ألعاب

كان زوجي

كان زوجي يعود كل يوم سبت مغطّى بالتراب بعد تدريبات كرة القدم مع ابن صديقه الراحل إلى أن سلّمني الطفل رسالة قال إنه سرقها من داخل نعش والده، وشعرت حينها بأن الدم تجمّد في عروقي. قبل ستة أشهر، توفي صديق زوجي المقرّب، عادل، إثر أزمة قلبية مفاجئة. لم يكن قد تجاوز الثامنة والثلاثين من عمره. قبل دقائق فقط، كان يدرب أطفال الحي في فريق كرة القدم الصغير القريب من منزلهم. ثم رحل. في الجنازة، بكى زوجي سامر بصوت أعلى من شقيق عادل نفسه. ظل واقفًا بجانب النعش وقتًا طويلًا بعد مغادرة الجميع، واضعًا يده فوق الخشب، وكأنه غير قادر على تركه يرحل. كان الناس يهمسون عنه بكلمات الإعجاب. يا له من صديق وفي. هذا الرجل نادر. رجل لا يُعوَّض. وأنا أيضًا كنت أصدق ذلك. أقسم أنني صدقته فعلًا. ترك عادل وراءه زوجته مريم، وابنه الصغير يزن، الذي لم يتجاوز الثامنة. وبعد الدفن مباشرة، أصبح سامر مهووسًا بفكرة الوقوف بجانب الطفل. كان يقول لي دائمًا يزن يحتاج إلى رجل في حياته. يحتاج إلى الاستقرار. ومنذ ذلك الوقت، صار يختفي كل يوم سبت لساعات طويلة. تدريبات كرة القدم. ألعاب إلكترونية. وجبات سريعة بعد المباريات. وقت خاص بالرجال كما كان يسميه. الجميع كانوا يمدحونه. حتى على فيسبوك. كانت مريم تنشر صور سامر وهو يعلّم يزن كيف يسدد الكرة، بينما تنهال التعليقات ملاك أرسله الله. ما زال الخير موجودًا. رجل بمعنى الكلمة. أما أنا فكنت أجلس وحدي في المنزل، أتساءل لماذا يبدو زوجي أكثر سعادة في الصور مع ابن امرأة أخرى، أكثر مما بدا سعيدًا معي طوال سنوات. وكنت أشعر بالذنب لمجرد أنني فكرت بذلك. قبل شهر، اقترحت شيئًا بسيطًا. قلت له لماذا لا تحضر يزن إلى هنا بعد التدريب؟ لا بد أن مريم مرهقة. تجمّد سامر نصف ثانية. نصف ثانية فقط. لكنني انتبهت. ثم ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال نعم ربما تكون فكرة جيدة. كان يجب أن أفهم منذ تلك اللحظة أن هناك شيئًا غير طبيعي. في أول مرة جاء فيها يزن إلى منزلنا، تعلقت به فورًا. كان مؤدبًا بشكل مبالغ فيه. أكثر مما ينبغي لطفل في عمره. من نوعية الأطفال الذين يتعلمون أن يكونوا مثاليين طوال الوقت لأنهم يخافون من إزعاج الكبار. شكرني ثلاث مرات فقط لأنني صنعت له شطيرة جبن. ثلاث مرات كاملة. وشعرت بعقدة مؤلمة في معدتي. بدأنا نعدّ بعض الحلوى في المطبخ، بينما كان سامر يشاهد التلفاز في غرفة الجلوس. لكن يزن كان ينظر إلى غرفة الجلوس كل بضع ثوانٍ. ليس بحب. بل بتوتر. كأنه يراقب مكان وجود سامر طوال الوقت. وفي لحظة، لمست كتفه دون قصد بينما كنت أتناول الطحين. فانتفض بعنف حتى أسقط الملعقة من يده. تجمدت في مكاني. قلت بسرعة آسفة يا حبيبي لم أقصد إخافتك. فأجاب فورًا بصوت منخفض لا بأس. قالها بسرعة مبالغ فيها. ثم اعتذر لي أنا. اعتذر لأنه خاف. طفل في الثامنة يعتذر لأنه شعر بالخوف. شعرت بالغثيان. بعد ذلك بدأت ألاحظ أشياء صغيرة كثيرة. يزن لا يرفع صوته أبدًا قرب سامر. لا يقاطعه. ولا يطلب أي شيء بشكل مباشر. حتى عندما يريد كوب ماء، كان يقول هل يمكن إذا لم يكن هناك إزعاج أن أشرب قليلًا؟ كأنه يحتاج إذنًا حتى ليتنفس. والأغرب أنه في كل مرة يُلغى التدريب بسبب المطر، كان يبدو مرتاحًا. ليس حزينًا. مرتاحًا. وفي إحدى الليالي، قلت لسامر بشكل عابر يزن يبدو متوترًا منك أحيانًا. تغيّر وجه سامر فورًا. لثانية واحدة فقط. لكنني رأيت ذلك بوضوح. قال بانزعاج الطفل فقد والده. إنه مصدوم. ثم أطلق ضحكة متوترة وأضاف أنتِ تتخيلين أشياء غير موجودة. تتخيلين أشياء. تلك العبارة بقيت عالقة في رأسي. لأن كل امرأة تعرف تلك النبرة. النبرة التي يستخدمها الرجال عندما يريدون منك التوقف عن طرح الأسئلة. مرت الأسابيع. وكل شيء بدأ يصبح أكثر غرابة. في إحدى المرات، سمعت يزن يهمس عبر هاتف سامر بينما كان زوجي قد نزل إلى محطة وقود. كان يقول بخوف أرجوك لا تغضب مني شعرت بانقباض حاد في صدري. وعندما عاد سامر إلى السيارة، صمت يزن فورًا. ولم ينطق بكلمة طوال الطريق. في تلك الليلة، سألت سامر لماذا يبدو يزن خائفًا من أن يغضبك؟ أغلق باب الخزانة بعنف جعلني أرتجف. ثم صرخ يا إلهي! الطفل فقد والده! توقفي عن تحويل كل شيء إلى أمر مريض! وغادر الغرفة. وبطريقة ما انتهى الأمر بأنني أنا من اعتذر له. وما زلت أكره نفسي بسبب ذلك. السبت الماضي، أوقف المطر التدريب مبكرًا. عاد سامر إلى المنزل مع يزن بشكل مفاجئ. ومنذ اللحظة التي دخلا فيها، شعرت بتوتر خانق في الجو. كانت أكمام سترة يزن مبللة لأنه لم يتوقف عن إخفاء يديه داخلها. أما سامر، فكان يبدو غاضبًا ومتوترًا. كأنه يريد المغادرة بأسرع وقت. تمتم قائلًا سأذهب إلى الصيدلية رأسي يؤلمني. ثم انحنى أمام يزن. وهذا المشهد لا يفارق ذاكرتي أبدًا. أمسك سامر مؤخرة رقبة الطفل بقوة، حتى إن يزن تقلص من الألم. وقال له بصوت منخفض تصرّف
—
جيدًا. لكن نبرته لم تكن حنونة. ولا مازحة. بل بدت كتهديد صريح. ثم نظر إليّ مباشرة وابتسم. تلك الابتسامة الزائفة. أغلق الباب خلفه. وفي تلك اللحظة تغيّر كل شيء. بقي يزن واقفًا قرب طاولة المطبخ بلا حركة لعدة ثوانٍ، يستمع إلى صوت سيارة سامر وهي تبتعد. وفقط عندما اختفى صوت المحرك تمامًا عاد الطفل يتنفس بشكل طبيعي. وهنا عرفت. عرفت أن هناك شيئًا خطيرًا. لكنني لم أكن أعرف ما هو بعد. عرضت عليه كوب شوكولاتة ساخنة. هز رأسه بصمت. كانت يداه ترتجفان بشدة حتى سقطت منه حبات السكر الصغيرة. ثم سألني سؤالًا جعل جلدي يقشعر. أنتِ لا تكذبين صحيح؟ حدقت فيه. وقلت بهدوء ماذا تقصد يا حبيبي؟ اتجهت عيناه فورًا نحو باب المنزل. خوف. خوف حقيقي خالص. ثم كرر بصوت منخفض أنتِ لا تكذبين؟ قلت أحاول ألا أفعل. ابتلع ريقه بصعوبة. ثم همس سامر يكذب. شعرت ببرودة تجتاح جسدي كله. نزل الطفل عن الكرسي، واقترب مني ببطء، كأنه يخشى أن تكون الجدران نفسها تتنصت عليه. ثم قال قال لي إنه إذا أخبرت أحدًا بالأسرار فسيتركني الجميع أيضًا. شعرت بالغثيان. قلت بحذر أي أسرار يا يزن؟ امتلأت عينا الطفل بالدموع فورًا. وقال بصوت مرتجف لم يكن يجب أن آخذها. بدأ قلبي ينبض بعنف مؤلم. تأخذ ماذا؟ أدخل يزن يده داخل جيب سرواله، وهو يرتجف. ثم أخرج ورقة مطوية. قديمة. مجعدة. وحوافها صفراء باهتة. ثم همس سرقتها من داخل نعش أبي قبل أن يدفنوه. أقسم أن ساقيّ كادتا تخوناني. قلت بصوت مختنق ماذا؟ فقال رأيت سامر وهو يضعها هناك. بدأت الغرفة تدور من حولي. وأضاف الطفل كان يظن أن لا أحد يراه لكنني كنت مختبئًا خلف الورود. لم أعد قادرة على التنفس. مدّ يزن الورقة نحوي ببطء. وقال قال إن أبي يجب أن يأخذ هذا السر معه إلى القبر إلى الأبد. كانت الدموع تنهمر فوق خدي الطفل. ثم قال برجاء مرعب أرجوكِ لا تخبريه أنني أريتكِ الورقة. وفي تلك اللحظة شعرت بأن الدم تجمّد في عروقي فعلًا. لأن الطفل لا يتوسل لشخص بالغ كي يخفي شيئًا إلا إذا كان مرعوبًا مما قد يحدث إن عرف الطرف الآخر الحقيقة. كانت يداي ترتجفان بعنف وأنا أفتح الرسالة. عرفت خط سامر فورًا. لكن السطر الأول جعل معدتي تهوي إلى الأرض عادل أحتاج منك أن تأخذ هذا السر معك إلى القبر وفي اللحظة نفسها سمعت صوت عجلات سيارة سامر تدخل إلى فناء المنزل. الجزء الثاني سيكشف السر الذي أخفاه سامر داخل نعش صديقه، ولماذا كان يزن خائفًا منه إلى هذا الحد طوال الوقت 
الجزء الثاني
أعادني صوت عجلات السيارة فوق مدخل المنزل المبلل بالمطر إلى الواقع دفعة واحدة.
لقد عاد سامر.
وبجانبي، تجمّد جسد يزن بالكامل.
لم يكن توترًا عاديًا.
بل خوفًا عميقًا إلى درجة أنه شلّ الطفل تمامًا ذلك النوع من الرعب الذي لا ينبغي لطفل في الثامنة أن يعرفه أبدًا.
نظرت إليه.
أصبح تنفسه سريعًا ومتقطعًا.
وثبتت عيناه على نافذة غرفة الجلوس.
كسجين يسمع خطوات تقترب من زنزانته.
وفي تلك اللحظة، ضربتني فكرة بقوة حتى شعرت بألم حقيقي في صدري
هذا الطفل يعيش مع ذلك الخوف منذ وقت طويل جدًا.
ليس منذ اليوم.
ولا منذ هذا الأسبوع.
بل منذ أشهر.
خالتي
كان صوت يزن بالكاد يُسمع.
أرجوكِ لا تخبريه.
لم أبكِ.
حتى إنني لم أستطع التنفس.
هناك أنواع من الألم لا تسمح لك بالبكاء فورًا.
بل تجمّدك أولًا.
تجبرك على النظر إليها مباشرة قبل أن يسمح لك جسدك بردة فعل.
طويت الرسالة بسرعة حتى كدت أمزقها، وأخفيتها داخل جيب سترتي في اللحظة التي فُتح فيها الباب الرئيسي.
قال سامر بنبرة طبيعية
الصيدلية كانت مزدحمة بشكل لا يصدق.
طبيعية أكثر مما ينبغي.
استدرت نحوه ببطء.
كان المطر يتساقط من سترته.
وعيناه تتحركان داخل المطبخ.
أنا.
يزن.
الطاولة.
كان يحسب كل شيء.
دائمًا يحسب.
