Uncategorized

اخذت زوجها

أخذت زوجها الأعمى إلى الغابة…
وتركته هناك، وهي تعلم أنه لا يستطيع أن يجد طريق عودته وحده.
لكن ما حدث في تلك الليلة كان شيئاً لا يمكن لأحد في القرية أن يصدقه.
في قرية جبلية صغيرة قرب إفران في المغرب، حيث تفوح رائحة الحطب في الأمسيات ويلتصق غبار الطريق بالأحذية، عاش رجل.
قبل أن تهبط العتمة على عينيه، كان قويًا؛ حطّابًا بيدين خشنَتين وضحكةٍ واسعة، تهوي فأسه بثبات، ويملأ صوته الساحة في أمسيات الأحد.
لم يكن ثريًا، لكنه كان محترمًا وذلك في نظره كان كافيًا.
إلى أن جاء المرض أولًا ضبابٌ خفيف ثم ظلالٌ باهتة، ثم… لا شيء.
كان طبيب العاصمة صريحًا بلا مواربة:
لن يبصر مجددًا.
لم يكن أقسى ما في المصاب فقدان الضوء،
بل ذلك الإحساس الثقيل بأن العالم يواصل حركته… من دونه.
كانت زوجته صبورةً في البداية؛ تصف له الغروب، تضع طبقه أمامه بعناية، وتهمس بقربٍ مطمئن:
“أنا هنا.”
لكن الأشهر امتدت، وتحوّلت إلى سنوات.
توقّف الحطب عن التكدّس في الفناء، شحّ المال، وبدأ شيءٌ آخر يتصدّع بصمتٍ بطيء: الحنان.
لم يحتج إلى عينين ليفهم؛ سمع التبدّل في التنهيدات الطويلة، في الخطوات المتعجّلة، وفي الصمت الممدود بينهما ليلًا.
قالت له ذات يومٍ ببرودٍ موجع:
“لا تستطيع حتى أن تسكب لنفسك كوب ماء.”
لم تصرخ.
وكان ذلك أشدَّ إيلامًا.
ابتلع كلماته، وتحول كبرياؤه إلى حجرٍ ثقيلٍ في صدره؛ كان يعلم أنه يعتمد عليها، ويعلم — بمرارةٍ صافية — أنه صار عبئًا.
لكن أن تعرف الحقيقة شيء،
وأن تشعر بها كل يوم… شيءٌ آخر تمامًا.
ثم جاء صباح أكتوبر.
كان الهواء باردًا، والسماء — كما قيل له لاحقًا — رماديةً مثقلةً بغيومٍ منخفضة.
قالت: “هيا نذهب إلى الغابة، أنت بحاجةٍ إلى بعض الهواء النقي.”
لم تقترح شيئًا منذ أشهر، لذلك أيقظت الدعوة داخله أملًا أخرق، هشًّا، يكاد يكون طفوليًا.
سارا على الطريق الترابي؛ خشخشة الأوراق بدت مألوفة، ورائحة الصنوبر كذلك، لكن الخطوات امتدت أبعد من المعتاد.
أصبحت الأرض أكثر وعورة،
وأثقل الصمت بينهما كأنه إنذارٌ لا يُسمَع.
“هل ابتعدنا كثيرًا؟” سأل بصوتٍ متردد.
“قليلًا بعد.”
لا دفءَ في نبرتها.
وأخيرًا توقّفا.
قالت ببرودٍ غريب:
“اجلس هنا، سأجلب الماء من الجدول.”
أطاع.
استمع إلى خطواتها وهي تبتعد… ثم تتلاشى.
انتظر.
مرّت الريح بين الأغصان.
“…؟”
صمت.
نادى مرةً أخرى، أعلى هذه المرة.
لا شيء.
وعندها فهم.
ليس بعينيه،
بل بروحه.
لم تكن عائدة.
تسلّق الخوف عموده الفقري، فنهض متعثرًا، يلوّح بعصاه في الفراغ، كأن الحركة وحدها قادرةٌ على إنقاذه من الحقيقة.
لكن بالنسبة لرجلٍ أعمى،
الغابة بلا حدود.
عاد يلمس الجذع حيث جلس،
وانهار.
تسرّب البرد إلى عظامه ببطءٍ قاسٍ.
فكّر في البيت،
في السرير الذي لم يعد يشعر أنه له،
وفي يقينٍ مريرٍ أن أحدًا لن يأتي للبحث عنه.
“ربما هي على حق…”
تسلّل الصوت داخله كسمٍّ بارد.
“ربما لم أعد ذا فائدة.”
انطفأ النهار، وتغيّر نَفَس الغابة، وسقطت الطيور في صمتٍ كثيف.
وجاء الليل.
وعند منتصفه تقريبًا، بينما كان صدى جرسٍ بعيدٍ يتردد من القرية، اخترق السكون صوتٌ آخر.
أغصانٌ تتكسر.
نَفَسٌ ثقيل.
خطواتٌ بطيئة، متعمّدة، لا تشبه البشر.
وصلته الرائحة أولًا؛
جامحة، رطبة، عتيقة.
ذئب.
شدّ قبضته على العصا، وصرخت الغريزة في صدره: اهرب.
لكن إلى أين؟
أغمض عينيه — رغم أنه لا يرى — وهمس باستسلامٍ مُتعب:
“إن كانت هذه هي النهاية… فلتكن سريعة.”
اقترب الحيوان.
شعر بأنفاسه.
ثم، بدل الأنياب، لامست يده أنفًا دافئًا يمرّ برفقٍ مدهش.
لم يتحرّك.
ببطءٍ مرتجف، أدار كفّه ولمس الخطم؛
فراءٌ كثيف،
وحرارةٌ حيّة.
لم يزمجر الذئب.
بل جلس إلى جواره…
صامتًا.
في تلك الليلة المتجمدة، كان ذلك الدفء المنبعث من جسدٍ بريٍّ صامتٍ أقوى من أي كلمةٍ كان يمكن أن تُقال.
همس بصوتٍ خافتٍ مرتجف:
“أأنت وحيدٌ أيضًا؟”
ثم بدأ يتكلم، كأن الصمت الطويل وجد أخيرًا من يحتمله دون حكمٍ أو مقاطعة.
حكى عن الأشجار التي لم يعد يرى اصفرارها في الخريف، وعن أيام الأحد التي فقدت ألوانها ووجوهها، وعن مرارة الاحتياج للمساعدة في أبسط تفاصيل الحياة.
وقال بصوتٍ مكسورٍ مثقلٍ باعترافٍ طال كتمانه:
“لم يكن أسوأ ما حدث أن أفقد بصري… بل أن أشعر أن لا أحد يحتاجني بعد الآن.”
وانهمرت الدموع، ساخنةً رغم قسوة البرد.
“ظننت أنني لا أستحق شيئًا… مجرد عبءٍ في الطريق.
لكن أنت… لا تراني هكذا.”
وبقي الذئب.
صامتًا.
قريبًا.
ومع انبلاج الفجر، حين بدأ الهواء يلين وتنسحب قسوة الليل ببطء، نهض الحيوان من موضعه، واقترب منه برفق، ثم دفعه بخطمه دفعةً حانية، وشدّ طرف سترته شدّةً خفيفة.
سأله بصوتٍ متعبٍ تملؤه الحيرة:
“أتريدني أن أتبعك؟”
استدار الذئب…
وبدأ يتقدم أعمق في الغابة القريبة من إفران، بخطواتٍ هادئةٍ واثقة.
وفهم أن دعوةً ثانية لن تأتي.. سيب لايك وكومنت لو القصة لمستك
ومتنساش تصلي على النبي ﷺ وانا هرد بالتكملة في أول تعليق
تاب الرجلُ الخطواتِ بحذرٍ، يضع قدمًا أمام أخرى، وعصاه تتحسس الأرض، بينما صوت حفيف أوراق الشجر أمامه صار دليله الوحيد.

لم يكن الذئب يبتعد كثيرًا.
كان يتحرك… ثم يتوقف.
كأنه يتأكد أن الرجل ما زال خلفه.

استمرت المسيرة طويلًا.
مرّ فوق أرضٍ رطبة، ثم حصى، ثم منحدرٍ خفيف.
كان يتعثر أحيانًا، فيسمع حفيفًا يعود نحوه، ويشعر بالخطم يلامس يده… كأنه يقول: “انهض.”

وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يشعر بأنه عبء.
بل تابع.

بعد وقتٍ لا يعرف كم طال، تغيّر الصوت حوله.
لم تعد الغابة مكتظة.
الهواء أصبح أوسع…
ورائحة الدخان الخفيف وصلت إلى أنفه.

دخان.

بيت.

ثم سمع…
صوت ماءٍ جارٍ بقوة.

نهر القرية.

توقف الذئب.

اقترب منه مرة أخيرة، ولمس كفه، ثم ابتعد بخطواتٍ بطيئة.
لم يركض.
لم يلتفت.

اختفى.

وقف الرجل في مكانه، يسمع أصواتًا مألوفة:
نباح كلبٍ بعيد،
صوت بابٍ خشبي يُغلق،
وخطوات نساءٍ في الصباح الباكر.

لقد عاد إلى أطراف القرية.

جلس على صخرةٍ قرب النهر، وقلبه يخفق بقوة، لا من الخوف… بل من شيءٍ آخر.
شيء يشبه الولادة من جديد.

في تلك اللحظة، كانت زوجته في البيت.

لم تنم.

حين عادت من الغابة في الليلة الماضية، كانت ترتجف.
أغلقت الباب، وجلست في الظلام.

في البداية، أقنعت نفسها أنه سيتدبر أمره.
أنه سيجد الطريق.
أنه رجل قوي.

لكن مع حلول الليل…
بدأت تسمع في رأسها صوته وهو يناديها.

ومع كل ساعة تمر، كان الصمت في البيت يزداد ثقلًا.
الكرسي الخالي،
العصا في الزاوية،
الكوب الذي لم يُشرب منه ماء.

وعند الفجر…
انكسر شيءٌ بداخلها.

خرجت تركض نحو الغابة، وشعرها منفلت، ووجهها شاحب.
كانت تنادي اسمه بين الأشجار، وصوتها يرتد إليها فارغًا.

“أنا آسفة! ارجع! أرجوك!”

لكن الغابة لا تعيد ما يؤخذ منها بسهولة.

وبينما كانت تتوغل أكثر، سمعت صوتًا خلفها.

صوت عصا تضرب الأرض.

استدارت.

كان واقفًا هناك…
متعبًا، ثيابه موحلة، لكن… واقفًا.

تجمدت.

اقتربت خطوة.
ثم أخرى.

“كيف…؟”

قال بهدوءٍ لم تعرفه فيه من قبل:
“لم أكن وحدي.”

سكت قليلًا، ثم أضاف:
“الغابة لم تتركني.”

لم يخبرها عن الذئب.
بعض الأشياء لا تُقال… بل تُحفظ في القلب.

اقتربت منه وهي تبكي.
لكن حين مدت يدها لتمسك به، تراجع نصف خطوة.

لم يكن غضبًا.

كان وعيًا جديدًا.

قال بصوتٍ ثابت:
“كنت أعمى… نعم.
لكنني لم أكن عديم القيمة.”

سقطت على ركبتيها، تبكي بندمٍ حقيقي هذه المرة.
وربما لأول مرة… فهمت.

في الأيام التي تلت، تغيّر كل شيء.

لم يعد يجلس منتظرًا.
بدأ يعمل بما يستطيع؛
يصنع مقابض للفؤوس بيديه الخبيرتين،
يصلّح الأدوات،
يعلم أطفال القرية أسماء الأشجار من ملمس لحائها فقط.

صار الناس يأتون إليه.
يسألونه.
يستشيرونه.

واكتشف — متأخرًا — أن البصر ليس الطريق الوحيد للرؤية.

أما الذئب…

ففي ليالٍ باردة، حين يهب النسيم من جهة الغابة،
كان يسمع عواءً بعيدًا، عميقًا، ممتدًا.

لم يكن عواء تهديد.

بل نداء صديق.

وكان يبتسم.

لأن في أحلك ليلةٍ من حياته،
حين تركه أقرب الناس،
وجد في قلب البرية…
من يذكّره أنه ما زال إنسانًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى