، بدل ما إنت قاعد لوحدك، انزل اقعد مع الناس اللي محتاجة حد يسمعها. يمكن ربنا يجعل وجودك سبب في فرحة قلب تعبان. عجبتني الفكرة. وبالفعل، بقيت أروح المستشفى تلات مرات في الأسبوع.

كنت بقعد مع المرضى اللي مالهمش زوار كتير، أسمع حكاياتهم، وأحاول أخفف عنهم بكلمة طيبة. ماكنتش أعرف إن باب أوضة واحدة في المستشفى ده، هيفتحلي باب من الماضي كنت فاكره اتقفل للأبد. في يوم خميس، وأنا داخل المستشفى، قابلتني ممرضة اسمها هناء.

قالتلي: — يا أستاذ محمود، عندنا مريضة جديدة في الدور التالت. حالتها صعبة شوية، وبقالها يومين مش عايزة تتكلم مع حد. سألتها: — مالها يا بنتي؟ ردت بحزن: — عندها حالة صحية صعبة في مرحلة متقدمة، والدكاترة بيحاولوا يخففوا عنها الألم. ابنها بيزورها، بس هي أغلب الوقت ساكتة.

قلت: — ربنا يشفيها ويهون عليها. اسمها إيه؟ بصت في الورق اللي معاها وقالت: — ليلى عبد الحميد. الاسم خلاني أقف مكاني. ليلى عبد الحميد! حسيت بحاجة غريبة جوا صدري. الاسم ده أنا حافظه من وأنا عندي سبعتاشر سنة. لكن بسرعة طردت الفكرة من دماغي.

قلت لنفسي: معقول يعني تكون هي؟! الدنيا مليانة ناس بنفس الاسم. طلعت الدور التالت، ومشيت في الممر الطويل لحد ما وصلت لأوضة رقم ٣١٢. خبطت على الباب خبطتين خفيفين. سمعت صوت ست ضعيف بيقول: — اتفضل. فتحت الباب ودخلت.

كانت نايمة على السرير، ووشها شاحب، وشعرها الأبيض ظاهر من تحت طرحة قطنية خفيفة، وإيديها الرفيعة فوق الغطا. أول ما رفعت عينيها وبصتلي، حسيت إن الزمن وقف. العيون دي! أنا أعرف العيون دي حتى لو عدّى عليها ميت سنة!

بصتلي باستغراب. فضلت تتأمل وشي، وبعدين ضيّقت عينيها كأنها بتحاول تفتكر حاجة بعيدة. قلت تاني: — ليلى عبد الحميد… إنتِ ليلى اللي كانت في مدرسة البنات جنب مدرستنا؟ فتحت بقها من الدهشة. وبعدين رفعت إيدها على صدرها وقالت: — محمود؟! ابتسمت، والدموع سبقتني.

— أيوه يا ليلى… محمود. فضلت باصة ليّ ثواني، وفجأة ضحكت. ضحكة ضعيفة، لكنها كانت نفس الضحكة اللي فضلت أسمع صداها في وداني سنين طويلة. قالت: — يا نهار أبيض! محمود؟! محمود اللي كان بيستناني عند المكتبة كل يوم؟! ضحكت وسط دموعي. — أيوه، هو نفسه… بس شعره أبيض شوية!

ردت وهي بتضحك: — شوية إيه يا راجل؟! ده إنت بقيت شبه جدي! قربت من الكرسي اللي جنب سريرها وقعدت. فضلنا نبص لبعض كأننا مش مصدقين. خمسة وأربعين سنة! خمسة وأربعين سنة كاملة من غير ما أشوفها، ولا أسمع صوتها، ولا أعرف عنها حاجة.

وفجأة، لقيتها قدامي. بس مش البنت اللي كانت بتجري في الشارع وهي شايلة كتبها. لقيتها ست كبيرة، الحالة الصحية أكلت من صحتها، لكن ملامحها لسه محتفظة بنفس الطيبة. سألتها: — إنتِ عاملة إيه يا ليلى؟ ابتسمت ابتسامة حزينة. — زي ما إنت شايف… الدنيا أخدت مني كتير يا محمود.

قلت: — ربنا قادر يهون عليكي. بصتلي وقالت: — وإنت؟ عملت إيه في حياتك؟ اتجوزت؟ خلفت؟ حكيتلها عن مراتي الله يرحمها، وعن بنتي اللي سافرت، وعن شغلي والمعاش. وهي حكتلي إنها اتجوزت وخلفت ولد اسمه أحمد، وإن جوزها غاب من سنين.

لكن الغريب إنها كل ما كنت أجيب سيرة أيام زمان، كانت عينيها تلمع بالدموع، وتغيّر الموضوع بسرعة. في اللحظة دي ماخدتش بالي. كنت فرحان إني لقيتها وبس. علشان تفهموا ليلى كانت مين بالنسبة لي، لازم أحكيلكم عن أيام شبابنا.

كنت عندي سبعتاشر سنة لما عرفتها. هي كانت أصغر مني بشهور. أبوها كان مدرس لغة عربية، وأبويا كان موظف بسيط. كنا ساكنين في نفس المنطقة، وكنت بشوفها كل يوم تقريبًا وهي رايحة المدرسة. كانت بنت هادية، محترمة، بتحب القراية، وعندها ضحكة تخلي الواحد ينسى هموم الدنيا.

أول مرة اتكلمنا كانت في مكتبة صغيرة جنب المدرسة. كنت واقف بدوّر على كتاب، وهي كانت عايزة نفس النسخة. مدت إيدها عليه في نفس اللحظة اللي أنا مديت فيها إيدي. ضحكت وقالت: — واضح إننا بندور على نفس الحاجة. قلت: — خديه إنتِ.

قالت: — لا، خده إنت. قلت وأنا بابتسم: — طب إيه رأيك نعمل اتفاق؟ تقريه الأول، وبعد ما تخلصيه تدّيهولي. ضحكت وقالت: — ماشي، بس أوعى تنسى. ومن يومها، بدأت الحكاية. بقينا نتقابل صدفة عند المكتبة، وبعدها الصدفة بقت معاد مستنيه طول اليوم. كنا بنتكلم عن الكتب والدراسة وأحلامنا.