ولثانية مرعبة، ظننت أنه يعرف.
لكنه ابتسم بعدها.
تلك الابتسامة نفسها التي كان الجميع يحبونها.
الابتسامة التي جعلتني أرتجف في أول موعد بيننا.
أما الآن
فبدت كقناع.
قناع أدركت فجأة أنني ربما لم أرَ ما خلفه يومًا.
وربما لأنه كان موجودًا منذ البداية.
قال
هل كل شيء بخير هنا؟
هزّ يزن رأسه فورًا.
قبل حتى أن أجيب أنا.
بسرعة مبالغ فيها.
بطاعة مرعبة.
ردة فعل طفل تعلّم كيف يختبئ.
بقيت نظرة سامر معلقة على يزن لثانية أطول مما يجب.
ثم اقترب منه، ومرر يده فوق شعره قائلًا
جاهز للعودة إلى البيت يا بطل؟
يا بطل.
تلك الكلمة قلبت معدتي.
نظر إليّ يزن مرة واحدة فقط.
مرة واحدة.
استغاثة صامتة.
وفي تلك اللحظة اتخذت قراري.
قلت بسرعة
أنا سأوصله إلى البيت. أنت قدت السيارة تحت المطر بما يكفي.
رمش سامر ببطء.
توقف صغير جدًا.
لكن بعد سبع سنوات من الزواج، تتعلم المرأة كيف تقرأ صمت زوجها.
كان يشك.
ثم هز كتفيه وقال
كما تريدين.
لكن عينيه لم تفارقا وجهي.
بدا الطريق إلى منزل مريم أطول من المعتاد.
كان يزن ملتصقًا بباب السيارة، يحتضن حقيبته إلى صدره وكأنها درع يحميه.
وفي كل إشارة مرور، كنت أنظر إليه بطرف عيني.
وأحاول أن أفهم كيف حمل طفل في الثامنة كل ذلك الرعب وحده.
بينما أنا
المرأة البالغة الزوجة
لم أرَ شيئًا.
أو ربما
رأيته فعلًا.
وذلك كان أكثر ما يؤلمني.
طريقة سامر في الإصرار دائمًا على أخذ يزن إلى تدريبات الكرة.
الطريقة التي كان يوجد بها دائمًا في منزل مريم عندما تحتاج للمساعدة.
الطريقة التي كان ينظر بها إليها في جنازة عادل.
نعم.
لقد رأيت.
لكنني اخترت ألا أنظر
—
بتمعّن.
لأن الرؤية الحقيقية تعني أن عليكِ أن تتصرفي.
سألت أخيرًا بصوت منخفض
يزن هل قال والدك يومًا شيئًا عن عمك سامر؟
بقي يزن ينظر عبر النافذة.
صمت طويل.
ثم قال
أبي كان يبكي كثيرًا قبل أن يموت.
اشتدت يداي فوق المقود.
والدك كان يبكي؟
أبي وعم سامر كانا يتشاجران في المرآب. أبي قال له أن يبتعد عن بيتنا.
شعرت بأن الهواء اختفى من حولي.
وماذا حدث بعد ذلك؟
عم سامر قال إنه أحب أمي أولًا.
توقفت أنفاسي.
ثم أكمل يزن
قال إن هذا ليس عادلًا.
بدأت أضواء الشارع تبدو ضبابية أمام عيني.
ليس بسبب المطر.
عادل مات بعد تلك الليلة بثلاثة أشهر.
أزمة قلبية مفاجئة.
ثمانية وثلاثون عامًا فقط.
وكان بصحة ممتازة.
يركض كل صباح.
حالة غير مفسّرة كما قال الأطباء.
تذكرت سامر في غرفة انتظار المستشفى يومها.
كان شاحب الوجه.
يرتجف.
وقد احتضنته بينما كان يبكي فوق كتفي.
وأنا
صدقت تلك الدموع.
أما الآن، فبدأ سؤال مرعب يطاردني
هل كان يبكي على صديقه؟
أم على شيء آخر تمامًا؟
أبعدت الفكرة عن رأسي فورًا.
كان عليّ أن أفعل ذلك.
لأنني لو تركتها تستقر داخلي، فلن أتمكن من متابعة القيادة.
لكنها بقيت رغم ذلك.
