روايات وقصص

شاف حبيبته القديمة

— عمرها.

مرت سنتين.

طارق ما ضغطش على نغم ترجعله.

ولا مرة.

بالعكس…

كان بيحاول يصلح نفسه قبل ما يصلح جوازهم.

وفي ليلة، بعد ما رجعوا من عيد ميلاد زينة السابع، كانت البنت نايمة في العربية.

طارق وصلهم البيت.

نغم كانت هتنزل.

قال:

— نغم.

— نعم؟

— ممكن أسألك سؤال؟

— قول.

— فيه فرصة؟

بصتله.

— لإيه؟

— لينا.

سكتت طويلًا.

قال بسرعة:

— مش بقول نرجع بكرة. ومش عشان زينة. أنا عايز أعرف بس إذا كان فيه يوم ممكن تبصيلي فيه من غير ما تشوفي الراجل اللي سابك لوحدك زمان.

قالت:

— إنت ما سبتنيش بإرادتك.

— بس كنت غايب عن حاجات كتير قبل الطلاق.

سكتت.

كان صادق.

قال:

— كنت فاكر إن الفلوس والشغل هم دوري. ماكنتش فاهم إن وجودي نفسه مهم.

نغم بصت لبنتها النائمة.

— وأنا غلطت.

طارق اتفاجئ.

قالت:

— كان لازم أفضل أحاول أوصلك. كان لازم ما أخليش الخوف يقرر مكاني خمس سنين.

— إنتِ كنتِ لوحدك.

— ده مش معناه إني ما غلطتش.

سكتوا.

ثم قالت:

— ممكن نحاول.

طارق ما ابتسمش حتى.

كأنه خايف الحركة تبوظ اللحظة.

— بجد؟

ضحكت.

— متخلينيش أغير رأيي.

ضحك.

— خلاص سكت.

بدأوا من الصفر.

خروجة بسيطة.

قهوة.

كلام.

مش كزوجين سابقين.

كراجل وست بيتعرفوا على بعض من جديد.

طارق اكتشف إن نغم اتغيرت.

بقت أقوى.

ونغم اكتشفت إن طارق اتغير هو كمان.

بقى يسمع.

بقى يسأل.

وبقى يعرف إن كلمة «لأ» مش بداية معركة.

وبعد شهور…

كانوا قاعدين في نفس الصيدلية اللي اتقابلوا فيها صدفة.

نغم بصت حواليها وضحكت.

— غريبة.

— إيه؟

— كل حاجة بدأت من هنا تاني.

طارق قال:

— لأ.

— أمال؟

— بدأت لما زينة قالتلك «متعيطيش».

ابتسمت.

قال:

— الجملة دي فوقتني.

سكت لحظة.

ثم طلع علبة صغيرة.

نغم اتجمدت.

— طارق…

— استني.

فتحها.

جواها خاتم بسيط.

مش ضخم.

مش استعراض.

قال:

— أول مرة اتجوزنا، كنت فاكر إن الحب كفاية.

بصلها.

— المرة دي عارف إن الحب لوحده مش كفاية. محتاج احترام، وثقة، ووجود… ومحتاج إننا نختار بعض كل يوم.

دموعها نزلت.

— وأنا مش بطلب منك تنسي اللي حصل.

مد إيده.

— بطلب منك نبدأ حاجة جديدة.

وفجأة جه صوت من تحت الترابيزة:

— وافقي يا ماما.

طارق ونغم بصوا تحت.

زينة كانت مستخبية وبتضحك.

نغم شهقت:

— زينة!

خرجت البنت.

— بابا قالي أستخبى.

نغم بصت لطارق.

— حتى طلب الجواز عامل فيه مؤامرة؟

ضحك.

— دي آخر مؤامرة، وعد.

نغم بصت للخاتم.

ثم له.

وقالت:

— موافقة.

زينة صرخت:

— ييييه!

والصيدلي نفسه بص ناحيتهم وضحك.

نغم مدت إيدها.

طارق لبسها الخاتم.

لكن قبل ما يقوم…

زينة حطت إيدها فوق إيديهم.

وقالت:

— يعني هنعيش إحنا التلاتة مع بعض؟

طارق قال:

— لو ماما وافقت.

نغم ابتسمت.

— هنعيش إحنا التلاتة مع بعض.

زينة حضنتهم.

بعد شهرين…

ماعملوش فرح كبير.

نغم ماكانتش عايزة قاعة ضخمة ولا مئات الضيوف.

عملوا عقد قران بسيط وسط ناس قليلة.

وزينة كانت واقفة بينهم بفستان أبيض صغير.

بعد ما خلصوا، شدت جاكيت طارق.

— بابا.

— نعم؟

— عندي سؤال.

— قولي.

— إنت دلوقتي جوز ماما؟

ضحك.

— أيوه.

— وأبويا؟

— أيوه.

فكرت شوية.

— يعني مينفعش تمشي خالص.

طارق نزل لمستواها.

افتكر أول مرة شافها في الصيدلية.

وشها الشاحب.

الحذاء الوردي.

وصوتها وهي بتقول لأمها إنها ممكن تستغنى عن العلاج.

حضنها.

— مش ماشي.

قالت:

— وعد؟

— وعد.

نغم كانت واقفة وراهم.

قالت وهي بتضحك:

— خلي بالك… هي بتفتكر الوعود كلها.

طارق مد إيده لنغم.

— وأنا المرة دي كمان هفتكر.

مسكت إيده.

بعد سنة…

في صباح شتوي، كانت نغم واقفة في المطبخ.

طارق بيحاول يعمل فطار.

وزينة قاعدة على الكرسي بتراقبه.

قالت:

— بابا، البيضة اتحرقت.

— دي مش محروقة.

— سودة.

— دي طريقة جديدة.

دخلت نغم وضحكت.

— ابعد عن البوتاجاز.

طارق قال:

— محدش مقدر مواهبي في البيت ده.

زينة ردت:

— عشان معندكش مواهب في الطبخ.

طارق حط إيده على قلبه.

— حتى بنتي؟

جريت زينة حضنته.

— بس بحبك.

قال:

— خلاص سامحتك.

نغم حطت الأطباق على الترابيزة.

وبصت لهم.

من سنين كانت فاكرة إن أسعد أيام حياتها انتهت يوم خرجت من الفيلا وهي حامل.

ماكانتش تعرف إن الحياة ممكن تتكسر…

وبعدين تتبني بشكل مختلف.

طارق قرب منها.

— سرحانة في إيه؟

قالت:

— في الصيدلية.

ابتسم.

— لسه؟

— ساعات بفكر… لو المطر ما نزلش اليوم ده؟

طارق بص لزينة.

ثم قال:

— كنت هدور عليكم.

نغم رفعت حاجبها.

— بعد خمس سنين؟

قال:

— أهو القدر اختصر عليا الطريق.

زينة قالت:

— أنا السبب.

طارق شالها.

— إنتِ أحلى حاجة حصلت في الطريق كله.

زينة حضنت رقبته.

وبعدين قالت:

— بابا؟

— نعم؟

— أنا بطلت أعيى كتير.

طارق ابتسم.

— الحمد لله.

قالت:

— بس ماما ساعات بتعيط.

بص لنغم بسرعة.

— بتعيطي؟

نغم ضحكت ومسحت دمعة كانت نزلت فعلًا.

— دي دموع فرح.

زينة فكرت.

— يعني فيه عياط حلو؟

نغم قربت منها.

— أيوه.

طارق حاوط الاتنين بدراعه.

وقال:

— بس كفاية عياط في البيت ده.

زينة ضحكت.

— خلاص.

وبين ضحكتها وضحكة أمها…

طارق فهم أخيرًا إن أغلى حاجة رجعتله ماكانتش شركة ولا فلوس ولا ميراث.

كانت بنت صغيرة قالت لأمها في صيدلية مزدحمة:

«ماما… متعيطيش.»

جملة محدش سمعها غيره.

لكنها كانت كفاية…

عشان ترجعه لعيلته.

تمت.

 

10 من 10التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى