عام

مرات جوزي

جوزي اتجوز بنت عمه اللي عندها إعاقة ذهنية بعد وفاة أبوها.. وأنا افتكرتها هتكون مساعدة ليا في البيت، لكن اللي اكتشفته بعد كده قلب حياتي كلها!
أنا متجوزة وعايشة في الريف، وعم جوزي الله يرحمه كان عنده بنت واحدة اسمها فاطمة.

فاطمة اتولدت بإعاقة ذهنية، وقدراتها على الفهم والاستيعاب محدودة، وتفكيرها أقرب لتفكير الأطفال الصغيرين، وكانت محتاجة رعاية واهتمام بشكل مستمر.

أمها متوفية من زمان، وملهاش حد في الدنيا غير أبوها، وكانت عايشة معاه لحد ما توفاه الله.

بعد وفاته، محمود جوزي جه وقالي:
«بنت عمي ملهاش حد، ومينفعش تفضل لوحدها. أنا هتجوزها وأجيبها تعيش معانا، اهو نكون بنعمل خير ونرعاها، وكمان تساعدك في شغل البيت».

في البداية، معترضتش خالص، بالعكس، قلت في نفسي إن وجودها ممكن يخفف عني مسؤوليات البيت، وكنت متخيلة إني هقدر أستفيد من وجودها وأخليها تساعدني في كل حاجة.

وفعلًا، محمود اتجوزها وجابها تعيش معانا.

خصصت لها أوضة صغيرة على قد احتياجاتها، ومن أول يوم بدأت أكلفها بأعمال البيت المختلفة، من ترتيب وتنضيف وغسيل وتحضير الأكل، وهي كانت بتنّفذ من غير اعتراض، وتضحك مع الكل وتلعب مع الأطفال كأنها طفلة صغيرة.

كنت قاعدة في الصالة مرتاحة، وهي بتتنقل بين الأوض وهي بتساعد في شغل البيت، وكنت شايفة إن وجودها مكسب كبير بالنسبالي.

لكن الأيام بدأت تكشف لي حاجات عمري ما توقعت إني أشوفها.

بقيت ألاحظ إن محمود كل ما يرجع من بره بيكون جايب لها شيكولاتة وبسكوت من الحاجات اللي بتحبها، وأول ما يدخل البيت ينادي عليها، وهي تجري عليه بفرحة كبيرة.

ومع الوقت، بقيت أشوفها ساعات تقعد جنبه وتتكئ برأسها على رجله، وتطلب منه بصوت طفولي:
«محمود، احكيلي حكاية زي كل يوم».

وكان هو يبتسم ويقعد يحكيلها بحنان، كأنها بنته الصغيرة مش زوجته.

كنت بشوف المواقف دي وأضحك بيني وبين نفسي، وأقول: خليه يتسلى شوية، دي مش فاهمة حاجة.

مكنتش متخيلة أبدًا إن الأيام هتخليني أشوف حاجة تغير نظرتي لكل اللي بيحصل.

لحد اليوم اللي عمري ما هنساه…

كنت نازلة أزور أمي في آخر البلد، وفاكرة إن محمود في شغله بره في الأرض.

رجعت البيت بدري شوية، وفتحت الباب ودخلت بهدوء.

وأنا معدية من قدام أوضتها، لاحظت إن الباب مفتوح فتحة بسيطة.

بصيت جوه، واتجمدت مكاني!

لقيت محمود قاعد على السرير، وفاطمة قاعدة جنبه، وماسك مشط وبيسرحلها شعرها، وبيضحك معاها بكل حنان، بطريقة عمري ما شفته بيضحك بيها معايا.

وكان واضح إنهم لسه خارجين من الحمام، وكان بيتعامل معاها باهتمام وقرب شديد.

حسيت إن الغضب اشتعل جوايا، ومقدرتش أسيطر على نفسي.

دخلت الأوضة بسرعة وبدأت أزعق، وكنت هقرب منها وأتعامل معاها بعصبية، لكن محمود وقف قدامي ومنعني، وقال لي كلمة فضلت ترن في وداني:

«أوعي تمدي إيدك عليها! دي مراتي زيها

القصة – النهاية
بصيت من الشباك، وفجأة لقيت محمود نازل من عربية الشرطة، ومعاه اتنين من رجال المباحث.

قلبي اتقبض، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا.

دخلوا البيت وسألوني عن فاطمة، ومحمود كان واقف ساكت، وعينيه مثبتة عليّا.

واحد من الضباط سألني:
«آخر مرة شوفتي فاطمة إمتى؟»

جاوبته بنفس الكلام اللي قلته لمحمود قبل كده، لكن الضابط طلع تليفونه ووراني صورة عربية نقل، وسألني:
«العربية دي شوفتيها قبل كده؟»

وشي اتغير، لأني عرفتها فورًا، لكن حاولت أتماسك وقلت:
«لأ، معرفهاش».

الضابط بص لمحمود وقال:
«عندنا شاهد شاف مراتك وهي بتخلي البنت تركب العربية دي الصبح، وكمان قدرنا نحدد رقم العربية».

محمود قرب مني خطوة وقال بصوت مخنوق:
«إنتي عملتي إيه؟ فاطمة راحت فين؟»

لقيت نفسي بعيط وبقول:
«أنا معرفش حاجة… أنا كنت عايزة أرتاح من وجودها بس!»

أول ما الكلمات خرجت من بقي، حسيت إني دخلت في طريق مفيش رجوع منه.

الضابط طلب مني أوضح قصدي، ومحمود كان حاطط إيده على راسه ومش قادر يستوعب اللي بيسمعه.

اعترفت إني اتفقت مع الراجل إنه ياخدها، وحاولت أبرر موقفي بأني مكنتش أعرف هو ناوي يعمل فيها إيه.

محمود قرب مني، وعينيه مليانة دموع، وقال:
«يعني إنتي سلمتي فاطمة لواحد غريب؟ دي بنت عمي، دي أمانة أبويا وصاني عليها قبل ما يرحل! إزاي قدرتي تعملي فيها كده؟»

في اللحظة دي بس فهمت إن فاطمة مكانتش مجرد بنت عمه بالنسبة له، وإنه كان شايل وصية أبوها ومسؤوليتها في رقبته.

خدوني القسم، وهناك اكتشفت إن الموضوع أكبر بكتير من اللي كنت متخيلاه.

الراجل اللي اتفقت معاه كان معروف عند الشرطة، وعليه بلاغات سابقة في قضايا اختفاء واستغلال أشخاص، وكان بيستدرج البنات والسيدات اللي مالهمش حد، بحجة توفير شغل أو تقديم المساعدة.

وفي نفس الليلة، الشرطة قدرت تحدد مكان العربية من خلال رقمها، لكن الراجل كان سابها في مكان بعيد واختفى.

عدى يوم كامل وأنا في القسم، ومحمود لا بيكلمني ولا حتى بيبص في وشي.

كنت بسمع صوته وهو بيسأل الضباط:
«طب هي أكلت؟ طب خافت؟ طب حد اتعامل معاها بطريقة وحشة؟ دي مبتعرفش تتصرف لوحدها، دي لو عطشت مش هتعرف تطلب كوباية مية من حد غريب!»

كل كلمة كان بيقولها كانت بتزود إحساسي بالذنب.

في اليوم التاني، دخل ضابط المكتب وملامحه متغيرة، وقال لمحمود:
«عندنا معلومة جديدة، ولقينا خيط ممكن يوصلنا ليها».

محمود قام بسرعة من مكانه وسأله:
«فين؟ هي فين؟»

الضابط وضح إنهم وصلوا لسيدة كانت موجودة في المكان اللي العربية وقفت فيه، وإنها قالت إنها شافت بنت بنفس المواصفات داخل عربية تانية، وكانت البنت بتبكي وبتنادي على محمود.

محمود حط إيده على وشه وانهار في البكاء.

لأول مرة أحس إن اللي عملته مش مجرد غلطة، لكنه تصرف خطير ممكن يفضل يطاردني طول عمري.

فضلت أردد:
«يا رب تكون بخير… يا رب تكون بخير».

وبعد ساعات طويلة، جالنا اتصال من المباحث.

لقوها!

فاطمة كانت موجودة في شقة بمنطقة بعيدة عن بلدنا، ومعاها سيدة كبيرة كانت بتحاول تهديها، بعد ما الشرطة وصلت للمكان وتمكنت من القبض على عدد من الأشخاص المتورطين في الشبكة.

محمود جري من غير ما يستنى حد، وأنا فضلت قاعدة مكاني، مش قادرة حتى أقوم.

بعد شوية، الضابط سمح لي أروح أشوفها، لكن محمود رفض في البداية، وبعد إلحاح وافق بشرط إني مدخلش عليها لوحدي.

أول ما دخلنا المستشفى، لقينا فاطمة قاعدة على السرير، لابسة هدوم المستشفى، وحاضنة العروسة القماش بتاعتها.

كان وشها شاحب، وعينيها حمرا من كتر البكاء.

أول ما شافت محمود، مدت إيديها ناحيته، وقالت بصوت مليان فرحة وخوف:
«محمود! أنا كنت بدور عليك! الراجل ده خدني بعيد، وأنا كنت عايزة أرجع البيت».

محمود جري عليها وحضنها وهو بيعيط:
«خلاص يا حبيبتي، أنا جيت، ومش هسيبك تاني».

وبعدين بصت ناحيتي.

قربت منها وأنا بعيط وقلت:
«فاطمة، سامحيني يا حبيبتي، أنا غلطت في حقك».

لكنها رجعت لورا وخبت وشها في كتف محمود، وقالت:
«هي زعلانة مني؟ أنا مش هعمل شغل البيت تاني، بس متخلونيش أروح مع الراجل ده».

الكلام ده كان كفيل يخليني أنهار من الوجع.

حتى بعد كل اللي حصل، فاطمة كانت فاكرة إن اللي مرت بيه كان عقاب ليها بسبب إنها قصرت في شغل البيت!

محمود بص لي وقال:
«إنتي عارفة هي كانت بتقول إيه وهي في العربية؟ كانت بتقول للراجل إنها عايزة ترجع لمحمود، عشان هو بيجيب لها شيكولاتة».

مقدرتش أرفع عيني في عينه.

وبعد ما فاطمة اطمأنت ونامت، محمود خرج معايا بره الأوضة وقال:
«أنا مش هقدر أكمل معاكي بعد اللي حصل. وأنا كمان لازم أعترف إني كنت غلطان من البداية، لما وافقت إن فاطمة تشتغل في البيت، وسبت ظروفها تتحول لمسؤولية مش حقيقية. كنت فاكر إني لما أخليها وسطنا أكون بحميها، لكن الحقيقة إني مقصرتش في حمايتها ورعايتها بالشكل اللي تستحقه».

وبعدين كمل:
«فاطمة محتاجة حد متخصص يرعاها، ومحتاجة تتعامل على إنها إنسانة ليها حقوق واحتياجات، مش حد موجود علشان يخدم غيره. وأنا هتحمل مسؤوليتي ناحيتها طول عمري».

وقتها اكتشفت إن محمود نفسه كان عنده أخطاء لازم يواجهها، لأنه استغل عدم قدرة فاطمة على الفهم في إنه يفرض عليها حياة زوجية هي مش قادرة تستوعب طبيعتها أو معناها، وكان فاكر إن الإنفاق عليها والحنان في التعامل كفاية.

لكن اللي حصل فتح عينه على حقيقة المسؤولية اللي كان لازم يتحملها.

قرر يستعين بأهلها من بعيد، وبأطباء ومتخصصين، وبدأت إجراءات قانونية لمراجعة وضع زواجه منها، وضمان حمايتها وحقوقها، والتأكد من قدرتها على اتخاذ قراراتها بمساعدة قانونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى