
— ماما…
— نعم؟
— عمو طارق ده صاحبك؟
إيد نغم وقفت.
— كان… أعرفه زمان.
— هو غني؟
ابتسمت نغم بحزن.
— وإنتِ عرفتي منين؟
— عشان دفع الفلوس بالكارت بسرعة.
ضحكت نغم رغمًا عنها.
— نامي إنتِ بس.
زينة مسكت إيدها.
— هو كان بيبصلي غريب ليه؟
نغم سكتت.
— معرفش.
— حسيت إنه عايز يعيط.
الكلمة وجعتها.
قامت بسرعة ناحية المطبخ الصغير.
— هجيبلك مية تاخدي الدوا.
لكن الحقيقة إنها كانت محتاجة تبعد عشان بنتها ما تشوفش دموعها.
فتحت الحنفية.
وحطت إيديها على الرخامة.
ست سنين.
ست سنين وهي بتقول لنفسها إنها عملت الصح.
ست سنين وهي شايلة السر لوحدها.
لكن صوت طارق وهو بيسأل:
«دي بنتي؟»
فضل بيرن في ودانها.
تحت العمارة…
طارق ما مشيش.
ركب عربيته وفضل قاعد جواها.
المطر كان بينزل على الزجاج قدامه، والموبايل ما بطلش رن.
بص للشاشة.
«معتز — مدير المكتب».
قفل المكالمة.
بعد دقيقة وصلت رسالة:
«يا باشمهندس، الاجتماع بدأ والمستثمرين مستنيين حضرتك.»
طارق كتب:
«يتأجل.»
بعد ثواني:
«حضرتك الاجتماع مع الوفد الأجنبي، وتأجيله ممكن يعمل مشكلة كبيرة.»
طارق بص ناحية شباك الدور الرابع.
وكتب:
«قولهم عندي ظرف عائلي.»
وقف عند الكلمتين.
ظرف عائلي.
هو أصلًا عنده عيلة؟
ولا ممكن يكون كان عنده عيلة كاملة طول ست سنين وهو مش عارف؟
رجع بذاكرته لآخر شهور جوازه من نغم.
كانت تعبانة كتير.
بتنام بدري.
مرة شافها بترجع من عيادة.
سألها وقتها:
— كنتِ فين؟
قالت:
— شوية إرهاق.
وهو…
ما سألش أكتر.
كان مشغول.
شركة جديدة.
صفقات.
سفر.
وأم بتدخل في كل تفاصيل حياته.
افتكر أمه يوم الطلاق.
كانت واقفة في الفيلا وبتقوله:
— سيبها تمشي يا طارق. اللي تحب جوزها ما تسيبوش بالشكل ده.
وقتها صدقها.
لكن النهارده، لأول مرة، سأل نفسه:
ليه نغم مشيت فعلًا؟
وليه ما طلبتش أي حق؟
وليه اختفت تمامًا؟
والأهم…
لو زينة بنته…
ليه خبّتها عنه؟
فتح باب العربية.
ونزل.
بعد حوالي نص ساعة…
خبط على باب الشقة.
نغم عرفت إنه هو قبل ما تفتح.
فضلت واقفة ورا الباب.
— امشي يا طارق.
صوته جه من الخارج:
— مش همشي.
— زينة تعبانة.
— عشان كده لازم نتكلم.
— مفيش كلام.
سكت ثواني.
ثم قال:
— طيب قوليلي حاجة واحدة وأنا أمشي.
نغم غمضت عينيها.
— إيه؟
— زينة عندها كام سنة؟
— خمس سنين ونص؟
فضلت ساكتة.
— عيد ميلادها إمتى؟
فجأة سمع صوت زينة من جوه:
— ماما… مين؟
نغم ردت:
— ولا حد يا حبيبتي.
لكن زينة قربت من الباب.
— عمو طارق؟
طارق حس قلبه بيتقبض لمجرد سماعها بتنادي اسمه.
نغم فتحت الباب جزء صغير وقالت:
— لو عندك ذرة رحمة، امشي.
بصلها طويلًا.
— عندي رحمة… وعشان كده مش قادر أمشي.
— إنت عايز إيه؟
— الحقيقة.
— الحقيقة مش دايمًا هتعجبك.
— سيبيني أنا أحدد.
نغم ضحكت بمرارة.
— زي زمان؟ إنت اللي تحدد وأنا أنفذ؟
— أنا اتغيرت.
— لأ… إنت بس بقيت أغنى.
الجملة ضربته.
لكنه ما ردش.
قال بهدوء:
— هي بنتي؟
نغم بصت وراها ناحية زينة.
وبعدين رجعت بصتله.
— حتى لو كانت بنتك… إيه اللي هيتغير؟
وشه شحب.
— يعني ممكن تكون بنتي.
استوعبت غلطتها.
حاولت تقفل الباب.
لكنه قال بسرعة:
— مش هلمسك ولا هدخل غصب. بس بكرة الصبح هاجي تاني.
— متجيش.
— هاجي.
— ولو ما فتحتش؟
— هستنى.
— ولو قلتلك ملكش علاقة بينا؟
صوته اتكسر لأول مرة:
— لو هي بنتي، يبقى ضاع مني خمس سنين من عمرها يا نغم.
عينيها لمعت.
— وإنت فاكر الخمس سنين دول كانوا سهلين عليا؟
— أمال ليه؟!
رفعت إيدها بسرعة.
— وطّي صوتك.
طارق سكت.
قالت بصوت مخنوق:
— مش هنا.
— فين؟
— مش دلوقتي.
— إمتى؟
سكتت.
قال:
— بكرة؟
هزت راسها ببطء.
— بعد ما زينة تتحسن.
— وأنا عايز أطمن عليها.
— مش من حقك.
— يمكن يكون من حقي.
نغم كانت هترد…
لكن فجأة جه صوت حاجة وقعت من جوه.
وبعدها صوت زينة:
— ماما…
لفت نغم بسرعة.
زينة كانت واقفة جنب الكنبة، وإيدها ماسكة طرفها، ووشها شاحب جدًا.
— زينة!
جريت عليها.
طارق دخل وراها تلقائيًا.
نغم صرخت:
— ما تدخلش!
لكنه ما سمعهاش.
لأن زينة بدأت تقع.
لحقها قبل ما تخبط في الأرض.
شالها بين إيديه.
كانت خفيفة بشكل خوّفه.
قال بسرعة:
— لازم نروح المستشفى.
نغم حاولت تاخدها منه.
— أنا هتصرف.
— نغم، البنت سخنة جدًا.
— اديني بنتي.
طارق بص في عينيها.
وقال بهدوء شديد:
— مش وقت خناقتنا.
زينة فتحت عينيها بالعافية.
وبصت لطارق.
همست:
— عمو…
— أنا معاكي.
— ماما بتخاف من المستشفيات.
طارق بص لنغم.
لقى وشها أبيض.
قالت بسرعة:
— مفيش داعي للمستشفى. الدكتور قال لو الحرارة زادت أديها…
قاطعها:
— وإنتِ هتجازفي؟
— أنا عارفة حالة بنتي.
— وأنا مش عارف أي حاجة!
صرخها لأول مرة.
وبعدين نزل صوته فورًا.
— أنا مش عارف عنها أي حاجة يا نغم.
نظراتهم اتقابلت.
وفي اللحظة دي، زينة رفعت إيدها الصغيرة ولمست وش طارق.
وقالت بتعب:
— متزعقش لماما.
طارق حس إن نفسه وقف.
مسك إيدها الصغيرة وباسها.
— حاضر.
نغم بصت للمشهد، ودمعة نزلت منها غصب عنها.
بعد عشرين دقيقة…
كانوا داخلين مستشفى خاص قريب.
طارق شايل زينة.
ونغم ماشية جنبه.
أول ما دخلوا الطوارئ، الممرضين اتحركوا بسرعة.
دخلت زينة الكشف.
نغم حاولت تدخل وراها.
لكن الممرضة قالت:
— لو سمحتي استني دقيقة لحد ما الدكتور يكشف عليها.
وقفت نغم قدام الباب.
طارق وقف بعيد عنها.
عدت دقايق طويلة.
وبعدين خرج الطبيب.
— مين والد الطفلة؟
نغم فتحت بقها.
لكن قبل ما تنطق…
طارق قال:
— أنا.
لفت له بصدمة.
الطبيب قال:
— محتاجين نعمل تحاليل وفحوصات بسيطة لأن الحرارة عالية وعندها علامات إجهاد واضحة.
طارق هز راسه.
— اعملوا كل اللي محتاجينه.
نغم قالت:
— لحظة…
لكن الطبيب كان دخل.
لفت لطارق بغضب:
— إنت قلت إنك أبوها على أي أساس؟
قرب منها خطوة.
— على أساس إنك مش قادرة تقوليلي إني مش أبوها.
— ده مش دليل.
— يبقى قوليها.
سكتت.
— بصيلي وقولي: «زينة مش بنتك يا طارق».
نغم حاولت.
فتحت بقها.
لكن الكلمات ما خرجتش.
طارق هز راسه ببطء.
دموعه لمعت لأول مرة.
— خلاص.
نغم قالت:
— متفهمش اللي إنت عايزه.
— طب فهميني.
سكتت.
— ليه خبيتيها عني؟
قالت فجأة:
— لأني كنت بحميها.
اتجمد.
— بتحميها… مني؟
نغم بصتله مباشرة.
— مش منك.
— أمال من مين؟
قبل ما ترد…
باب غرفة الكشف اتفتح.
خرجت ممرضة وقالت:
— مدام نغم؟
— أيوه.
— الدكتور محتاج حضرتك.
جريت نغم ناحية الباب.
لكن الممرضة بصت في الورقة وسألت:
— ووالد زينة موجود؟
نغم وقفت.
طارق رفع عينه.
— موجود.
الممرضة قالت:
— الدكتور محتاجكم أنتم الاتنين.
دخلوا.
زينة كانت نايمة على السرير، ومحلول صغير راكب في إيدها.
طارق وقف عند الباب.
منظر الإبرة في إيد الطفلة خنقه.
الدكتور قال:
— اطمنوا. مفيش حاجة تستدعي الذعر، لكن عندها التهاب محتاج متابعة كويسة، وواضح إنها مرهقة من فترة.
وبعدين سأل:
— عندها أي تاريخ مرضي في العيلة؟