مثل حشرة عالقة بين زجاجتين.
هناك.
دائمًا هناك.
وعندما وصلنا أخيرًا إلى منزل مريم، كانت معدتي قاسية كالحجر.
فتحت مريم الباب مرتدية ملابس منزلية بسيطة، وعلى وجهها ابتسامة مرهقة.
لكن ابتسامتها اختفت فور أن رأت وجهي.
ماذا حدث؟
نظرت إلى يزن وقلت
حبيبي اذهب واغسل يديك في الأعلى.
تردد.
ثم قال بخوف
هل تعدينني أنه لن يأتي إلى هنا؟
عقدت مريم حاجبيها.
من؟
لكن يزن كان قد صعد الدرج راكضًا.
وفور اختفائه، أخرجت الرسالة من جيبي.
وقلت
يجب أن تقرئي هذا.
في البداية بدت مريم مشوشة.
ثم تعرفت على الخط.
وفجأة اختفى اللون من وجهها بالكامل.
لا
بدأت يداها ترتجفان وهي تقرأ.
عادل أحتاج منك أن تأخذ هذا السر معك إلى القبر
غطت فمها بيدها.
ورأيت عينيها تتحركان فوق كل سطر.
كل اعتراف.
سامر يعترف بأنه أحبها دائمًا.
سامر يعترف بغيرته.
من زواجها.
ومن طفلها.
ومن الحياة التي كان يعتقد أنها يجب أن تكون له.
كان يكتب عن الانتظار.
انتظار ظهور الشقوق.
انتظار أن يخطئ عادل.
انتظار أن تفهم مريم أخيرًا من الرجل الذي أحبها حقًا.
لكن عادل لم يمنحه تلك الفرصة أبدًا.
وفي الليلة التي سبقت موته، هدده بأنه سيخرجه من حياتهم إلى الأبد.
عدت أقرأ تلك الجملة مرة أخرى.
الليلة التي سبقت موته.
ومريم أعادت قراءتها هي الأخرى.
رأيت عينيها تتوقفان عندها طويلًا.
أطول مما ينبغي.
ثم رفعت نظرها نحوي.
لم تتكلم أيٌّ منا.
لم نكن بحاجة للكلام.
هناك أفكار أخطر من أن تُقال بصوت مرتفع.
لأنها بمجرد أن تُنطق
لا يمكن التراجع عنها أبدًا.
هناك أفكار تمر بصمت فقط بين امرأتين تجلسان في مطبخ بعد منتصف الليل.
عادل كان بصحة ممتازة.
عادل هدد بإبعاد سامر.
وبعد ثلاثة أسابيع
مات.
وفاة غير مفسّرة.
وضعت مريم الرسالة ببطء فوق الطاولة.
وكان الشيء الأكثر رعبًا
أن يديها توقفتا

عن الارتجاف.
لأن الأم حين تتوقف عن الارتجاف
يبدأ شيء آخر.
همست
هل تعتقدين أنه؟
لكنها لم تستطع إكمال السؤال.
وأنا أيضًا لم أستطع الإجابة.
لأنني لا أعرف.
وربما لن أعرف أبدًا.
وربما تلك هي أقسى نقطة في الأمر كله.
لا يمكنك اتهام رجل اعتمادًا على الفراغات بين الأحداث.
لا يمكنك محاكمة شك.
ولا إثبات حدس.
يمكنك فقط أن تعيش معه.
كل يوم.
حتى آخر عمرك.
أخذت مريم نفسًا طويلًا.
ثم قالت بصوت هادئ بشكل مرعب
لن يقترب من ابني مرة أخرى.
كان صوتها مسطحًا.
هادئًا.
وذلك أكثر صوت مرعب يمكن أن تصدره أم.
ثم أمسكت يدي وقالت
شكرًا لأنك صدقتِه.
هو.
ليس أنا.
يزن.
لأن الأطفال يعرفون دائمًا.
قبل أن يسمح الكبار لأنفسهم بالاعتراف بالحقيقة بوقت طويل.
كان الوقت قد اقترب من منتصف الليل عندما عدت إلى المنزل.
كان سامر ينتظرني في غرفة الجلوس.
كل الأضواء مطفأة ما عدا مصباحًا صغيرًا.
كان جالسًا هناك وسط الظلام.
منذ متى؟
وماذا كان ينتظر؟
وفور دخولي، وقف مباشرة.
أين كنتِ؟
خلعت سترتي المبللة ببطء.
كنت في منزل مريم.
تغيّر وجهه فورًا.
لم يكن ذنبًا.
بل خوفًا.
ثم قال مباشرة
لقد أريتها الرسالة.
لم تكن سؤالًا.
لم أجب.
مرر سامر يديه في شعره بعصبية، وبدأ يمشي ذهابًا وإيابًا.
أنتِ لا تفهمين.
نظرت إليه طويلًا.
أبحث في وجهه عن الرجل الذي وعدني بحياة كاملة يوم زفافنا.
الرجل الذي احتضنني عندما ماتت أمي.
الرجل الذي بكى في جنازة عادل.
لكنني لم أجده.
ولأول مرة
لم أشعر إلا بالفراغ.
ليس فراغي أنا.
بل فراغه هو.
كأنني عشت سبع سنوات داخل منزل
ثم اكتشفت فجأة أنه لم يكن هناك أحد حقيقي داخله من الأساس.
بدأ يتكلم بسرعة.
قال إنه لم تكن هناك أي علاقة حقيقية بينه وبين مريم.
وأنه لم يرد أذية أحد.
وأنه فقط كان يحاول مساعدة يزن.
تركته يتحدث.
لم أعد بحاجة للتفسيرات.
كنت فقط أراقبه.
أراقب رجلًا يحاول بيأس إعادة لصق قناع تحطم بالكامل.
فكرت بعادل.
الأزمة القلبية غير المفسّرة.
الشجار داخل المرآب.
الثلاثة أسابيع الفاصلة بين الأمرين.
أردت أن أسأله.
فتحت فمي.
ثم أغلقته مجددًا.
لأن هناك أسئلة لا تُطرح عندما تكونين وحدك مع شخص في منتصف الليل داخل منزل صامت.
تلك الأسئلة تأخذينها معك وأنت تغادرين من الباب.
وفجأة قال سامر
لقد دمرتِ كل شيء.
وهنا ظهر سامر الحقيقي أخيرًا.
لم يكن يتألم.
بل كان أنانيًا.
لم يكن محطمًا لأن طفلًا عاش في خوف.
بل لأن خياله انهار.
راقبته طويلًا.
ثم قلت بهدوء
الشيء الوحيد الذي خسرته هو الوهم الذي كنت تعيش فيه.
تسارع تنفسه.
ثم قال
ما كنت أحاول حمايته هو الحقيقة.
نظر إليّ وكأنه لم يعد يعرفني.
وربما فعلًا لم يعد يعرفني.
لأن المرأة التي كانت تسكت حدسها ماتت هذه الليلة.
في مطبخ مريم.
في اللحظة التي أمسكت فيها يدي.
أخذت حقيبتي.
بدأ سامر يصرخ باسمي بينما كنت أتجه نحو الباب.
أعلى.
وأكثر غضبًا.
قال إنه يحبني.
وأنني أدمّر عائلتنا.
وأنني سأندم.
توقفت عند الباب.
لكنني لم ألتفت نحوه.
قلت فقط بهدوء
عادل كان بصحة ممتازة أليس كذلك؟
صمت.
صمت طويل جدًا.
طويل لدرجة أنني استطعت سماع صوت ساعة المطبخ.
لم أحتج أن أرى وجهه.
لم أكن بحاجة لذلك.
هناك أسئلة لا تحتاج
إلى إجابات.
يكفي فقط أن تُطرح.
حتى يعرف الطرف الآخر أنكِ تعرفين.
أو الأسوأ
أن يعرف أنكِ لا تملكين الحقيقة كاملة لكنكِ ستحملين ذلك الشك معك بقية حياتك.
وهو أيضًا.
فتحت الباب.
وكان المطر يهطل فوق الشارع الفارغ.
ولم أنظر خلفي أبدًا.
هناك حقائق لا تُثبت أبدًا.
بل تبقى مجرد شكوك.
وأحيانًا
يكون الشك أقسى عقوبة يمكن أن يحملها إنسان.
لمن يعيش بها
ولمن يُجبر على العيش تحتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى