منوعات

سمعت صوت خطوات جوزي وحماتي

لعلاج أعصابي، وإنه كان بيحاول يساعدني.
لكن لما سألوه عن اسم الدواء والجرعة وسبب إخفاء العبوات، ما قدرش يقدم تفسيرًا واضحًا.
أما حماتي، فأنكرت إنها كانت بتديني أي حاجة ضارة، وقالت إن الأعشاب اللي كانت بتجيبهالي عادية.
الظابط ما اعتبرش إن كلام أي واحد فيهم دليل إدانة لوحده، لكنه طلب فحص كل ما تم ضبطه، وبدأ يراجع أقوالهم وتناقضاتها.
وفي الوقت ده، الدكتور كان بيحاول يسيطر على الأعراض اللي عندي، ويحدد إذا كان فيه ضرر عصبي محتاج علاج طويل.
لما سألته إذا كنت هرجع زي الأول، قال بصراحة
لسه بدري نحكم. المهم إنك وصلتي في الوقت المناسب، وإننا وقفنا أي تعرض محتمل للمادة دي. التحسن هيعتمد على نوعها، ومدة التعرض، ومدى الضرر اللي حصل.
لأول مرة من شهور، حد كلمني بصدق من غير ما يقلل من ألمي أو يقنعني إني بتوهم.
بعد يومين، وصل تقرير المعمل الخاص بالعبوات المضبوطة.
التقرير أثبت إن بعض الأقراص اللي كانت موجودة في العبوات تحتوي على المادة السامة نفسها اللي ظهرت في التحليل، وإن تركيزها وطريقة تداولها ما يتفقوش مع الادعاء إنها مجرد فيتامينات عادية.
أما تحديد مين اللي حطها في العبوات، ومين اللي أعطاهالي، فكان محتاج أدلة تانية.
الشرطة واجهت جوزي بالتقرير، وبالرسالة اللي بعتها لي قبل وصوله المستشفى، وبالتناقض بين كلامه عن إنه خاېف على صحتي وبين إصراره المتكرر على منعي من الكشف.
المرة دي، ما قدرش يفضل هادي.
صړخ في الظابط
أنا كنت بحاول أحمي بيتي! إنتوا مش فاهمين أي حاجة!
الظابط سأله
تحمي بيتك من إيه؟ من علاج مراتك؟ ولا من إنها تعرف إيه اللي بيتحط في جسمها؟
جوزي بص للأرض، وبعدها قال كلام خلّى الظابط يركز معاه أكتر
أنا ما كنتش عايزها ټموت!
ساد الصمت.
الظابط قرب منه وقال
محدش قال إنها ماټت. إنت اللي دخلت المۏت في الكلام من نفسك. وضّح قصدك.
جوزي حاول يرجع في كلامه، وقال إنه كان يقصد إنه ما كانش عايز يحصل لها أي مكروه، لكن عبارته اتسجلت ضمن التحقيق، واتسأل عن سبب خوفه من اكتشاف المادة في جسمها.
أما حماتي، فلما عرفت إن تقرير المعمل طلع، بدأت تتهم ابنها بأنه كان بيتصرف من غير ما يقولها كل حاجة، لكنها في الوقت نفسه أصرت إنها ما تعرفش أي تفاصيل عن الأقراص.
الشرطة ما اعتبرتش اتهامها لابنها دليلًا كافيًا، ولا براءتها من كلامها حقيقة مؤكدة. كل واحد فيهم كان لازم يتحدد دوره من الأدلة.
في الأيام اللي بعدها، بدأت الصورة تتجمع.
الرسالة اللي وصلتني ما كانتش مجرد ټهديد عابر. كانت دليلًا على إن جوزي كان عارف إني وصلت لمكان ممكن يكشف حالتي، وإنه كان مصرّ يمنعني من تلقي العلاج قبل ما الأطباء يعرفوا إيه اللي بيحصل لي.
والعبوات اللي اتضبطت، ونتائج المعمل، وتناقض أقواله، كل ده خلّى التحقيق يتجه للاشتباه في إنه كان بيديني المادة دي من غير علمي.
لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان واحد
ليه؟
ليه جوزي يعمل فيا كده؟ وليه حماتي كانت بتساعده في منعي من العلاج؟
لما الظابط سألني إذا كان فيه خلاف كبير بيني وبين جوزي قبل بداية الأعراض، افتكرت إن بعد ۏفاة أهلي حصلت مشكلة على بعض الأوراق والممتلكات اللي سابوها.
جوزي كان بيضغط عليّا علشان أمضي على توكيلات وأوراق، ويقول إنّي مش في حالتي الطبيعية علشان أتابع الأمور بنفسي.
كنت برفض أحيانًا، وأوافق على حاجات تانية من غير ما أفهم تفاصيلها، لأني كنت غرقانة في حزني، وبثق فيه باعتباره جوزي.
حكيت للظابط عن الخلافات دي، لكني ما ادعيتش إنّي عارفة السبب الحقيقي وراء

لي حصل لي.
الشرطة بدأت تراجع الأوراق اللي كان بيطلب مني أمضيها، وتتأكد إذا كان فيه ارتباط بين الخلافات دي وبين الواقعة، من غير ما تفترض إن الدافع اتثبت لمجرد وجود خلاف مالي.
وفي نفس الوقت، استمر التحقيق في دور حماتي، خصوصًا إنها كانت بتزورنا باستمرار، وكانت بتكرر إن حالتي النفسية هي سبب كل الأعراض، رغم إنّي كنت بقولها إن الألم بيزيد وإن رجليا بتضعف.
لما واجهوها بالتناقض ده، قالت إنها كانت بتصدق كلام ابنها، وإنها ما كانتش تعرف إن الأقراص ممكن تكون مؤذية.
لكن الظابط وضحلها إن معرفتها الحقيقية، لو ثبتت، مش هتتحدد من كلامها وحده؛ هتتحدد من الأدلة وأقوال الشهود وما يظهر في التحقيق.
بعد فترة من العلاج، بدأت أقدر أحرك رجليا بصورة أحسن، وإن كان المشي لسه محتاج مساعدة وجلسات تأهيل.
كنت كل يوم بصحى وأسأل نفسي إزاي ما شفتش الحقيقة بدري.
إزاي صدقت إن جسمي بيضعف من الحزن، وإن الكدمات مجرد مسكة علشان ما أقعش، وإن الخطوط اللي ظهرت على ضوافري مالهاش معنى؟
لكن الدكتور قال لي جملة فضلت معايا
إنتِ مش مطالبة تكوني طبيبة علشان تعرفي إنك تعبانة. كان من حقك تتكشفي من أول يوم، وكان من حقك حد يسمعك بدل ما يشكك في إحساسك.
الجملة دي رجعتلي جزءًا من نفسي كنت فاكرة إني فقدته.
ما بقيتش أشوف نفسي الست اللي جوزها بيقول عليها إنها بتتوهم. بقيت أشوف واحدة اټأذت، لكنها أخيرًا قدرت تطلب المساعدة وتوصل للحقيقة.
أما جوزي، فبعد استكمال الإجراءات والتحقيق في الأدلة، اتخذت ضده الإجراءات القانونية على خلفية الاشتباه في تعمد إعطائي مادة سامة وإخفاء حقيقتها عني، وظل مصير الاټهامات مرتبطًا بما يثبته التحقيق والمحاكمة.
وحُماتي كمان اتسجلت أقوالها واتحقق في دورها، خصوصًا فيما يتعلق بالأدوية والمشروبات اللي كانت بتجيبهالي، لكن ما اتعاملش معاها باعتبارها مدانة لمجرد إنها أمه أو لأنها دافعت عنه.
ولما قدرت أرجع البيت بعد مرحلة العلاج الأولى، ما رجعتش لبيت جوزي.
رجعت لبيت آمن، وسط ناس يصدقوا ألمي، وبدأت أستعيد صحتي خطوة خطوة، وأتابع علاجي وتأهيلي، وأتعامل مع الأوراق والممتلكات اللي سابها أهلي بمساعدة قانونية مستقلة.
أما علاقتي بجوزي، فما بقيتش مجرد خلاف بين زوجين ممكن يتحل باعتذار أو وعد.
الثقة اللي اتكسرت ما كانش ممكن ترجع، وقررت أمشي في الإجراءات القانونية اللازمة لحماية نفسي وإنهاء العلاقة بالطريق القانوني.
كنت عارفة إن العدالة مش كلمة بتتقال في آخر حكاية، وإنه ما ينفعش أعتبر حد مذنبًا قبل ما الأدلة تثبت مسؤوليته، لكني كنت متأكدة من حاجة واحدة مش هرجع أعيش تحت رحمة إنسان يمنعني من العلاج، ويخليني أشك في عقلي وأنا جسمي بيستغيث.
وفي آخر زيارة ليا للدكتور، بعد ما بدأت أتحسن، بصلي وسألني
لسه عندك صداع؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت
أوقات بيجي، بس المرة دي أنا مش هسكت عليه.
خرجت من المستشفى وأنا ماشية ببطء، مستندة على ذراع قريبة ليا، لكن كل خطوة كنت باخدها كانت أحسن من اللي قبلها.
ما كنتش خرجت منتصرة لأن كل سؤال اتجاوب عليه، ولا لأن كل شخص اتعاقب بالفعل؛ كنت خرجت لأنّي نجيت، ولأن الحقيقة بقت في إيد ناس تقدر تحقق فيها، ولأن محدش بقى يقدر يمنعني من طلب المساعدة.
والدرس اللي اتعلمته كان أقسى من أي ألم عشته
أصعب حاجة مش إن حد يأذيك، لكن إنه يخليك تصدق إن وجعك كدبة، وإن طلبك للعلاج مبالغة، وإن الشخص اللي المفروض يحميك هو الوحيد اللي من حقه يقرر إذا كنت تستاهل النجاة ولا لأ.
أنا ما بقيتش محتاجة أسمع جوزي
يعترف علشان أصدق نفسي.
جسمي كان بيحكي الحقيقة من شهور، وأنا أخيرًا سمعت له.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى