منوعات

أحمد لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره

لا بأس دعني أحزم أشيائي.
لم تساعدها سارة الطيب
وبينما كانت فاطمة عبد الرحمن تضع بعض فساتينها في حقيبةٍ قديمة
وقفت زوجة الابن قرب نافذة غرفة المعيشة، وأزاحت الستار، ثم قالت بصوتٍ منخفض
سأتصل بالمقاول غدًا هذا الجدار يجب أن يُزال أريد مساحة مفتوحة.
غادرت فاطمة عبد الرحمن المنزل وهي تجرّ ساقها المتعبة
ولم تكن تعلم، وهي تراقب بيتها يبتعد من نافذة السيارة
أن كلماتُ زوجةِ ابنها ليست مجرّد نزوةٍ عابرة لإعادة ترتيب المنزل
بل كانت بداية شيءٍ أخطر بكثير.
في تلك اللحظة، كان ابنها وزوجته قد أتما بالفعل نصب فخٍّ قاسٍ فخٍّ لم يُبنَ على الغـ,ـضب فقط، بل على حسابٍ باردٍ لا يعرف الرحمة.
فخٌّ سيحتاج القدر خمس سنواتٍ كاملة ليكشف ثمنه الحقيقي
ثمنًا لن يكون سوى الخراب.
لم يكن أحدٌ منهم يتخيّل
أن ما بدأ في ذلك اليوم الهادئ، سيكبر بصمت
حتى يتحوّل إلى كابوسٍ لا يمكن إيقافه.
الجزء الثاني
بدأت السنوات تلتهم حياة فاطمة عبد الرحمن داخل دار رعاية المسنّين في أطراف الخرطوم، ومع بلوغها الرابعة والسبعين، صار الزمن عندها لا يُقاس إلا بأضواء الممرات الباهتة ومرور الوجوه المنهكة التي تأتي وتختفي دون أثر.
في الأشهر الستة الأولى، كان ابنها عبد الله حسن يزورها مرة كل شهر، يجلس بالكاد ثلاثين دقيقة، ينظر إلى ساعته بملل، يسألها بشكلٍ آلي عن حالها، ثم يردّد نفس الوعد الفارغ سنجد حلًا قريبًا ويغادر.
ومع مرور الوقت، بدأت الزيارات تتباعد حتى أصبحت مرة كل ثلاثة أو أربعة أشهر.
أما سارة الطيب فلم تطأ قدمها المكان يومًا.
لكن محمد أحمد كان مختلفًا
رغم صِغره، ورغم انشغاله بالدراسة والحياة، لم يتخلَّ عنها أبدًا، سواء في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره، كان يأتي إليها كل أسبوعين دون انقطاع، يستقل الحافلة من أقصى المدينة، في رحلةٍ مرهقة تستغرق ساعة ونصف ذهابًا ومثلها إيابًا، فقط ليصل في العاشرة صباحًا.
كان يطرق الباب ثلاث مرات
ثم يقول بصوتٍ دافئ يا جدتي أنا هنا.
كان دائمًا يحمل معه كيسًا من الخبز، وأحيانًا يجلب لها ما تحب، يجلس بجانبها، ويحدّثها عن دروسه، عن أساتذته، عن حلمه بأن يصبح مهندسًا ويصنع بيوتًا لا يُطرد منها أحد.
وفي إحدى الظهيرات
حين كان محمد أحمد في الخامسة عشرة، وقف أمام النافذة، ونظر بعيدًا، ثم قال بصوتٍ أكبر من سنّه
يا جدتي لا تظني أنني لا أفهم أنا أعلم أن والديّ أخطآ كنتُ صغيرًا، ولم يكن لي صوت، ولم أستطع الدفاع عنكِ لكنني أتذكّر كل
شيء وأقسم أنني لن أنساه.
في تلك الليلة، بكت فاطمة عبد الرحمن بصمت
لم تبكِ على نفسها
بل على ذلك الحمل الثقيل الذي يحمله طفلٌ صغير في قلبه.
مرّ الوقت
ببطءٍ قاسٍ
حتى بلغ محمد أحمد الثامنة عشرة.
وفي صباحٍ رمادي، يشبه كثيرًا صباحات الخرطوم الثقيلة
دُقّ الباب ثلاث مرات.
لكن هذه المرة لم تكن الخطوات خفيفة.
دخل محمد أحمد
لم يعد ذلك الصبي.
كان واقفًا بثبات، بملامح رجلٍ تشكّلت مبكرًا، ونظرةٍ باردة لم ترَ فاطمة عبد الرحمن مثلها في عينيه من قبل.
لم يكن يحمل خبزًا
بل كان يحمل ملفًا أصفر، ممتلئًا بالأوراق.
قال بصوتٍ حاسم لا يقبل النقاش
يا جدتي جهّزي حقيبتك ستأتين معي.
ارتجفت وهي تنظر إليه
معك؟ يا بني أنت على وشك دخول الجامعة وليس لديك حتى بيت
قاطعها بهدوءٍ صارم
بل لديّ استأجرت شقة صغيرة من عملي ولن تبقي هنا دقيقة واحدة بعد الآن.
ثم فتح الخزانة وأخرج حقيبتها القديمة بنفسه.
وأثناء خروجهما عبر الممر
نحو الاستقبال
انفتحت الأبواب الزجاجية فجأة.
كان عبد الله حسن وسارة الطيب.
استدعاهما مدير الدار بعد أن أبلغه أن شابًا يحاول أخذ إحدى النزيلات.
كان وجه عبد الله حسن مشتعلًا بالغـ,ـضب
بينما بدت سارة الطيب متضايقة
ليس خوفًا
بل لأنها اضطرت أخيرًا لدخول ذلك المكان.
صرخ عبد الله حسن، فجأة، بصوتٍ عالٍ جذب انتباه الممرضات وبقية النزلاء
لن تأخذها معك! أنت مجرد ولدٍ أحمق! جدتك تحتاج إلى رعاية طبية أنت لا تفهم ما تفعله!
في تلك اللحظة
أسقط محمد أحمد الحقيبة من يده.
ثم تقدّم خطوة
ووقف أمام والده بثبات رجلٍ في الثامنة عشرة، نظرةٌ واحدة منه كانت كافية
لتجبر عبد الله حسن على التراجع خطوة إلى الخلف.
قال بصوتٍ بارد حاد كالسّكين
لا يا أبي أنت من لا يفهم ما الذي ورّط نفسه فيه.
ساد صمتٌ ثقيل في المكان.
ثم أكمل، وعيناه لا تفارقان وجهه
هل ظننت حقًا أنني لن أكتشف؟ هل ظننت أنني مجرد طفلٍ ساذج يصدق أن جدتي أصبحت عبئًا؟
تقدّمت سارة الطيب بخطوة، ترفع حقيبتها في توتر، وقالت بنبرة حادّة
احترم والدك! نحن فعلنا ما هو الأفضل لها! ذلك البيت كان كبيرًا عليها وكانت حالتها الصحية لا تسمح لها بالبقاء وحدها!
ابتسم محمد أحمد ابتسامة ساخرة جافة
ثم فتح الملف الأصفر الذي كان يحمله.
أخرج رزمة من الأوراق المختومة
وألقاها بقوة نحو صدر والده.
تناثرت الأوراق على الأرض
وتبعثرت فوق البلاط، أمام أعين الجميع.
قال بصوتٍ مرتفع، يهزّ المكان
لم تضعوها هنا بسبب صحتها!
وأشار بإصبعه مباشرة نحو والده
حبستموها هنا لأنك أنت وزوجتك كنتم بحاجة إلى المال!
تجمّد عبد الله حسن في مكانه.
وأكمل محمد أحمد، وصوته يزداد قوة
كنتم غارقين في الديون ديون بطاقات، ومصاريف حياة لا تستطيعون تحمّلها فقرّرتم التخلص منها لتبيعوا البيت وتصرفوا المال!
شعرت فاطمة عبد الرحمن وكأن الهواء اختفى من صدرها
تشبثت بعكازها وعيناها تتسعان، غير قادرة على استيعاب ما تسمعه.
لكن محمد أحمد لم يتوقف قال ببطءٍ حاسم
لم تكتفوا بذلك بل زوّرتم توقيعها.
بهت وجه عبد الله حسن تمامًا.
دفعتم المال لموظفٍ فاسد وأصدرتم تقريرًا كاذبًا بأنها غير قادرة على إدارة شؤونها وبعتم المنزل
في أم درمان بمبلغٍ ضخم
توقف لحظة ثم قال الجملة التي كسرت كل شيء
ومنذ خمس سنوات وأنتم تستولون على معاشها وعلى أموال جدي
رفع عينيه ونظر إليهما ببرودٍ مخيف
سرقتم كل شيء.
كان الصمت مطبقًا في دار رعاية المسنّين، حتى بدا كأن المكان كله يحبس أنفاسه.
حاولت سارة الطيب أن تتكلم لتدافع عن نفسها، لكن الكلمات خانتها، فبقي فمها مفتوحًا دون صوت، وقد شحب وجهها وارتجف جسدها بعد انكشاف الحقيقة.
أما عبد الله حسن، فوقف مرتبكًا، يتصبب عرقًا، يبحث عن أي عـ,ـذر ينقذه.
قال بصوتٍ متقطع وهو يمد يده نحو ابنه
محمد يا بني أستطيع أن أشرح، الديون كانت تلتهمنا
لكن محمد أحمد دفعه بعيدًا باشمئزاز.
وقال ببرودٍ قاسٍ
لا تلمسني ولستُ ابنك.
ثم ثبت عينيه فيه وأكمل بنبرة ثابتة
أنا الآن في الجامعة، وهناك التقيت بمحامين في العيادة القانونية، وعرضت عليهم كل شيء، وقد فهموا القضية فورًا.
تجمّد عبد الله حسن في مكانه.
وتابع محمد أحمد دون أن يخفف من حدّة كلماته
تم رفع دعوى مدنية وجنائية ضدكما، بتهم الاحتيال والتزوير واستغلال مسنّة وذلك أمس في تمام الثامنة صباحًا.
سقطت كلماته كالصاعقة.
أطلقت سارة الطيب صرخة حادة، ووضعت يديها على رأسها في ذهولٍ كامل، وقد أدركت أخيرًا أن ما فعلته لن ينتهي بفضيحة فقط بل بسجنٍ لا مهرب منه.
أما عبد الله حسن فسقط على ركبتيه.
بدأ يلتقط الأوراق من الأرض بيدين

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى