اشتغلت خدامة عند رجل أعمال غني. سمعت بنته بتعيّط وهي مقفولة في أوضتها. مرات الأب قالت إنها “نوبة دلع”، بس لما فتحت الباب… لقيت……!!!!!
——————-
” سيبوني أخرج…..!!!! ”
كان أول صوت سمعته وأنا داخلة من باب الفيلا الخلفي، مش صوت خطواتي على الرخام،
لكن بكاء.
مش بكاء طفل متدلّع… لأ، كان بكاء موجوع، مليان يأس، يخلي الجلد يقشعرّ.
كنت لسه جاية حالًا، شنطتي القديمة في إيدي، رايحة أبدأ شغل جديد كخدامة مقيمة.
الشغل ده كان آخر أملي. بعد ما اترفدت من مكاني القديم، كنت حرفيًا على وشك المبيت في الشارع.
فيلا رجل الأعمال الكبير عادل السيوفي كانت المفروض تبقى طوق النجاة.
المطبخ كان ساكت جدًا… بيلمع، وبارد كأنه مقبرة.
“هتتعوّدي على الصوت ده”، صوت ست خلاني أتفاجئ.
كانت شغالة تانية، لابسة يونيفورم، اسمها سعاد،
كانت بتلمّع صينية فضة، حركاتها آلية كأنها روبوت.
قالت وهي تتنهّد:
“يا ساتر يا رب… المدام بدأت تاني.”
سألتها: “فيه إيه؟”
قالت وهي تزفر:
“المدام عصبية النهارده.”
“المدام؟”
“أيوه… مدام نسرين.”
بصّت للسقف، ناحية مصدر البكاء.
“دي مرات الأب.”
زاد الصوت العالي أكتر… بقى صريخ.
صوت حاد نازل من فوق:
“محدش طايقك خلاص! اقعدي جوه وعيّطي لحد ما تتأدّبي!”
واتقفل الباب فوق بفرقعة جامدة، حسّيتها لحد تحت.
سألت بخوف:
“والأستاذ عادل؟”
قالت سعاد وهي رافعة حاجبها:
“مسافر… دايمًا مسافر.
بصي يا بنتي، خليني أقولك كلمة:
الشغل هنا مش سهل. خليكي في حالك، ما تسمعيش ولا تتكلمي. اعملي شغلك وبس.”
بس… ما عرفتش أعمل كده.
كنت اتحركت خلاص.
سابيت الشنطة وجريت ناحية السلم،
طلعت الدرج بسرعة، قلبى بيدق بعنف.
وأنا عند الدور التاني، خرجت ست من أوضة بعنف.
كانت جميلة جدًا… شعرها أصفر فاتح، لابسة دهب كتير، ووشها جميل بس متجمّد، بلا روح.
أكيد دي نسرين.
وقفت لما شافتني، ضيّقت عينيها ثواني وبعدين ابتسمت ابتسامة مصطنعة.
عدّلت بلوزتها وقالت بصوت ناعم فيه برود:
“انتي الخدامة الجديدة، اسمك إيه؟”
قلت بسرعة:
“أيوه يا مدام… أنا سلمى.”
كان البكاء لسه جاي من الأوضة اللي خرجت منها.
قالت ببرود وهي تلوّح ناحية الباب:
“الطفلة عاملة نوبة عصبية كالعادة. لما تهدى، دخلي نضّفي الأوضة.”
بصّتلي من فوق لتحت.
“البنت كويسة، بس… عنيدة شوية. فاهمة؟”
ومشت من جنبي بعطر غالي جدًا، ونزلت السلم وهي شايلة شنطتها الماركة، وخرجت من الباب من غير ما تبص وراها.
البكاء مكمل… مكتوم، متقطّع.
قربت من الباب، خبطت بخفة:
“يا حبيبتي؟ ممكن أدخل؟”
سكت الصوت لحظة، وبعدين بقى أنين خفيف.
قلت بهدوء:
“أنا اسمي سلمى، مش هزعقلك والله. أنا عايزة أتكلم معاكي بس.”
حصرياً على صفحة روايات و اقتباسات
مسكت مقبض الباب… مقفول.
القفل قديم.
بصيت حواليّ، لقيت مفتاح كبير على الترابيزة.
خدته، وإيديا بتترعش، وحطيته في القفل.
صوت تقيل… والباب فتح.
الأوضة كانت مظلمة.
الستارة مقفولة، الشمس مش داخلة خالص.
في الركن، بنت صغيرة قاعدة على الأرض، ضامّة ركبها لصدرها،
عيونها واسعة وخايفة.
كان عندها حوالي خمس أو ست سنين، شعرها بني متلخبط، وشها متسخ ومبلول من الدموع.
دي مش نوبة غضب… دي خوف حقيقي.
قربت منها وقلت بلطف:
“يا حبيبتي… اسمك إيه؟”
ارتجفت وقالت بصوت مبحوح جدًا:
“ليلى.”
حصرياً على صفحة روايات و اقتباسات
ابتسمت وقلت:
“اسم جميل أوي يا ليلى. أنا سلمى. كنتِ بتعيّطي ليه يا سكر؟ حلمتي بكابوس؟”
بصّتلي بخوف، ورفعت صباعها الصغير المرتجف ناحية بطنها.
وقالت همس:
“بتوّجعني…”
سكن قلبي من الخوف.
“إنتِ جعانة؟”
هزّت راسها بالإيجاب بخفة.
“طب أكلتي إيه النهارده؟ فطار؟”
سكتت، ما ردّتش.
“ليلى… أكلتي امتى آخر مرة؟”
هزّت راسها بالنفي، والدموع نزلت تاني.
وقالت بصوت مكسور:
“ما أكلتش…”
بصّيت في الساعة… كانت واحدة الضهر.
“إزاي يعني ما فطرتيش؟”
قالت بخفوت:
“نسرين… نسيت… نسيت تاني.”
وقفت متجمدة، والبيت كله ساكت، بارد.
كلام سعاد بيرن في وداني:
– خليكي في حالك، ما تسمعيش.
بس إزاي؟
إزاي حد ينسى يطعم بنت صغيرة؟
بصّيت للطفلة المرتجفة في الضلمة، بطنها فاضية، وعيونها مورّمة من العياط.
وفهمت إن المكان ده مش مجرد شغل صعب…
ده كابوس.
ابتسمت لها ومدّيت إيدي وقلت:
“تعالي يا قمري… نروح نجيبلك حاجة تاكليها، ماشي؟”
ترددت شوية، وبعدين مدت إيدها الصغيرة الباردة، ومسكِتني.
وفي اللحظة دي، عرفت…
إني ما جتش هنا علشان أنضّف.
جيت علشان أحميها و و و…….!!!!
ابني ومراته سافروا أجازة وسابولي حفيدهم اللي عنده تمن سنين، الولد ده كان مولود أخرس وعمره ما نطق كلمة من يوم ما اتولد. وأول ما مشيوا، لقيته بيبص لي فجأة، ولأول مرة في حياته نطق بحاجة خلت الـ.ـدم يتجمد في عروقي.
قبل الموقف ده بعشر دقايق بس، كان كل حاجة شكلها طبيعي جدًا. ابني كان بيجري ناحية العربية وبيشيل الشنط، وعينه مابتنزلش من على موبايله. ومراته كانت واقفة جنبه.. شيك جدًا، متماسكة، وواثقة في نفسها. كانت لابسة بالطو فاتح، وشعرها معمول، وعلى وشها النظرة الباردة اللي دايمًا كانت بتحسسني بالعـ.ـدم الراحة.
أنا عمري ما حبيتها. كانت دايمًا تبان مغرورة وقاسية، وناشفة جدًا، ومفيش في قلبها رحمة. ياما سألت نفسي: هو ابني شاف فيها إيه؟ بس كنت دايمًا بحاول ألاقي لها عذر. كنت بقول يمكن شخصيتها دي نتيجة الحياة الصعبة مع طفل “مختلف”. حفيدي مبيتكلمش من وهو صغير، وكنت فاكرة إن كتر اللف على المستشفيات والدكاترة والتشخيصات اللي مابتخلصش هما اللي خلوها كده.
أول ما الباب اتقفل وراهم والعربية اتحركت، البيت هدي فجأة وساد فيه صمت غريب. حتى النفس بقى أسهل. حفيدي كان قاعد في الصالة بيلعب في هدوء، وبيرص اللعب بتاعته بنظام زي عادته. قعدت عالكرسي وحسيت إن غياب مرات ابني خلاني أحس براحة مكنتش حاساها وهي موجودة.
قمت دخلت المطبخ أعمل كوباية شاي. شغلت الكاتل، وفتحت علبة الشاي واخدت فتلة، ولسه برفع الكوباية ناحيتي، وفي اللحظة دي سمعت صوت… صوت واطي، بس كان واضح لدرجة خلت قلبي يوقف للحظة: «تيتا… ممكن أقولك سر؟»
اتسمرت مكاني. رفعت عيني ببطء، واللي شوفته خلى شعر راسي يشيب قبل ما استوعب: حفيدي، اللي عمره ما نطق بحرف واحد طول التمن سنين، كان بيبص لي في عيني مباشرة، وعينيه فيها نظرة أكبر وأعمق بكتير من صمت عمره كله.. نظرة هتغير كل اللي كنت فاكرة إني أعرفه عنه وعن عيلتي. وبعدين همس.. همس بكلمة واحدة، بس كانت كفيلة إنها تهد كل اللي أعرفه عن حياتنا فجأة…
وو.ووو لمتابعه القصه كامله لايك و 5 تعليقات ب تم هنا وهتنزل القصه في اول تعليق لا تفوّت الاحداث الحقيقية




