
الفصل السابع — الورقة اللي قلبت العيلة
تاني يوم الصبح، محسن أخد الإيصال وراح للمحامي.
المحامي قراه أكتر من مرة، وبعدين قال:
— الورقة دي مهمة جدًا.
محسن سأله:
— يعني حقي ممكن يرجع؟
— على الأقل بتثبت إن المبلغ اللي خالك أخده ماكانش سداد لدين على والدك زي ما هو بيقول. واضح إنه كان مبلغ أخده ويرده.
محسن سكت شوية.
— وأنا مش عايز أحبس حد ولا أفضح حد.
المحامي قال:
— وده قرارك. لكن الأول لازم كل طرف يعرف إن عندك ورق.
خرج محسن من المكتب واتصل بخاله.
قال له:
— عايز أقعد معاك النهارده، وإحنا الاتنين بس.
خاله رد بعصبية:
— لو علشان الحكاية السخيفة دي، أنا معنديش كلام.
محسن قال:
— يبقى هنتكلم عن طريق محامي.
سكت خاله.
وبعد نص ساعة، رجع اتصل بيه.
— تعالى.
لما محسن وصل، لقى خاله مستنيه ووشه مقفول.
محسن حط صورة الإيصال قدامه.
قال:
— شايف التاريخ؟
خاله بص للورقة، ولون وشه اتغير.
محسن كمل:
— وشايف الجملة اللي بتقول إن الفلوس ترجع خلال خمس سنين؟
خاله قال:
— ما أنا قلتلك المشروع خسر.
— خسارة مشروعك مش معناها إن حقي يضيع.
— إنت عايز إيه؟
محسن رد بهدوء:
— عايز حقي، لكن مش عايز أهدم بيتك. اقعد معايا ونوصل لطريقة ترجع بيها اللي تقدر عليه على مراحل.
خاله ضحك بسخرية:
— مراتك معبية دماغك.
محسن خبط كفه على الترابيزة لأول مرة.
— كفاية تجيب سيرة مراتي!
خاله سكت.
محسن قرب منه:
— عبير هي الوحيدة اللي بتقولي ما أقطعش رحمي، وهي اللي بتقولي آخد حقي من غير ما أظلم حد.
الخَال ما ردش.
وفي الآخر قال:
— اديني أسبوع.
محسن قام.
— أسبوع.
لكن قبل ما الأسبوع يخلص، كانت الحكاية وصلت لكل العيلة.
مكالمات تنهال على محسن.
واحد يقوله:
— عيب تحاسب خالك.
والتاني:
— أمك هتموت من الزعل.
والتالت:
— مراتك فرقت العيلة.
لحد ما عبير أخدت موبايل محسن وقالت:
— اقفله يومين.
قال:
— ليه؟
— لأنك مش مطلوب منك تبرر حقك لكل الناس.
وبصت له وقالت:
— لكن في نفس الوقت ماتخليش حقك يحولك لواحد طول الوقت متعصب.
محسن مسك إيدها.
— أنا كنت فاكر إني بحمي البيت لما كنت بسكت.
قالت:
— أوقات السكوت بيأجل المشكلة بس.
وفي اللحظة دي، جرس الشقة رن.
عبير فتحت.
كانت فوزية واقفة لوحدها.
ومن غير المفتاح.
ومن غير ما تدخل.
قالت بهدوء:
— ممكن أدخل؟
عبير بصت لها ثواني.
وبعدين فتحت الباب أكتر.
— اتفضلي.
الفصل الثامن — أول مرة تستأذن
فوزية دخلت الشقة ووقفت في الصالة.
عبير لاحظت حاجة غريبة.
حماتها، اللي طول عمرها تدخل من غير ما تسأل، كانت المرة دي واقفة مستنية حد يقول لها تقعد.
عبير قالت:
— اقعدي يا طنط.
فوزية قعدت.
محسن خرج من الأوضة أول ما سمع صوتها.
— خير يا أمي؟
قالت:
— أنا جاية أكلم عبير.
عبير اتوترت، لكن قعدت قدامها.
فوزية قالت:
— أنا غلطت.
عبير ما ردتش.
فوزية كملت:
— مش هقولك إني كنت فاكرة نفسي صح، لأن اللي حصل مالوش تبرير. أنا دخلت عليكم مكان ماكانش ينفع أدخله.
محسن بص لأمه باستغراب.
واضح إن كلمة “آسفة” كانت صعبة عليها.
فوزية قالت لعبير:
— أنا آسفة.
عبير دموعها لمعت.
لكنها تماسكت.
— أنا ماكنتش مستنية اعتذار قد ما كنت مستنية حضرتك تعرفي إن اللي حصل وجعني.
فوزية هزت راسها.
— عرفت.
سكتت لحظة وقالت:
— وأنا لما حكيت لسمر، حكيت وأنا غضبانة، وكبرت الموضوع. هي ماكانش لازم تعرف أصلًا.
عبير قالت:
— اللي بين الزوجين مينفعش يبقى حكاية للعيلة.
فوزية ردت:
— عندك حق.
محسن كان ساكت، لكنه شايف إن حائط سنين كاملة بيقع قدامه.
فوزية قامت.
وقبل ما تمشي، بصت لعبير وقالت:
— أنا مش هطلب مفتاح تاني.
عبير قالت:
— وأنا لو حضرتك احتجتي حاجة، إحنا مش هنسيبك.
فوزية عينيها اتمليت دموع.
— عارفة.
ومشيت.
محسن قفل الباب وبص لعبير.
— كنت متوقع منك تعاتبيها أكتر.
عبير ردت:
— هي اعتذرت. وأنا مش عايزة أكسب معركة وأخسر بيت.
محسن ابتسم لأول مرة من أيام.
لكن المشكلة التانية كانت لسه مفتوحة.
فلوس أبوه.
وفي نهاية الأسبوع، خاله اتصل.
قال:
— تعالى أنت والمحامي.
محسن سأله:
— ليه؟
رد:
— علشان نقفل الموضوع.
الفصل التاسع — الحساب القديم
محسن راح ومعاه المحامي.
خاله كان مجهز أوراق.
قال:
— أنا راجعت حساباتي القديمة.
محسن قعد من غير كلام.
خاله كمل:
— معاك حق.
محسن رفع عينه له.
— أنا أخدت المبلغ فعلًا على إنه قرض، ومارجعتوش.
المحامي سأله:
— ومستعد تثبت ده كتابة؟
خاله قال:
— آه.
وبعدين بص لمحسن:
— بس مستحيل أرجعه كله مرة واحدة.
محسن قال:
— أنا ماطلبتش كده.
اتفقوا على تسوية مكتوبة.
جزء من المبلغ يتدفع فورًا.
والباقي على أقساط.
من غير تهديد.
ومن غير فضيحة.
قبل ما محسن يمشي، خاله قال:
— أنا زعلان منك.
محسن وقف.
خاله كمل:
— بس زعلان من نفسي أكتر.
محسن رد:
— وأنا مش عايز غير إن كل واحد يرجع لحدوده.
خاله قال:
— أبوك كان بيقول عليك طيب زيادة.
محسن ابتسم بمرارة.
— يمكن الطيبة من غير حدود هي اللي عملت كل ده.
ورجع البيت.
أول ما دخل، عبير سألته:
— حصل إيه؟
ناولها الاتفاق.
قريته، وابتسمت.
— الحمد لله.
محسن قال:
— الغريب إني حاسس إني مش فرحان بالفلوس.
— أمال فرحان بإيه؟
— إني أخيرًا عرفت أتكلم من غير ما أصرخ.
عبير ابتسمت.
— دي أصعب من الفلوس بكتير.
الفصل العاشر — سمر
الموضوع كان قرب يهدى، لكن سمر كانت لسه شايلة من عبير.
وفي يوم، قابلتها على السلم.
قالت لها:
— مبسوطة دلوقتي؟
عبير وقفت.
— من إيه؟
— أخويا بقى بيحاسب أمه وخاله على كل حاجة.
عبير ردت بهدوء:
— محسن راجل كبير، ومحدش بيحركه.
سمر قالت:
— قبل ما تتجوزيه ماكانش كده.
عبير بصت لها.
— قبل ما أتجوزه، كان ساكت عن حاجات بتضايقه. يمكن الجواز خلاه يفهم إن لازم يحمي بيته.
سمر قالت:
— يعني إحنا اللي كنا مأذيينه؟
عبير ردت:
— أنا ماقولتش كده. بس الحب مش معناه إن الحدود تختفي.
سمر سكتت.
عبير كملت:
— إنتِ لو جوزك دخل أهله أوضتك من غير إذنك، هتفرحي؟
ولو اكتشفتي إن في فلوس باسمك واتصرفت من غير ما تعرفي، هتسمي ده حب؟
سمر نزلت عينيها.
عبير قالت:
— إحنا مش أعداء يا سمر. أنا ماخدتش أخوكي منكم.
وسابتها وطلعت.
بعدها بيومين، سمر طلعت لعبير.
قالت:
— أنا كنت قاسية معاكي.
عبير ردت:
— وأنا زعلت منك.
سمر قالت:
— حقك.
وبعدين مدت إيدها.
— نبدأ من جديد؟
عبير ابتسمت وصافحتها.
— نبدأ.
الفصل الحادي عشر — المفتاح الجديد
عدى شهر.
والبيت اتغير.
مش بالجدران.
ولا بالعفش.
لكن بطريقة الناس فيه.
فوزية بقت تتصل قبل ما تطلع.
ولو طلعت، تخبط وتستنى.
وساعات عبير بنفسها كانت تقول لها:
— اطلعي اقعدي معانا النهارده.
والغريب إن علاقتهم بدأت تتحسن أكتر لما بقى لكل واحدة مساحة.
في يوم، فوزية كانت قاعدة مع عبير في المطبخ.
قالت لها:
— تعرفي أنا كنت بخاف من إيه؟
عبير سألت:
— من إيه؟
— إن ابني يتجوز وينساني.
عبير سكتت.
فوزية كملت:
— بعد ما أبوهم مات، بقيت حاسة إن ولادي ملكي. كل ما واحد يكبر، كنت أحس إنه بيبعد.
عبير قالت:
— محسن عمره ما هينساكي.
فوزية قالت:
— دلوقتي فهمت إن تمسكي بيه بالطريقة دي كان ممكن يبعده فعلًا.
عبير مدت لها فنجان الشاي.
— الإنسان لما يحس إن بابه مقفول عليه، بيحب اللي بره أكتر. ولما يحس إن محدش هيقتحم عليه حياته، بيفتح الباب بنفسه.
فوزية ابتسمت.
— إنتِ بتلمحي على المفتاح؟
عبير ضحكت لأول مرة معاها.
— شوية.
ضحكوا هما الاتنين.
محسن دخل عليهم وشافهم.
قال:
— هو أنا دخلت بيت غلط؟
فوزية قالت:
— اسكت يا واد.
عبير ضحكت.
ولأول مرة من وقت طويل، البيت رجع فيه ضحك من غير توتر.
الفصل الثاني عشر — آخر ورقة
بعد كام شهر، محسن خلص إجراءات تثبيت ملكية الشقة باسمه رسميًا.
وخاله بدأ يلتزم بالأقساط.
محسن قرر جزء من أول مبلغ يرجع له يعمل بيه حاجة لأمه.
اشترى لها أجهزة جديدة كانت محتاجاها في شقتها.
لما وصلوا، فوزية قالت:
— إيه ده؟
محسن قال:
— حاجات ليكي.
اتعصبت.
— أنا مش عايزة من فلوس أبوك حاجة!
محسن ضحك.
— دي فلوسي أنا، وأنا اللي قررت.
فوزية بصتله:
— بعد اللي عملته؟
رد:
— الحساب حاجة، والأم حاجة تانية.
فوزية عيطت.
حضنته وقالت:
— سامحني يا ابني.
قال:
— سامحتك من زمان، بس ماينفعش نرجع لنفس الغلط.
قالت وهي بتضحك وسط دموعها:
— ما تقلقش، مفتاح شقتك مش عايزاه.
عبير كانت واقفة عند الباب.
قالت:
— حتى لو اديناهولك؟
فوزية بصت لها بفزع:
— لأ يا بنتي، خلي مفتاحكم معاكم!
وضحكوا كلهم.
الفصل الأخير — الباب المقفول
عدت سنة كاملة.
وفي ليلة هادية، عبير كانت قاعدة في أوضة النوم مع محسن.
الأولاد ناموا.
والبيت هادي.
فجأة…
خبط على الباب.
عبير ومحسن بصوا لبعض.
واتفجروا ضحك.
محسن قال:
— مين؟
جالهم صوت فوزية من بره:
— أنا يا ابني.
محسن قال:
— خير يا أمي؟
ردت:
— مفيش، كنت طالعة أديكم طبق حلو.
عبير قامت تفتح.
فوزية قالت بسرعة من الناحية التانية:
— على مهلكوا… أنا مستنية بره!