كانت نفسها تبقى مدرسة زي أبوها. وأنا كنت بحلم أشتغل وأكوّن بيت صغير، وأجيب مكتبة كبيرة نحط فيها كل الكتب اللي بنحبها. وفي يوم، وإحنا واقفين قدام المكتبة، سألتني: — محمود، إنت نفسك تتجوز واحدة عاملة إزاي؟ بصيتلها وقلت: — واحدة بتحب القراية، وبتضحك كتير، واسمها بيبدأ بحرف اللام.

وشها احمر، وضحكت بخجل. — يا سلام! دي مواصفات صعبة أوي! قلت: — بس أنا لقيتها خلاص. سكتت شوية، وبعدين قالت: — وإنت ناوي تعمل إيه؟ قلت بجدية: — أول ما أخلص تعليمي وأشتغل، هاجي أطلب إيدك من أبوكي. بصتلي طويلًا، وقالت: — توعدني؟

مديت إيدي، وقلت: — أوعدك يا ليلى. ابتسمت وقالت: — وأنا هستناك. ماكنتش أعرف إن الوعد البسيط ده هيفضل عايش جوايا خمسة وأربعين سنة. بعدها بسنة، أبويا تعب جدًا، واضطريت أسافر مع عيلتي علشان نعيش عند عمي فترة. قبل ما أسافر، روحت لليلى. كانت واقفة قدام بيتهم، وعيونها مليانة دموع.

قلت: — مش هتأخر عليكي. أول ما ظروفنا تتحسن، هرجع. قالت: — وأنا هستناك يا محمود… بس ماتنسانيش. قلت: — أنساكي إزاي وإنتِ أول واحدة قلبي حبها؟ يومها ادتني كتاب صغير، وكانت كاتبة على أول صفحة: “إلى محمود… بعض الوعود لا يمحوها الزمن.” احتفظت بالكتاب ده طول عمري.

لكن بعد سفري، حصلت حاجات غريبة. بعتلها جواب على عنوان بيتهم، وماجاليش رد. بعت جواب تاني، وتالت، ورابع. ولا رد. وبعد شهور، رجعت البلد يومين، وعرفت إن عيلتها سابت البيت وانتقلت لمكان تاني. سألت الجيران، محدش كان يعرف عنوانهم الجديد.

واحد من معارف أبوها قاللي إنها اتخطبت. الكلمة يومها كسرتني. فضلت فترة طويلة مش قادر أصدق. إزاي ليلى اللي وعدتني تستناني، تتخطب من غير حتى ما تبعتلي كلمة؟ حاولت أدور عليها، لكن كل الأبواب كانت مقفولة. ومع الوقت، استسلمت. قلت لنفسي إنها اختارت حياتها، وإن من حقها تعيش.

وبعد سنين، اتجوزت واحدة طيبة ومحترمة، وعشت معاها حياة هادية، وربنا رزقني منها ببنتي. عمري ما ظلمت مراتي، ولا قارنتها بحد. لكن الذكرى الأولى فضلت موجودة في مكان بعيد من قلبي. مش لأن حياتي كانت ناقصة، لكن لأن الحكاية انتهت من غير ما أعرف سبب النهاية.

رجعت من ذكرياتي على صوت ليلى وهي بتناديني: — محمود… إنت سرحت في إيه؟ ابتسمت وقلت: — في المكتبة القديمة. ضحكت وقالت: — لسه فاكرها؟ قلت: — فاكر كل حاجة. سكتت فجأة. وبعدين سألتني سؤال غريب: — محمود… إنت زعلت مني زمان؟

بصيتلها باستغراب. — زعلت؟ أنا اتوجعت يا ليلى. بس عمري ما كرهتك. عينيها دمعت. قالت: — سامحني. اتخضيت من نبرة صوتها. — أسامحك على إيه؟ هزت راسها وقالت: — على حاجات كتير… يمكن في يوم تعرفها. كنت هسألها تقصد إيه، لكن الممرضة دخلت علشان تديها العلاج.

اضطريت أمشي. وقبل ما أخرج، مسكت إيدي وقالت: — هتيجي تاني؟ ابتسمت. — هاجي بكرة، وبعده، وكل يوم لو تسمحيلي. قالت وهي بتبتسم: — اتأخرت أوي يا محمود. رديت: — بس رجعت أهو. من اليوم ده، بقيت أزورها كل يوم. كنت أجيبلها ورد أبيض، لأنها كانت بتحبه من زمان.

وأحيانًا أجيب كتاب وأقعد أقرأ لها منه. كانت بتضحك لما أتلخبط في القراية، وتقولي: — إنت لسه زي ما إنت… بتستعجل علشان تخلص! كنت بضحك وأقول: — وأنا مستنيكي تصححيلي زي زمان. لكن وسط كل اللحظات الحلوة دي، كنت بشوف الحالة الصحية بتغلبها يوم ورا يوم.

كنت بضحك وأقول: — وأنا مستنيكي تصححيلي زي زمان. لكن وسط كل اللحظات الحلوة دي، كنت بشوف الحالة الصحية بتغلبها يوم ورا يوم. كانت بتتعب من أقل مجهود، وساعات تنام وإحنا بنتكلم. وفي يوم، دخلت لقيتها بتبكي. قربت منها بسرعة. — مالك يا ليلى؟ في حاجة وجعاكي؟ مسحت دموعها وقالت: — الدكتور كان هنا.

قلبي اتقبض. — وقال إيه؟ بصت ناحية الشباك، وسكتت شوية. وبعدين قالت: — قال إن العلاج مبقاش بيجيب نتيجة، وإن الوقت اللي فاضل ممكن يكون أيام قليلة… يمكن أسبوع، ويمكن أكتر أو أقل، ربنا أعلم. حسيت إن حد ضربني في صدري. كنت لسه لاقيها!

لسه عندي ألف حكاية عايز أحكيهالها! لسه عايز أسألها عن كل السنين اللي فاتت! قلت بصوت مخنوق: — ماتقوليش كده… الأعمار بإيد ربنا. ابتسمت بحنان. — عارفة يا محمود، وأنا راضية بقضاء ربنا. بس نفسي أطلب منك طلب. قلت بسرعة: — اطلبي أي حاجة.

