
شاف حبيبته القديمة بتعيط جوه صيدلية… ولما بنتها المريضة همست: “ماما… حقك عليا امتى ابطل اعيا”، حياته كلها اتقلبت في ثانية.
صوت البنت كان واطي جدًا…لدرجة إن محدش في الصيدلية سمعها وسط صوت أجهزة الكاشير…ولا رنة التليفونات…ولا المطر اللي كان بيخبط في إزاز الصيدلية.
لكن طارق الحربي سمعه…”ماما… متعيطيش.”
همست الطفلة وهي ماسكة طرف جاكيت أمها…”أنا ممكن أبطل أعيى… بجد.”اتجمد طارق مكانه عند باب الصيدلية.
كان لسه داخل من المطر…والموبايل بيرن في إيده.
سكرتير شركته بيتصل بيه للمرة التالتة…لكن لأول مرة…
ما ردش…هو أصلًا ماكانش داخل يشتري دوا.
كان مستني المطر يخف بس…لكن القدر كان مخبي له حاجة تانية..رفع عينه…وشافها…نغم…طليقته وحبيبته الوحيدة…
والست الوحيدة اللي عمره ما قدر ينساها…كانت واقفة قدام الصيدلي…لابسة عبايه سودا قديمه…
وشعرها باين من الطرحه العشوائية اللي لفاها بسرعة…وفي إيدها روشتة متكرمشة، ضاماها على صدرها كأنها آخر أمل عندها…عرفها من أول نظرة.
وعرف كمان إنها بتحاول تبان قوية…رغم إنها من جوا منهارة…عدت ست سنين…من يوم ما خرجت من حياته…وسابت مفاتيح الفيلا فوق الترابيزة…ومضت أوراق الطلاق…ومشيت من غير ما تطلب جنيه واحد.
لا نفقة…ولا بيت…ولا حتى تفسير.
وقتها أقنع نفسه إنها هي اللي اختارت تمشي…وأقنع نفسه إنه بيحترم قرارها…وأقنع نفسه بحاجات كتير…
لأنها كانت أسهل من الاعتراف إنه كان جبان…سمع نغم بتقول للصيدلي بصوت مكسور:”ممكن أدفع نص المبلغ النهارده…والباقي آخر الأسبوع…بس اديني المضاد الحيوي الليلة.”الصيدلي هز راسه بأسف.
وقال:”آسف يا مدام…التأمين رفض يغطي العلاج.
وسعر الدوا أربعة آلاف وثمانمية وستين جنيه.”
نغم ماعيطتش…لكن طارق شاف كل حاجة.
شاف إيديها وهي بتترعش…وشاف شفايفها وهي بتضغط عليهم عشان متنهارش..ظوشافها بتحاول تخبي وجعها قدام بنتها…كانت الطفلة واقفة جنبها…
لابسة حذاء وردي عليه بطة صفرا…شكلها عندها حوالي خمس او ست سنين…بشرتها شاحبة.وشعرها أسود ناعم.
ولما رفعت وشها…وقف قلبه…كانت عيونها…
رمادية..دنفس لون عيون والدته بالظبط… هي خليط عجيب من امها وامه ووو…شدت كم أمها وقالت:
“ماما…مش لازم نجيب الدوا…أنا هبقى كويسة.”
نزلت نغم بسرعة لمستواها…وحاولت تبتسم.
“متخافيش يا حبيبتي.”هزت البنت راسها وقالت ببراءة:
“انا كويسه يا ماما.”في اللحظة دي…
حس طارق إن حاجة اتكسرت جواه…مشى ناحيتهم من غير ما يفكر…وقال للصيدلي:”حاسبني على كل الأدوية.”
لفت نغم بسرعة…ولما شافته…اتجمدت…مرت ثواني…
محدش فيهم نطق…ولا صوت في الصيدلية كان مسموع.
غير أنفاسهم..ظقالت بهدوء:”طارق…”
اسمه خرج منها…شايل وجع سنين.
بص للبنت الصغيرة.وسأل بصوت مخنوق:”اسمها إيه؟”
نغم همست بسرعة وهي بتسحب ايد بنتها..وقالت: ” مش عاوزين يا دكتور العلاج ..احنا ماشيين… رجع فلوس البشمهندس” لكن طارق وقف قدامها…وحط بطاقته البنكية على الكاونتر…وقال للصيدلي: “هات كل اللي في الروشتة…وأي دوا هيحتاجوه.”
همست نغم بغضب:” قلت لا .”من غير ما يبصلها…
قال وهو مركز عينه على الطفلة:”مش علشانك.”
سكتت.أما البنت…
ميل عليها ومسك ايدها وقال =اسمك ايه؟
فابتسمت الطفله ابتسامة صغيرة وقالت:”اسمي زينه.”
ابتسم رغم الوجع.”اسم جميل.”قالت بفخر: “ماما بتقول كده بردو.”رد وهو صوته بيتهز:”وهي عندها حق.”
اما نغم مكنش قدامها اختيار أخدت كيس الأدوية…ولفت ومشيت تحت المطر… مع بنتها ..من غير حتى كلمة شكر.
كانت فاكره الموضوع خلص علي كده لكن طارق مشي وراها من بعيد…وصلوا بعد شارعين…لعمارة قديمة فوق مغسلة.كانت نغم حامية زينه بجسمها من المطر…
رغم إن هي نفسها كانت غرقانه…ناداها:”نغم…”
وقفت…من غير ما تبصله..قال برجاء:”لو سمحت…”
لفت ناحيته ببطء.وقال وهو باصص للبنت:”عندها كام سنة؟”شدت نغم على فكها.وقالت: وانت مالك؟
كرر السؤال بهدوء:”كام سنة يا نغم ؟”
ردت بعد صمت طويل….
حس إن الدنيا بتلف بيه…وقال بصوت واطي:”دي بنتي…”
— دي بنتي يا نغم؟
السؤال خرج من طارق بصوت واطي، لكنه وقع عليها كأنه صرخة.
نغم فضلت واقفة مكانها تحت المطر، ماسكة إيد زينة بقوة، ووشها اتحول في لحظة من الغضب للخوف.
مش خوف منه…
خوف من اليوم اللي فضلت ست سنين كاملة تهرب منه.
زينة رفعت عينيها لأمها وقالت باستغراب:
— ماما… هو عمو بيقول إيه؟
نغم نزلت بسرعة لمستواها، وعدلت لها الكاب اللي كان المطر بلله.
— مفيش يا حبيبتي… يلا نطلع البيت عشان هدومك اتبلت.
لكن طارق اتحرك ووقف قدامها.
— نغم، أنا سألتك سؤال.
رفعت عينيها له أخيرًا.
— وأنا مش مطالبة أجاوبك.
طارق ضحك ضحكة قصيرة، مليانة صدمة أكتر من السخرية.
— مش مطالبة؟! أنا واقف قدام طفلة عندها نفس لون عيون أمي، وسنها تقريبًا على قد المدة اللي إحنا منفصلين فيها… وبتقولي مش مطالباني أعرف؟
نغم قربت زينة منها.
— وطّي صوتك.
— عندها كام سنة؟
— طارق…
— كام سنة؟!
زينة خافت من نبرة صوته، فاستخبت ورا أمها.
طارق شاف الحركة دي وسكت فورًا.
كأنه فجأة استوعب إن غضبه مالوش ذنب فيه الطفلة.
رجع خطوة لورا وقال بهدوء:
— حقك عليا يا زينة… أنا مش زعلان منك.
زينة بصتله من ورا أمها وقالت:
— إنت زعلان من ماما؟
السؤال البريء خبط الاتنين في قلبهم.
نغم ردت بسرعة:
— لأ يا حبيبتي.
لكن طارق قال في نفس اللحظة:
— أنا زعلان من نفسي.
بصتله نغم.
لأول مرة من ساعة ما شافته، ملامحها اتهزت.
لكنها تماسكت.
مسكت إيد بنتها ودخلت العمارة.
طارق فضل واقف تحت المطر.
وبعد ثواني ناداها:
— نغم!
وقفت على أول درجة.
— أنا مش همشي.
لفت له.
— براحتك.
— هفضل هنا لحد ما أفهم.
قالت ببرود:
— ممكن تفضل للصبح.
وطلعت.
الشقة كانت في الدور الرابع.
من غير أسانسير.
نغم طلعت السلالم وهي شايلة كيس العلاج بإيد، وممسكة زينة بالإيد التانية.
كل درجة كانت بتحاول تقنع نفسها إن اللي حصل تحت مجرد صدفة وانتهت.
لكنها كانت عارفة طارق.
لما يدخل سؤال دماغه، ما بيهدأش غير لما يعرف إجابته.
فتحت باب الشقة.
شقة صغيرة جدًا.
أوضتين وصالة.
الأثاث بسيط، لكن المكان نضيف ومرتب.
أول ما دخلت زينة، كحت كحتين متتاليتين.
نغم جريت عليها.
— حبيبتي، اقعدي هنا.
حطتها على الكنبة، وجابت فوطة ونشفت شعرها.
زينة قالت:




