الكل اتريق عليها لما شافوها بتغطي جدران بيتها بالصوف.. ضحكوا واعتبروها ست غريبة الأطوار، لحد ما جات العاصفة التلجية ودفنت الكل.. ومحدش نجا غيرها!
رجالة منطقة “مونتانا” عمرهم ما عرفوا يفسروا اللغز ده: إزاي ست وحيدة، لا معاها فلوس ولا عيلة، ولا حتى جار واحد يرضى يساعدها، قدرت مش بس تعيش في أقسى شتاء مر على البلد، لا دي عاشت في سلام وهدوء! في الوقت اللي كان فيه أكبر وأغنى المربيين بيشوفوا مواشيهم بتموت قدام عينيهم وهي واقفة متلجة زي التماثيل.. كانت هي قاعدة جوه كوخها بتشرب الشاي الساخن، غنماتها عايشة، وقلبها مطمن.
في ليلة من ليالي شهر يناير سنة 1887، الحرارة وصلت لـ 52 درجة تحت الصفر.. الهوا ماكنش بيصفر، ده كان بيقطع زي السكاكين. وفي وسط الضلمة اللي بلعت كل شيء، كان فيه نور صغير جاي من بعيد عند ضفة النهر.. ده كان كوخ “إنغريد”. واللي عملته الست دي جوه بيتها الضعيف غير تاريخ المنطقة للأبد.
محدش صدقها في الأول.. الرجالة كانت بتضحك، والستات بيبصولها بشفقة. “إلياس كروفت” اللي كان أشهر واحد في المنطقة، قالها في وشها: “أنتِ محكوم عليكي بالفشل، ست وحيدة ومعكيش مليم مش هتقدري تصمدي قدام الشتا.. أحسن لك تبدأي تصلي، لأن البرد مابيعرفش غني ولا فقير”.
بس “إنغريد” لا جادلته ولا عيطت.. جابت العربية اليدوية بتاعتها وراحت للإسطبلات المهجورة اللي الكل بيهرب منها عشان ريحة الصوف المبلول المعفن.. وبدأت تلم اللي الناس شايفاه “زبالة”.
تلاتة وستين كيلو صوف مرمي، وسخ ومكلكع وريحته وحشة.. وبالصوف ده، عملت المعجزة.
أرض مونتانا سنة 1886 ماكنتش مكان للضعفاء.. أرض قاسية وواسعة مفيهاش شجر ولا جبال تصد الهوا اللي جاي من كندا. الشتا هناك مابيديش إنذار، يوم السما رمادي، واليوم اللي بعده تلاقي كل شيء مدفون تحت أمتار تلج.
السكان القدام كانوا عارفين إن النجاة مش بالشجاعة، النجاة بـ “الحطب”. كل شيء بيتحسب بالحزمة.. معاك كام حزمة حطب؟ ده اللي بيحدد هتعيش للربيع ولا هتموت متلج. 7 حزم كان ده الحد الأدنى عشان تعيش.. وأي حاجة أقل من كده تبقى بتلعب بحياتك.
أما “إنغريد”.. الست الغريبة اللي لسه واصلة بلسانها التقيل وإيديها الخشنة.. مكنش معاها فلوس غير لـ حزمتين بس!
كانت واصلة أمريكا ومعاها ملاليم مخيطاها في طرف فستانها.. بس كان معاها “سر” و”خبرة” مابيتكتبوش في كتب.
إنغريد كانت البنت الرابعة في عيلة من 9 عيال في النرويج، وهناك الشتا قاسي برضه، بس الناس اتعلمت إزاي “تصاحب” البرد مش تحاربه.. بالحكمة اللي اتورثتها من جدتها. جدتها علمتها كل شيء عن الخرفان.. إزاي تقص الصوف، تغسله، وإزاي تستفيد حتى من أسوأ أنواع الألياف اللي محدش عايزها. الخبرة دي سافرت معاها عبر المحيط ومحدش حس بيها.
كوخها كان عبارة عن 4 حيطان خشب رفيعة، والفتحات بين الخشب واسعة لدرجة إنك ممكن تشوف النجوم وأنت نايم على السرير! الهوا كان بيدخل من غير استئذان ويسحب حرارة الدفاية في ثانية. الجيران كانوا بيبصولها بحزن.. ست وحيدة، غريبة، مفيهاش لغة ولا سند.. بالنسبة لهم كانت ست ميتة ميتة.
في يوم تلات من شهر أكتوبر، كل شيء اتغير.. راحت “إنغريد” لمحل “برينان” ومعاها فلوسها عشان تشتري حطب قبل ما السعر يغلى. كان فيه 3 رجالة واقفين، سكتوا أول ما دخلت.. فضول مش مريح. صاحب المحل خدمها من غير ما يبص في عينها، وكأنه بيخدم واحدة ميتة خلاص.
لما سألت عن السعر، كتبلها الرقم على ورقة.. حسبت في سرها.. الفلوس تجيب حزمتين بس.. وهي محتاجة 7. الحسبة مش راكبة، ومش هتركب.
خرجت ومعاها الحزمتين.. وباقي الشتا اللي مالهاش تمنه.
لون السما بدأ يقلب للون المعدني.. إشارة إن الشتا جاي، وجاي بقلب ميت.
رجعت إنغريد لكوخها بخطوات ثابتة وهادية.. خطوات خلت الكل يستغرب.. لأنها ماكنتش خطوات واحدة خايفة، دي كانت خطوات واحدة بتفكر بعمق وبسرعة في نفس الوقت.
التكملة في أول تعليق وصل عالحبيب.
Uncategorized