بصتلي بنظرة غريبة، فيها خجل بنت صغيرة، رغم السنين اللي مرت. وقالت: — فاكر الوعد اللي وعدتهولي وإحنا عندنا سبعتاشر سنة؟ ابتسمت بحزن. — إني أتجوزك؟ هزت راسها. — أيوه. وبعدين ضحكت وقالت: — شايف إن خمسة وأربعين سنة تأخير كفاية، ولا ناوي تخليني أستنى أكتر؟

فضلت أبصلها مش فاهم. — قصدك إيه يا ليلى؟ قالت بصوت هادي: — نفسي أتجوزك يا محمود. اتسمرت مكاني. كملت وهي بتحاول تبتسم: — عارفة إن الطلب غريب، وإننا كبرنا، وإن حالتي صعبة… بس نفسي قبل ما أغيب أكون مراتك، حتى لو ليوم واحد.

حسيت دموعي بتنزل غصب عني. قلت: — إنتِ عارفة إني كنت مستعد أعمل ده من زمان؟ قالت: — عارفة. سألتها: — وابنك؟ هيوافق؟ ابتسمت. — أحمد عارف، وأنا اتكلمت معاه. هو أهم حاجة عنده إني أكون مبسوطة. سكت لحظة، وبعدين مسكت إيدها وقلت: — موافق يا ليلى.

اتفتحت عينيها من الفرحة. — بجد؟ قلت: — بجد. المرة دي مش هسيبك تستني. بكت وضحكت في نفس الوقت. وقالت: — يبقى أخيرًا هبقى مرات محمود! بعد تلات أيام، اتجوزنا رسميًا في أوضة المستشفى، بعد ما اتأكدنا إن كل الأوراق والإجراءات المطلوبة جاهزة.

كان موجود المأذون، والشهود، وابنها أحمد، وبنتي اللي رجعت من السفر مخصوص علشان تحضر. لبست بدلتي الكحلي القديمة، واشتريت دبلتين بسيطتين. دبلتها كان فيها قلب صغير لونه وردي. لما لبستهالها، فضلت تتأملها وهي بتضحك. قالت: — إيه الجمال ده يا محمود!

دي أحلى دبلة في الدنيا. قلت: — معلش، العريس على المعاش! ضحكت لدرجة إن دموعها نزلت. وقالت: — أنا مش عايزة دهب ولا فلوس… أنا كنت عايزة اليوم ده وبس. بعد ما المأذون مشي، ابنها أحمد قرب مني وحضني.

وقال بصوت واطي: — شكرًا يا عمي محمود… إنت مش متخيل عملت إيه لأمي النهارده. قلتله: — أمك غالية عندي يا أحمد. بصلي نظرة طويلة، كأنه كان عايز يقول حاجة. لكن أمه نادت عليه. — أحمد، تعالى يا حبيبي. راح وقف جنبها. مسكت إيده وهمستله بكلمتين ما سمعتهمش. وشه اتغير، وبصلي بسرعة.

ساعتها افتكرت إنها بتوصيه عليّا. ماكنتش أعرف إنها كانت بتفكره بوعد أخطر بكتير من وعد جوازنا. عشنا بعد الجواز خمسة أيام. خمسة أيام بس. لكن بالنسبة لي، كانوا عمر كامل.

كنت بقعد جنبها بالساعات، أحكيلها عن بنتي، وعن شقتي، وعن الكتب القديمة اللي لسه محتفظ بيها. وفي الليلة الرابعة، سألتني فجأة: — محمود… الكتاب اللي اديتهولك زمان، لسه معاك؟ ابتسمت. — أيوه. اتسعت عينيها. — بجد؟! قلت: — لسه في درج مكتبي، ومعاه كل الحاجات اللي فكرتني بأيامنا.

سكتت شوية، وبعدين قالت: — طب والجوابات؟ استغربت. — جوابات إيه؟ بصتلي. — الجوابات اللي كنت ببعتها لك زمان. حسيت إن الدم نشف في عروقي. — إنتِ بعتّيلي جوابات؟! رفعت راسها بالعافية. — كتير يا محمود… بعتلك كتير. قلت بصدمة: — وأنا كمان بعتلك، بس ماجاليش منك ولا جواب واحد!

اتغير وشها فجأة. فضلت باصة ليّ كأنها سمعت مصيبة. همست: — يعني… إنت ماوصلكش حاجة؟ هزيت راسي. — ولا جواب يا ليلى. بدأت تبكي بصمت. قربت منها وقلت: — في إيه؟ إيه اللي حصل زمان؟ مسكت إيدي بقوة غريبة على جسمها الضعيف. وقالت: — يا محمود… إحنا اتظلمنا أوي. قلبي دق بسرعة.

— مين اللي ظلمنا؟ فتحت بقها علشان ترد، لكن نفسها اتقطع، وبدأت تكح وتتعب. ناديت الممرضة بسرعة. دخل الدكتور، وطلب مني أخرج شوية علشان يفحصها. فضلت واقف بره الأوضة، وإيدي بتترعش. لأول مرة من خمسة وأربعين سنة، حسيت إن حكايتنا ما انتهتش لأن ليلى نسيتني. كان فيه حد فرّق بينا.

ويمكن كان فيه سبب أكبر من مجرد جوابات ماوصلتش. لما رجعت أدخل، كانت مرهقة جدًا. بصتلي، وقالت بصوت ضعيف: — محمود… لو ماقدرتش أحكيلك، أحمد هيقولك. قلت: — تحكيلي إيه يا ليلى؟ ابتسمت بحزن. — الحقيقة اللي خفت أقولها طول عمري. وبعدين غمضت عينيها. وفي صباح اليوم اللي بعده، غابت ليلى عن الدنيا.

بعد مراسم الوداع، وقفت قدام مكان راحتها وقت طويل. كنت حاسس إني فقدتها مرتين. مرة وأنا شاب، ومرة وأنا راجل عجوز. لكن المرة دي، كان فيه وجع تالت. وجع السؤال اللي سابته من غير إجابة. مين اللي منع جواباتنا؟ وإيه الحقيقة اللي كانت خايفة تحكيهالي؟

وأنا واقف، حسيت بإيد بتلمس كتفي. لفيت، لقيت أحمد ابنها. كان ماسك ظرف قديم، لونه أصفر، وحوافه باين عليها إنها اتفتحت واتقفلت قبل كده. قاللي: — عمي محمود، أمي وصّتني أديك الظرف ده بعد غيابها. بصيتله. — إيه ده يا أحمد؟ بلع ريقه وقال: — الحقيقة اللي أمي فضلت شايلها خمسة وأربعين سنة.

فردت الورقة. وكان أول سطر فيها: “محمود حبيبي… يوم ما سافرت، كنت حامل في ابننا، لكن أبويا عرف قبل ما أقدر أقولك، ومن اليوم ده بدأت أكبر مأساة في حياتنا…” وقفت عن القراية. بصيت لأحمد، وبعدين للصورة اللي في إيدي. وهمست: — ابننا؟!

لكن أحمد هز راسه وقال جملة زودت حيرتي أكتر: — استنى يا عمي محمود… ماتحكمش على حاجة قبل ما تقرأ الجواب للآخر. لأن الحقيقة مش زي ما إنت فاهم! نهاية الجزء الأول يتبع في الجزء الثاني: الجواب الذي غيّر كل شيء.

السر اللي اتدفن خمسة وأربعين سنة

«محمود حبيبي… يوم ما سافرت، كنت حامل في ابننا، لكن أبويا عرف قبل ما أقدر أقولك، ومن اليوم ده بدأت أكبر مأساة في حياتنا…» قريت الجملة مرة واتنين وتلاتة.

حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا، وإن قلبي هيخرج من مكانه. رفعت عيني وبصيت لأحمد، ابن ليلى، اللي كان واقف قدامي وساكت. قلتله بصوت مخنوق: — يعني إيه الكلام ده يا أحمد؟! أمك كانت حامل؟! حامل في ابن مين؟!

بصلي بحزن وقال: — اقرأ الجواب للآخر يا عمي محمود، أرجوك. صرخت فيه من غير ما أقصد: — أقرأ إيه؟! إنت فاهم يعني إيه الكلام اللي مكتوب ده؟! أنا وليلى عمرنا ما اتجوزنا زمان! إزاي تقول إنها كانت حامل في ابننا؟! نزل أحمد عينيه للأرض، وقال: — علشان كده لازم تقرأ كل كلمة.

أمي كتبت الجواب وهي عارفة إنك هتتخض، وعارفة إن فيه حاجات إنت ناسيها أو عمرك ما عرفتها. وقفت أبصله، وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني. إزاي أكون عشت خمسة وأربعين سنة، وفاكر إني عارف كل حاجة عن حياتي، وفجأة أكتشف إن فيه حكاية كاملة اتخبّت عني؟

رجعت أبص للورقة. كان خط ليلى واضح، لكنه مهزوز شوية. بدأت أقرأ… “محمود حبيبي… مش عارفة أبدأ منين، ولا أقولك إيه. يمكن لما تقرأ الجواب ده أكون خلاص مش موجودة، ويمكن تكون زعلان مني، أو شايف إني خدعتك.

بس قبل ما تحكم عليّا، اسمع حكايتي للآخر. فاكر آخر صيف قضيناه سوا؟ فاكر لما أبوك تعب، وكنت مضطر تسافر مع عيلتك؟ إنت يمكن فاكر إننا كنا مجرد اتنين بيحبوا بعض ومستنيين اليوم اللي يتجوزوا فيه. لكن فيه حاجة إنت ماكنتش تعرفها. قبل سفرك بشهرين، أبويا عرف إننا بنحب بعض.

يومها اتعصب جدًا، وقاللي إن الكلام اللي بينا لازم يقف، وإنه مش هيقبل إن بنته تفضل مرتبطة بوعد من غير جواز. فضلت أعيط وأترجاه. قلتله إنك راجل محترم، وإنك وعدتني تيجي تتقدم رسمي أول ما ظروفك تسمح.

لكن أبويا كان خايف عليّا من كلام الناس، وخايف إن السنين تعدي وأنا مستنية حاجة يمكن ماتحصلش. وبعد أيام، حصلت مفاجأة. أبوك جه بيتنا واتكلم مع أبويا. قاله إنك بتحبني، وإنه عارف نيتك، وإنه نفسه يشوفنا في الحلال.

واتفقوا إننا نكتب كتابنا بعقد رسمي، على أن الفرح والدخلة يبقوا بعد ما تخلص تعليمك وتستقر. كنت طايرة من الفرحة. وفعلًا، اتكتب كتابنا. كنت أنا وإنت لسه صغيرين، وأهلنا موجودين، وكل حاجة حصلت قدامهم وبموافقتهم. فاكر يا محمود؟

فاكر يوم ما لبستني الدبلة الفضية الصغيرة، وقلتلي: (إنتِ مراتي قدام ربنا والناس، وأول ما أرجع هنعمل فرح يليق بيكي.) لكن بعد أيام قليلة، حصلت مشكلة كبيرة بين أبويا وأبوك بسبب فلوس وشراكة قديمة. المشكلة كبرت، والاتنين اتخانقوا خناقة عمرهم.

وأبوك قرر يسافر بياخدك معاه. قبل سفرك، طلب مني أبويا أرجع الدبلة. رفضت. وقلتله إني مراتك، وإن محدش يقدر يفرقنا. لكن اللي حصل بعد كده كان أقسى من أي حاجة أتخيلها.” وقفت عن القراية. إيدي بدأت ترتعش. افتكرت فجأة يوم كتب الكتاب. أيوه! إحنا فعلًا كنا كتبنا كتابنا زمان.

إزاي ماقولتش الحكاية دي وأنا بحكي عن ليلى؟ يمكن لأن السنين طمست تفاصيل كتير، ويمكن لأني طول عمري كنت بحاول أنسى الفترة دي. لكن الحقيقة إني كنت فاكر. فاكر المأذون، وفاكر أبويا وهو بيباركلي، وفاكر ليلى وهي قاعدة جنب أمها ووشها أحمر من الكسوف.

وفاكر كمان إن أبويا قاللي بعدها إن فيه خلاف حصل، وإن الجواز اتفسخ. لكن عمري ما عرفت التفاصيل. بصيت لأحمد وقلت: — أنا وليلى كنا كتبنا كتابنا فعلًا… بس أبويا قالي إن أبوها طلب الطلاق، وإن كل حاجة انتهت.

أحمد هز راسه بحزن. — وده كان أول كدب اتقالك يا عمي. حسيت بوجع في صدري. — يعني إيه؟ قال: — كمل، وهتفهم. رجعت للجواب. “بعد ما سافرت، اكتشفت إني حامل. كنت خايفة، لكن في نفس الوقت كنت فرحانة.

كنت بقول لنفسي إن ربنا هيجمعنا تاني، وإن الطفل ده هيكون سبب إن أهلنا يتصالحوا. جريت على أمي وقلت لها. أمي حضنتني وعيطت. لكن لما أبويا عرف، الدنيا اتقلبت. ماكنش زعلان من الحمل نفسه، لأننا كنا متجوزين رسمي، لكنه كان مرعوب من الفضيحة اللي هتحصل لو الناس عرفت إن بنته حامل وجوزها مسافر، وإن العيلتين بينهم عداوة.

قلتله: (يا بابا، أنا مرات محمود، والطفل ده ابنه. خليني أبعته جواب.) رفض. قاللي إن أبوك أهان كرامته، وإنه مش هيسمحلي أرجعلك. لكن أنا ما سمعتش كلامه. كتبتلك جواب طويل، وقلتلك فيه إني حامل، وإننا لازم نتصرف. بعته على عنوان عمك اللي كنت ساكن عنده.

استنيت أسبوع. وبعدين اتنين. وبعدين شهر. ولا رد. كتبت جواب تاني. وبعدين تالت. لحد ما بعتلك سبع جوابات. وماجاليش منك رد واحد. كنت بصحى كل يوم على أمل إن البواب يخبط ويقوللي إن فيه جواب وصل. لكن مفيش. وفي يوم، أبويا دخل عليّا الأوضة، ورمى قدامي ورقة. كانت ورقة طلاق.

قاللي: (محمود طلقك، وبعت الورق مع أبوه. هو مش عايزك ولا عايز الطفل.) وقتها حسيت إن روحي خرجت مني. صرخت وقلتله: (مستحيل! محمود عمره ما يعمل كده!) لكنه قاللي إنك عرفت بالحمل، وإنك رفضت تتحمل المسؤولية. فضلت أعيط أيام وليالي.

كنت بحط إيدي على بطني، وأقول للطفل اللي جوايا: (أبوك مش وحش يا حبيبي… أكيد فيه حاجة غلط.) لكن مكنش عندي دليل. وأبويا منعني أخرج من البيت لوحدي. وبعد فترة، نقلنا من المنطقة كلها. قال إننا هنبدأ حياة جديدة بعيد عن كلام الناس. كنت وقتها في الشهر الخامس.

وفي يوم، سمعت أبويا بيتكلم مع أمي. كان بيقول: (أنا عملت اللي لازم يتعمل. الولد مش هيعرف مكانها، وهي مش هتعرف توصله.) ساعتها فهمت إن فيه حاجة كبيرة بتحصل ورا ضهري. لكن ماكنتش أعرف قد إيه الحقيقة كانت بشعة.” وقفت عن القراية.

الدموع كانت نازلة على وشي من غير ما أحس. افتكرت أبويا الله يرحمه. افتكرت اليوم اللي قالي فيه: — انسى ليلى يا محمود. أبوها مش عايزك، وهي وافقت على الطلاق. كنت وقتها شاب عندي تسعتاشر سنة.

قعدت قدامه وقلتله: — بس أنا بحبها يا بابا! رد عليّا بعصبية: — الحب مش كل حاجة في الدنيا. كرامتنا أهم. وبعدها بكام يوم، جابلي ورقة وقاللي أمضي. سألته: — دي إيه؟ قال: — إجراءات الطلاق. خلّص الموضوع ده وانساه. وقّعت وأنا مكسور.

ماكنتش أعرف إنها كانت حامل. ولا أعرف إنها كانت مستنياني. ولا أعرف إن كل جواب كنت ببعته كان بيختفي قبل ما يوصلها. رفعت عيني لأحمد. قلتله: — أنا ماكنتش أعرف يا ابني… والله العظيم ماكنت أعرف! قرب مني وحط إيده على كتفي.

— أمي عرفت الحقيقة دي قبل ما تغيب بفترة قصيرة. بصيتله بصدمة. — إزاي؟ قال: — لما جدي توفى، ساب صندوق قديم فيه أوراق وجوابات. أمي ماكانتش قادرة تفتحه سنين، لكن لما تعبت، طلبت مني أجيبه. سكت لحظة، وبعدين كمل: — لقينا فيه كل الجوابات اللي إنت بعتها لها، وكل الجوابات اللي هي بعتها لك، ومحدش فيكم استلمها.

حسيت إن نفسي بيتقطع. خمسة وأربعين سنة! خمسة وأربعين سنة من الفراق، بسبب شوية ورق اتحبس في صندوق! قلتله: — والصندوق ده فين؟ قال: — عندي في البيت. وأمي وصّتني أديهولك. رجعت أبص للجواب. لسه فيه صفحات كتير. “محمود… أنا عارفة إنك دلوقتي بتسأل نفسك عن الطفل.

وعارفة إنك مستني تعرف هو فين، وإيه اللي حصل له. أنا ولدت ولد. ولد جميل، شبهك بشكل يخض. نفس عينيك، ونفس الحاجب اللي فوق عينك الشمال. أول ما شوفته، حضنته وعيطت. سميته أحمد. كنت عايزة أسميه على اسم أبوك، لكن أبويا رفض، وقال إن الاسم ده مش هيدخل بيته تاني.

فاخترت اسم أحمد. كنت بربيه لوحدي في الأول، وأقول للناس إن أبوه مسافر. لكن لما أحمد كبر شوية، أبويا ضغط عليّا أتجوز. كان فيه راجل محترم، أرمل، وعنده استعداد يتجوزني ويربي ابني. رفضت في البداية. كنت لسه بحبك، ولسه مستنية معجزة ترجعك.

لكن أمي كانت تعبانة، وأبويا كان شديد، وأنا ماكنش عندي شغل ولا مصدر دخل. وفي الآخر، وافقت. اتجوزت الراجل ده بعد ما اتأكدت إن طلاقي منك حصل رسمي. كان إنسان طيب، وعمره ما فرّق بين أحمد وأي ابن من صلبه. ربّى أحمد، وعلّمه، ووقف جنبه لحد ما كبر.

وأنا فضلت شايلة ذكراك جوايا. ماكنتش بظلم جوزي، ولا قصرت في حقه. كنت بحترمه وأقدّره، وعشت معاه سنين فيها مودة ورحمة. لكن كان فيه سؤال عمره ما سابني: ليه محمود ما سألش عني؟ وليه ما دورش عليّا؟

وليه صدق إني نسيته؟ ماعرفتش الإجابة غير لما فتحت صندوق أبويا بعد غيابه. لقيت جواباتك كلها. أول جواب كنت بتقول فيه: (ليلى، أنا وحشتيني أوي. أول ما أرجع هاجي أخدك ونبدأ حياتنا.) والتاني: (أنا مش فاهم ليه مش بتردي. لو زعلانة مني قوليلي.

) والتالت: (أبويا بيقول إنك عايزة الطلاق، بس أنا مش مصدق. أرجوكي ردي عليّا.) وبعدها لقيت جواب كنت كاتبه قبل الطلاق بأيام: (ليلى، لو إنتِ مش عايزاني، هحترم قرارك، بس نفسي أسمعها منك إنتِ.) قعدت أعيط وأنا بقرأ. وفهمت إننا كنا اتنين بيستنوا بعض. كل واحد فاكر إن التاني سابه.

وكل واحد عايش على وجع ماكانش له ذنب فيه. لكن الصدمة الأكبر ماكانتش في الجوابات. كانت في ورقة صغيرة لقيتها تحتهم. ورقة بخط إيد أبويا. كان كاتب فيها اعتراف بكل اللي عمله. واعترف إنه هو اللي منع الجوابات، وإنه اتفق مع أبوك على الطلاق، وإنه قال لكل واحد فينا إن التاني مش عايزه.

والأصعب إنه كتب إنه عرف إنك ماكنتش تعرف بحملي، لكنه قرر يخبي عنك. قال إنه كان فاكر إنه بيحميني. لكنه في الحقيقة حرمني من الراجل اللي حبيته، وحرم ابني من أبوه الحقيقي. أنا قريت الاعتراف ده وأنا عندي حالة صحية صعبة، والدكاترة قالولي إن الوقت اللي فاضل مش كتير.

وقتها قررت أدور عليك. لكن قبل ما أبدأ، ربنا جمعنا في المستشفى. يوم ما دخلت عليّا الأوضة، افتكرت إني بحلم. كنت بدعي ربنا أشوفك مرة أخيرة. وفجأة لقيتك واقف قدامي. كنت عايزة أقولك كل حاجة من أول يوم. لكن خفت. خفت من رد فعلك.

خفت تحس إن عمرك كله اتسرق منك. وخفت تكرهني لأني ماحاولتش أوصلك بعد ما عرفت الحقيقة. لكن أكتر حاجة خوفتني، إني أغيب قبل ما أشوفك مبتسم. علشان كده طلبت منك نتجوز. مش علشان أهرب من الحقيقة. لكن علشان أحقق الحلم اللي اتسرق مننا.

وكنت أقول له: (شبه أبوك يا حبيبي… شبه راجل طيب، الدنيا فرقت بيني وبينه.) أنا عارفة إن الصدمة كبيرة. لكن أحمد عارف كل حاجة. وهو اللي طلب مني أقولك. هو اللي شجعني أتجوزك. وهو اللي وعدني إنه بعد غيابي، هيسلمك الجواب، ويقولك الحقيقة.

بس يا محمود… أوعى تفتكر إن أحمد مستني منك فلوس أو ميراث أو أي حاجة. هو عنده حياته وبيته وولاده. كل اللي نفسه فيه إنه يعرف أبوه. وكل اللي نفسي فيه، إنك ماترفضوش بسبب وجع الماضي.

أنا عشت عمري كله وأنا فاكرة إنك سبتني. وإنت عشت عمرك كله وإنت فاكر إني نسيتك. لكن الحقيقة إن الحب ماكانش هو اللي خاننا. اللي خاننا كان الخوف والكبرياء وسكوت الناس اللي افتكروا إن من حقهم يقرروا مصيرنا. محمود… لو سامحتني، افتكرني بدعوة حلوة.

الجزء الثالث والأخير: الاعتراف الأخير

«أبوك كان عارف إن أمي حامل فيك، وعارف إن ليك ابن… لكنه اختار يسكت خمسة وأربعين سنة!» قالها أحمد وهو واقف قدامي، وفي إيده الموبايل اللي عليه صورة اعتراف أبويا. كنت فاكر إن أصعب لحظة في حياتي كانت يوم ما ودعت ليلى.

لكن اكتشفت إن فيه وجع أصعب من الغياب نفسه. إنك تكتشف إن الناس اللي كنت بتثق فيهم، واللي كنت فاكر إنهم بيحموك، هما نفسهم اللي ضيّعوا أجمل سنين عمرك! بصيت لأحمد وقلتله بصوت بيرتعش: — يعني أبويا كان عارف إن عندي ابن؟! وعاش وغاب من غير ما يقولي؟! هز راسه بحزن.

— مش بس كده يا بابا… ده كان فيه اتفاق بينه وبين جدي إن الحقيقة دي تفضل مدفونة. حسيت إن نفسي ضاق. قلتله: — اتفاق على إيه؟! وإيه السر اللي يخلي اتنين يضحوا بحياة ولادهم بالشكل ده؟! مسك إيدي وقال: — تعالى معايا البيت، وهتفهم كل حاجة.

ركبت العربية جنب أحمد، وفضلت طول الطريق ساكت. كنت ببص من الشباك، والذكريات بتجري قدام عيني. افتكرت أبويا وهو بيقولي زمان: «انسى ليلى يا محمود، البنت دي مش من نصيبك.» وافتكرت إزاي كنت بترجاه يخليني أروح أشوفها مرة أخيرة. وإزاي كان بيرفض بعصبية، ويقولي: «البيت ده اتقفل، ومش هيتفتح تاني!»

كنت فاكر إنه بيعمل كده علشان كرامته. لكن دلوقتي عرفت إن ورا كلامه حكاية تانية. وصلنا بيت أحمد. كان بيت بسيط ومرتب، فيه ريحة قهوة ودفا عيلة أنا اتحرمت منها سنين طويلة. أول ما دخلنا، خرجت ست في أواخر التلاتينات.

أحمد ابتسم وقال: — دي مراتي، نادية. سلمت عليّا بحرارة، وقالت وعينيها مليانة دموع: — نورت بيتك يا عمي محمود… أحمد حكى لي كل حاجة. قبل ما أرد، سمعت صوت طفل بينادي: — بابا! مين الضيف؟ بصيت ناحية الصوت. لقيت ولد عنده حوالي عشر سنين واقف على باب الأوضة، ووراه بنت أصغر منه.

أحمد نادى عليهم. — تعالوا يا حبايبي، سلموا على جدكم. الكلمة وقعت على قلبي زي المطر بعد سنين عطش. جدكم! أنا بقيت جد لطفلين ماكنتش أعرف إنهم موجودين! قرب الولد مني وقال ببراءة: — حضرتك جدو محمود؟ نزلت على ركبتي بالعافية، وفتحت دراعاتي. — أيوه يا حبيبي… أنا جدو محمود.

حضني الطفل، وبعده أخته. وفي اللحظة دي، ماقدرتش أتماسك. عيطت. عيطت على كل عيد عدى من غيرهم. وعلى كل عيد ميلاد ماحضرتوش. وعلى أول يوم مدرسة ماكنتش موجود فيه. وعلى سنين كنت فاكر فيها إن حياتي خلصت، بينما كان ليا عيلة كاملة مستنياني من غير ما أعرف.

أحمد قرب مني وقال: — خلاص يا بابا… اللي فات فات، وإحنا لسه قدامنا عمر نعيشه سوا. بصيتله وقلت: — أنا مش زعلان على نفسي قد ما أنا زعلان عليك يا ابني. ابتسم بحزن. — أنا اتربيت كويس، والراجل اللي رباني عمره ما قصر معايا. ربنا يرحمه. بس كان نفسي أعرفك بدري. حضنته وقلت: — وأنا كمان يا أحمد… وأنا كمان.

بعد ما الأطفال دخلوا أوضتهم، أحمد جاب صندوق خشب قديم وحطه على الترابيزة. كان صندوق صغير، لونه بني غامق، وقفلته نحاس. قال: — أمي كانت محتفظة بيه من يوم ما جدي مات. وكل مرة تحاول تفتحه، تنهار من العياط. فتح الصندوق.

لقيت رزمة جوابات مربوطة بشريط أزرق قديم. وصور ليا وأنا شاب. وصورة ليلى يوم كتب كتابنا الأول. ومنديل أبيض صغير مطرز عليه أول حرف من اسمي واسمها. مديت إيدي ولمست المنديل. افتكرته فورًا. كنت اديتهولها يوم كتب كتابنا، وقلت لها بهزار: «لحد ما أجيبلك هدية تليق بيكي، خدي المنديل ده وافتكريني.»

احتفظت بيه خمسة وأربعين سنة! حسيت بغصة في زوري. قلت: — يا ليلى… إنتِ كنتِ شايلة كل ده جواكي؟ أحمد طلع ظرف تاني من الصندوق. قال: — ده اعتراف جدك، بخط إيده وتوقيعه. فتحت الورقة وبدأت أقرأ.

“أنا عبد الرحمن، أكتب هذا الاعتراف بعدما تقدمت بي السنون، وأصبحت أخشى أن أقابل الله وفي رقبتي مظلمة ابني وحفيدي. منذ سنوات طويلة، دخلت في شراكة تجارية مع عبد الحميد والد ليلى. كنا نعمل في تجارة الأدوات الكهربائية، وحققنا أرباحًا كبيرة. لكن الطمع دخل بيننا.

في إحدى الصفقات، اكتشفنا أن أحد الموردين قدم لنا بضائع بفواتير غير صحيحة. وكان من الممكن أن نتعرض للمساءلة القانونية بسبب المستندات التي وقعنا عليها. بدلًا من أن نبلغ الجهات المختصة ونكشف الحقيقة، قررنا إخفاء الأوراق حتى لا نخسر تجارتنا وسمعتنا.

ثم حدث خلاف بيني وبين عبد الحميد على المال والمسؤولية. كل واحد منا اتهم الآخر بأنه السبب. وفي وسط هذا الخلاف، كان محمود وليلى قد عقدا قرانهما. خفت أن يستخدم عبد الحميد زواج ابنتي من ابنه وسيلة للضغط عليّ، وهو خاف أن أكشف تورطه في المستندات.

فاتفقنا على إنهاء الزواج، وقطع كل صلة بين العائلتين. وعندما علم عبد الحميد بحمل ليلى، أخبرني بالأمر. كنت أعلم أن الطفل حفيدي. لكنني خفت أن يعيد وجوده الاتصال بين العائلتين، وأن ينكشف السر القديم. وافقت على إخفاء الحمل عن محمود، وأخبرته أن ليلى لا تريده.

أما عبد الحميد فأخبر ابنته أن محمود تخلى عنها. وبعد الطلاق، ظننا أن الأمر انتهى. لكن الحقيقة لم تنتهِ. كبر محمود حزينًا. وكبرت ليلى بعيدة عنه. وولد حفيدي دون أن يعرف أباه. وأنا كلما رأيت ابني يبتسم، شعرت أنني سرقت منه شيئًا لا يمكن تعويضه.

لقد فضلت سمعتي ومالي على سعادة ابني. وارتكبت ظلمًا لا أجد له عذرًا. أسأل الله المغفرة، وأرجو من محمود، إن وصل إليه اعترافي يومًا، أن يعلم أن ذنبي كان عظيمًا. وألا يكرر خطئي، فيترك الخوف أو الكبرياء يحرمانه ممن يحب.” خلصت القراية.

وحطيت الورقة على الترابيزة. فضلت ساكت فترة طويلة. ماكنتش عارف أعيط ولا أصرخ. أبويا اللي كنت فاكره سندي، كان سبب في أكبر وجع عشته. والأغرب إنه عاش سنين شايفني وحيد، وساكت. افتكرت يوم ما مراتي غابت. أبويا كان وقتها عايش، وقعد جنبي وقاللي: «ماتزعلش يا محمود، ربنا يعوضك خير.»

يا ترى كان حاسس بإيه وهو بيقول الكلمة دي؟ كان عارف إن ليا ابن بعيد عني؟ كان عارف إن فيه حفيد من دمه عمره ما شافه؟ سألت أحمد: — أبويا كتب الاعتراف ده إمتى؟ قال: — قبل غيابه بحوالي سنتين، حسب التاريخ المكتوب عليه.

قلت: — يعني كان عنده وقت يقولي الحقيقة… لكنه ماقالش! أحمد سكت. وأنا كملت: — عارف يا أحمد، أكتر حاجة وجعاني مش إنه غلط زمان… كلنا ممكن نغلط. لكن إنه فضل ساكت لحد ما غاب. حط أحمد إيده على كتفي.

— أمي كانت بتقول إن الندم اللي مابيصلحش الغلط، بيفضل وجع في قلب صاحبه. بصيتله. — أمك كانت أطيب من إنها تشيل كل الوجع ده. قال: — علشان كده هي سامحتهم قبل ما تغيب، لكنها ماقدرتش تنسى. بعد شوية، أحمد طلع تليفون قديم من درج الصندوق. قال: — فاضل آخر حاجة يا بابا.

بصيتله. — إيه؟ قال: — تسجيل أمي. حسيت قلبي بيدق بسرعة. — بصوتها؟ هز راسه. أيوه. سجلته قبل غيابها بأيام، ووصّتني أسمعهولك بعد ما تعرف الحقيقة. ضغط على زر التشغيل. وفي لحظة، سمعت صوت ليلى. صوتها كان ضعيف ومتعب، لكنه نفس الصوت اللي كنت مستني أسمعه خمسة وأربعين سنة.

“محمود… لو إنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا خلاص مشيت. ماتزعلش مني إني سبتك تكتشف الحقيقة بالطريقة دي. أنا كنت عايزة أقولك كل حاجة وإنت قاعد جنبي، لكن كل مرة كنت ببص في عينيك، كنت بخاف أكسر الفرحة اللي رجعتلنا بعد العمر ده كله.

عارف يا محمود؟ أنا طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إنك نسيتني. كنت أحيانًا أصحى من النوم وأفتكر أيامنا، وأسأل نفسي: يا ترى محمود عايش فين؟ يا ترى اتجوز وخلف؟ يا ترى بيفتكرني زي ما أنا بفتكره؟ ولما عرفت إنك ماكنتش تعرف حاجة عن حملي، حسيت إن قلبي بيتقطع عليك.

كنت عايزاه يحس إن ليه أب بيحبه، حتى لو اتأخر عليه العمر كله. ومحمود… أوعى تزعل من أحمد لو حسيت إنه متردد أو خايف يقرب منك. هو عاش عمره كله وهو فاكر إنك سبتنا. اديه وقت. وخليه يعرف إنك ماكنتش السبب.

وعايزة أقولك حاجة أخيرة… فاكر يوم ما سألتني في المستشفى إذا كنت ندمانة على حياتي؟ أنا قلتلك لأ. وكنت صادقة. أنا اتوجعت كتير، لكن ربنا رزقني بابن صالح، وجوز محترم ربّاه، وناس طيبة وقفت جنبي.

وعلمني إن الإنسان ممكن يعيش حياة مختلفة عن اللي حلم بيها، وبرضه يلاقي فيها خير كتير. بس كان فيه أمنية صغيرة فضلت جوايا. إني أشوفك مرة أخيرة. وأقولك إني ماخنتش وعدنا. وإني ما سبتكش بإرادتي.

وإني فضلت فاكرة ضحكتك، وصوتك، والمكتبة القديمة، والكتاب اللي اتخانقنا عليه أول مرة. محمود… أنا سامحت أبويا. وسامحت أبوك. مش علشان اللي عملوه بسيط. لكن علشان مش عايزة أشيل الوجع معايا لآخر لحظة. وإنت كمان، حاول تسيب الوجع وراك. مش لازم تبرر ظلمهم، ولا تنسى اللي حصل.

بس ماتخليش الماضي يسرق منك أحمد وأحفادك زي ما سرق مني سنين عمري. أنا عايزاك تعيش يا محمود. تضحك. وتفرح. وتحضر أعياد ميلاد أحفادك. وتحكيلهم عن جدتهم اللي كانت بتحب الكتب والورد الأبيض. ولو افتكرتني يوم، افتكرني وأنا بضحك يوم جوازنا.

مش وأنا تعبانة على سرير المستشفى. وآخر حاجة… أنا بحبك يا محمود. من يوم ما كان عندنا سبعتاشر سنة. ولحد آخر نفس في عمري. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.” التسجيل خلص. لكن أنا فضلت باصص للتليفون. كأن صوتها لسه موجود في الأوضة.

وإن الوعد اللي افتكرته اتكسر، كان عايش جوا قلبها لحد آخر يوم. أحمد قعد جنبي، وسابني أعيط. وبعد فترة، قلتله: — يا أحمد، أنا عايز أطلب منك طلب. قال بسرعة: — تؤمر يا بابا. قلت: — عايز أعمل تحليل النسب اللي أمك كانت بتتكلم عنه. اتغير وشه. — إنت شاكك في كلامها؟

مسكت إيده. — لا يا ابني. أنا مصدقها، ومصدقك. بس إنت قلتلي إنك محتاج تقفل باب الشك، وأنا عايزك ترتاح طول عمرك. ابتسم والدموع في عينيه. — ربنا يخليك ليا يا بابا. بعد أسابيع، عملنا التحليل في معمل معتمد.

ولما ظهرت النتيجة، أكدت إن أحمد ابني. كنت عارف في قلبي قبل الورق. لكن لما مسكت النتيجة، حسيت إني ماسك شهادة ميلاد جديدة لحياتي كلها. أحمد وقف قدامي وقال: — مبروك يا بابا… بقيت أبويا رسميًا قدام الورق كمان.

ضحكت وقلت: — أنا أبوك من يوم ما اتولدت يا ابني، بس كنت متأخر عن المعاد شوية. ضحكنا إحنا الاتنين. وبعدين حضنته. وفي اليوم ده، أخدته معايا البيت. فتحت درج مكتبي القديم، وطلعت الكتاب اللي ليلى اديتهولي من خمسة وأربعين سنة. كان ورقه اصفر، وغلافه اتقطع من الأطراف.

فتحت أول صفحة. وقريت بصوت عالي: “إلى محمود… بعض الوعود لا يمحوها الزمن.” أحمد بص للكتاب، وقال: — ده خط أمي! ابتسمت. — أيوه يا ابني. ده أول هدية منها ليا. قعد يقلب الصفحات، وفجأة وقعت من الكتاب ورقة صغيرة. كنت ناسي وجودها تمامًا. فتحتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى