
محسن فضل باصص للورقة قدامه كأنه مش فاهم الحروف.
رفع عينه لأمه وقال:
— إيه المبلغ ده؟
فوزية ما ردتش.
سمر قربت وخدت الورقة من إيده.
وأول ما قرتها، بصت لأمها بصدمة:
— ماما… ده كان باسم محسن؟
فوزية قعدت على الكنبة وقالت بصوت واطي:
— أبوكم قبل ما يموت كان سايب مبلغ في شهادة باسمه… وكتب إن بعد وفاته يتحول لمحسن.
محسن قال:
— طب والفلوس فين؟
سكتت.
كرر بصوت أعلى:
— الفلوس فين يا أمي؟
فوزية قالت بسرعة:
— اتصرفت.
محسن رجع خطوة.
— اتصرفت إزاي؟
— البيت كان عليه مصاريف، وسمر كانت بتجهز، وإنت كنت لسه بتبدأ حياتك، وأنا كنت شايفة إن ده كله بيت واحد.
سمر قالت بانفعال:
— استني… يعني جزء من جهازي كان من فلوس محسن؟
فوزية ردت:
— ما تقوليش كده. دي كانت فلوس أبوكم، وإنتوا الاتنين ولاده.
محسن مسك راسه بإيده.
قال:
— بس هو كتبها باسمي.
— علشان كنت الكبير.
— لأ يا أمي، الورق واضح.
فوزية ابتدت تعيط.
— أنا كنت لوحدي بعد أبوكم، ومحدش كان شايل معايا. عملت اللي شوفته صح.
محسن سكت شوية.
ولأول مرة صوته هدي جدًا.
— أنا مش زعلان على الفلوس قد ما أنا زعلان إنك عمرك ما قلتيلي.
فوزية مسحت دموعها:
— كنت خايفة لو عرفت، تبعد عني.
محسن بص لها باستغراب:
— وإخفاء حاجات عني هو اللي هيخليني أقرب؟
ما ردتش.
في اللحظة دي، عبير كانت فوق في الشقة، قاعدة لوحدها ومتوترة.
ما كانتش عارفة إيه اللي بيحصل تحت.
لكنها كانت مصممة على حاجة واحدة.
إن الموضوع مايتحولش لحرب بينها وبين حماتها.
بعد حوالي نص ساعة، محسن طلع.
أول ما دخل، عبير جريت عليه.
— عملت إيه؟
قعد من غير كلام.
قالت:
— محسن؟
حكالها كل حاجة.
عبير اتفاجئت، لكن ردها كان مختلف عن اللي توقعه.
قالت:
— وإنت ناوي تعمل إيه؟
قال بعصبية:
— مش عارف. ممكن أطالب بحقي كله.
عبير قالت بهدوء:
— حقك حقك طبعًا. بس قبل أي خطوة، افهم الحقيقة كاملة.
بصلها.
قالت:
— شوف الفلوس اتصرفت فعلًا في إيه، وإيه اللي كان باسمك رسمي، وإيه اللي كان مجرد كلام. ماتاخدش قرار وإنت موجوع.
محسن تنهد.
— إنتِ بعد اللي حصل امبارح لسه بتفكري كده؟
قالت:
— اللي حصل امبارح وجعني جدًا، بس أنا مش عايزة أكسر أمك. أنا عايزة بس ماحدش يكسرني تاني.
الكلمة أثرت فيه.
مسك إيدها وقال:
— وأنا بوعدك إن ده مش هيتكرر.
عبير ردت:
— ما توعدنيش. خلينا نعيش بطريقة تمنع تكراره.
في اليوم اللي بعده، محسن راح لمحامي يعرفه، ومعاه صورة من العقد والورق القديم.
وبعد ما راجع المستندات، المحامي قال له جملة قلبت الموضوع كله:
— بص يا محسن… عقد الشقة واضح، لكن بالنسبة للمبلغ المالي، في حاجة ناقصة هنا.
محسن سأله:
— ناقصة إيه؟
المحامي طلع ورقة من الملف.
— في توقيع تاني على استلام جزء من المبلغ.
محسن قرب من الورقة.
وبمجرد ما شاف الاسم، وشه اتجمد.
التوقيع ماكانش باسم أمه.
ولا باسم أخته سمر.
كان باسم شخص من العيلة ماخطرش على باله أبدًا.
خال محسن.
محسن قال:
— خالي؟!
المحامي رد:
— الظاهر إنه استلم جزء كبير من المبلغ بصفته وكيل عن الأسرة.
محسن خرج من المكتب وموبايله في إيده.
واتصل بأمه فورًا.
أول ما ردت، قال:
— يا أمي… خالي دخل في فلوس أبويا إزاي؟
سكتت.
وسكوتهـا المرادي كان أخطر من كل اللي فات.
قالت أخيرًا:
— محسن… ماتكلمش خالك دلوقتي.
— ليه؟
ردت بصوت متوتر:
— لأن في حاجات إنت لسه ماتعرفهاش.
يتبع…
الفصل السادس — خالي كان عارف
محسن فضل ماسك الموبايل وساكت ثواني.
وبعدين قال لأمه:
— يعني إيه ماتكلمش خالي؟ إيه اللي إنتِ مخبياه كمان؟
فوزية ردت بصوت مرتبك:
— تعالى وأنا أحكيلك.
محسن قفل المكالمة، وبص لعبير.
قالت له:
— هتنزل؟
— لازم.
— انزل، بس اسمع للآخر قبل ما تحكم.
نزل محسن عند أمه، ولما دخل لقاها قاعدة لوحدها.
قال من غير مقدمات:
— احكي.
فوزية خدت نفس طويل.
— بعد أبوك ما مات، كنت مديونة.
محسن اتفاجئ:
— مديونة لمين؟
— خالك.
— وإيه علاقة ده بفلوسي؟
فوزية نزلت عينيها.
— أبوك قبل ما يموت كان داخل مع خالك في شغل، والشغل خسر. وخالك قال إن عليه فلوس.
محسن قال بسرعة:
— ومعاكي إثبات؟
سكتت.
— بسألك يا أمي، كان معاكي ورق؟
قالت:
— لأ.
محسن ضحك بمرارة.
— يعني خالي قالك أبويا مديونله، وإنتِ صدقتيه وسلمتيه فلوس باسمي؟
فوزية قالت:
— ماكنتش فاهمة في الحاجات دي. كنت لوحدي وخايفة.
— طب ليه ماقولتيليش لما كبرت؟
— لأن خالك كان بيقول إن الموضوع خلص.
محسن قرب منها:
— والجزء الباقي من الفلوس؟
فوزية ردت:
— جزء اتصرف على البيت، وجزء فضّل فترة في البنك، وبعدين حصلت مشاكل تانية.
محسن قال:
— إيه المشاكل التانية؟
قبل ما ترد، جرس الباب رن.
فوزية بصت للباب واتوترت.
محسن لاحظ.
— مستنية حد؟
ما ردتش.
راح فتح.
وكان خاله واقف قدامه.
دخل وهو بيقول:
— إيه يا محسن؟ سمعت إنك بتنبش في حاجات قديمة.
محسن وقف قدامه.
— وأنا سمعت إنك استلمت فلوس باسمي.
الخَال ابتسم ابتسامة باردة.
— باسْمك؟ دي كانت فلوس أخويا الله يرحمه، وكان عليه حسابات معايا.
محسن قال:
— معاك ورق يثبت الكلام ده؟
ابتسامته اختفت.
— إنت هتحاسب خالك؟
— لو الفلوس فلوسي، آه.
فوزية قامت بسرعة:
— يا جماعة كفاية.
لكن محسن ما بصش لها.
قال لخاله:
— الورقة بتقول إنك استلمت مبلغ كبير. أنا عايز أعرف استلمته ليه وفين راح.
الخَال قال بعصبية:
— إنت ناسي مين وقف جنبكم بعد موت أبوك؟
محسن رد:
— أنا مش بنكر فضلك لو ليك فضل. بس الفضل حاجة، وحق الناس حاجة تانية.
الجملة استفزته.
قرب من محسن وقال:
— خلي مراتك تبطل تسخنك على أهلك.
محسن وشه اتغير.
— ماتدخلش عبير في الموضوع.
— من ساعة ما اتجوزتها وإنت بقيت بتتكلم في ملكية وفلوس وخصوصية!
محسن رد بحزم:
— أنا اللي فتحت الموضوع.
في اللحظة دي، فوزية صرخت:
— كفاية!
الاتنين بصوا لها.
كانت بتعيط.
قالت:
— الحقيقة إن أخويا ماخدش الفلوس كلها علشان دين.
خاله لف لها بسرعة:
— فوزية!
لكنها كملت:
— هو أخد جزء منها علشان يساعد ابنه يفتح مشروع.
محسن بص لخاله بعدم تصديق.
— ابنك؟
الخَال قال:
— كنت هرجعهم.
محسن قال:
— رجعتهم؟
سكت.
— رد عليا… رجعتهم؟
فوزية قالت:
— لأ.
محسن ضحك بوجع.
— يعني أبويا سايبلي أمانة… وإنتوا وزعتوها بينكم من غير ما أعرف؟
الخَال اتعصب:
— ماتكبرش الموضوع.
محسن قرب منه وقال:
— أنا مش مكبره. إنتوا اللي صغرتوا حقي.
وسابهم وطلع فوق.
عبير أول ما شافته عرفت من وشه إن في مصيبة.
قالت:
— عرفت حاجة؟
قعد وقال:
— عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من أمي.
وحكالها.
عبير سكتت شوية، وبعدين قالت:
— دلوقتي لازم كل خطوة تبقى بالورق.
محسن هز راسه.
— المحامي قال نفس الكلام.
قالت:
— يبقى خلينا نبعد عن الخناقات. اللي ليك هاته بالقانون، واللي مش ثابت ما تتهمش حد بيه.
محسن بص لها وقال:
— أنا كنت فاكر المشكلة مفتاح أوضة.
عبير ردت:
— ساعات المفتاح الصغير بيفتح باب على حاجات أكبر.
وفي نفس الليلة، محسن راجع أوراق أبوه كلها.
وبين المستندات، لقى إيصال قديم مكتوب عليه اسم خاله، وتحت الاسم رقم مبلغ أكبر من اللي اتقال له.
لكن المفاجأة كانت في آخر السطر.
كان مكتوب:
“المبلغ يُرد كاملًا خلال خمس سنوات.”
ومضى على الورقة أكتر من عشر سنين.
محسن رفع الإيصال وبص لعبير.
وقال:
— يبقى كان قرض… مش دين على أبويا.
وعرف وقتها إن المواجهة الجاية مش هتبقى سهلة.
يتبع…




