متحرك

بنت صغيرة

الجزء الثالث والأخير: عودة الغائب وانكشاف السر
بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري لموقع حكايات أسما السيد

— أخويا عايش؟! عمر عايش وبيكلمني بنفسه؟! طب إزاي؟! وإنتوا كنتوا مخبيينه فين تسع سنين؟!

صرخ آدم الشاذلي وهو واقف في المخزن القديم، ماسك موبايله بإيد بتترعش، ودموعه نازلة على وشه لأول مرة من سنين.

كان لسه سامع صوت أخوه عمر في التسجيل.

نفس الصوت اللي افتكره نسيه.

نفس الصوت اللي كان بيناديه بيه وهو صغير:

“آدم… أخويا.”

كريم قرب منه وقال بقلق:

— آدم بيه، لازم نتصرف بسرعة. الطفل اتاخد من المستشفى، ومش عارفين مين اللي ورا الموضوع.

آدم مسح دموعه بعنف.

— اتصل بالشرطة حالًا، وابعتلهم التسجيل والرسائل، واطلب منهم يحافظوا على تسجيلات كاميرات المستشفى.

كريم هز راسه.

— حاضر يا فندم.

آدم بص للصندوق الحديد اللي قدامه.

كان مليان أوراق ومستندات وصور قديمة، وكل ورقة فيه ممكن تقلب حياة عيلة الشاذلي كلها.

وفجأة موبايله رن.

الرقم كان باسم أبوه.

آدم رد بعصبية:

— إنت عايز إيه تاني؟!

فؤاد رد بصوت هادي على غير عادته:

— عرفت إنك وصلت للمخزن يا آدم.

آدم اتجمد.

— وإنت عرفت منين؟!

— أنا عارف كل خطوة بتعملها.

آدم صرخ:

— فين عمر؟! وفين الطفل؟!

فؤاد سكت لحظة.

وبعدين قال:

— لو عايز تنقذ اللي باقي من عيلتك، ارجع القاهرة وتعالى قابلني.

— مش هقابلك غير في القسم!

فؤاد اتنهد.

— إنت فاكر إن الموضوع بالبساطة دي؟ فيه ناس أخطر مني بكتير دخلت في الحكاية.

آدم رد بحدة:

— وإنت كنت فين لما أخويا اختفى؟! لما بنته كانت بتشحت علبة لبن؟! لما سلمى كانت بتموت من الجوع؟!

فؤاد قال بصوت مكسور لأول مرة:

— أنا عملت غلطات كتير يا آدم… بس مش كل اللي حصل كان بإيدي.

آدم ضحك بمرارة.

— دلوقتي بقيت ندمان؟!

— أنا مستعد أقول الحقيقة كلها… بس لازم تسمعني.

آدم رد:

— هتقولها قدام النيابة، مش قدامي لوحدي.

وقفل المكالمة.

في القاهرة، كانت سلمى قاعدة على سرير المستشفى، بتعيط بانهيار.

مريم واقفة جنبها، ماسكة طرف الملاية، وياسين قاعد على كرسي صغير مش فاهم ليه الكل متوتر.

— ماما، هو آدم الصغير راح فين؟

سلمى حضنت بنتها.

— هنرجعه يا حبيبتي… إن شاء الله هنرجعه.

أنا السبب! أنا اللي فتحت الباب للست!

سلمى بصتلها بسرعة.

— ست مين يا مريم؟!

— واحدة لابسة أبيض، قالتلي إنها دكتورة، وإنها هتاخد آدم يعمل تحليل وترجعه.

سلمى اتجمدت.

— شكلها كان إيه؟

مريم حاولت تفتكر.

— شعرها بني، وكانت لابسة نضارة، وفي إيدها خاتم كبير لونه أخضر.

سلمى حطت إيدها على بقها.

— خاتم أخضر؟!

مريم هزت راسها.

— أيوه يا ماما.

سلمى همست:

— ناهد!

كانت ناهد مرات فؤاد الشاذلي التانية.

الست اللي اتجوزها بعد وفاة أم آدم وعمر.

واللي طول عمرها بتحاول تخلي ابنها الوحيد، شريف، هو الوريث الأساسي لمجموعة الشاذلي.

سلمى مسكت موبايلها واتصلت بآدم.

أول ما رد، قالت بسرعة:

— آدم! أنا عرفت مين اللي خد الطفل!

— مين؟!

— ناهد… مرات أبوك!

آدم وقف مكانه.

— ناهد؟! إنتِ متأكدة؟!

— مريم وصفتلي الخاتم اللي في إيدها. ناهد عندها خاتم زمرد كبير، عمرها ما بتقلعه.

آدم سكت ثواني.

وبعدين قال:

— سلمى، لازم أسألك سؤال، ومحتاج إجابة واضحة.

— اتفضل.

— الطفل آدم… اسمه الحقيقي عمر؟

سلمى بدأت تعيط.

— آدم، أرجوك، مش وقته!

— أمال إمتى يا سلمى؟! الطفل اتخطف، وأخويا طلع عايش، وأبويا متورط في كارثة! أنا محتاج أعرف الحقيقة علشان أقدر أحميه!

سلمى أخدت نفس طويل.

وبعدين قالت:

— الطفل اسمه في شهادة ميلاده عمر… عمر شريف الشاذلي.

آدم اتجمد.

— شريف؟! أخويا شريف؟!

— أيوه.

آدم حس إن دماغه هتنفجر.

— إزاي ابن شريف عندك؟!

سلمى ردت بصوت مكسور:

— علشان شريف نفسه سلّمهولي من سبع شهور، وطلب مني أحميه من أمه ناهد!

قبل سبع شهور…

كانت سلمى قاعدة في شقتها القديمة، لما سمعت خبط عنيف على الباب.

فتحت، ولقت شريف الشاذلي واقف قدامها، شايل طفل رضيع ملفوف في بطانية.

كان وشه شاحب، وعينيه حمرا من العياط.

— سلمى… ساعديني!

سلمى اتخضت.

— شريف؟! إنت بتعمل إيه هنا؟!

شريف دخل بسرعة.

— أرجوكي، أنا مليش غيرك.

سلمى بصت للطفل.

— مين البيبي ده؟

شريف قال:

— ابني.

— ابنك؟! إنت اتجوزت؟!

شريف هز راسه.

— اتجوزت في السر من بنت اسمها هاجر، كانت ممرضة في مستشفى تابع للشركة.

سلمى اتصدمت.

— ومراتك فين؟

شريف دموعه نزلت.

— ماتت بعد الولادة بأيام، وأنا اكتشفت إن أمي كانت بتحاول تخبي الجواز علشان خايفة على الميراث.

سلمى بصتله باستغراب.

— وليه جايلي أنا؟

شريف قال:

— علشان عرفت إنك ربيتي بنت عمر، وإنك عمرك ما بعتي أمانة.

سلمى سكتت.

شريف قرب منها وقال:

— أمي عايزة تسجل الطفل باسم عيلة تانية، وتخليني أنكر جوازي، علشان جدي كان سايب وصية بتدي لكل حفيد نصيب مستقل من أسهم الشركة.

سلمى اتصدمت.

— يعني عايزة تحرم ابنك من نسبه وحقه؟!

شريف هز راسه.

— وأنا رفضت… بس أمي هددتني إنها هتضيع كل حاجة لو ما سمعتش كلامها.

سلمى بصت للطفل.

كان نايم ببراءة، مش عارف إن فيه حرب على اسمه قبل ما يكمل أسبوعين.

مدت إيديها وشالته.

— وإنت عايز مني إيه؟

شريف قال:

— خليه عندك فترة، لحد ما أقدر أثبت جوازي وأحميه.

سلمى ردت:

— بس لازم نعمل ده بشكل قانوني. مينفعش نخبي طفل ونغير هويته.

شريف هز راسه.

— معايا شهادة ميلاده وعقد جوازي، والمحامي هيجهز إجراءات الرعاية المؤقتة.

سلمى وافقت بعد ما اطمأنت إن فيه مستندات تثبت هوية الطفل، وإن الرعاية هتكون بعلم الجهات المختصة.

ومن يومها، بقى الطفل في بيتها.

كانت بتناديه آدم علشان تبعد الأنظار عنه، لكن اسمه الرسمي فضل عمر.

ومع مرور الشهور، شريف اختفى عن التواصل معاها.

وسلمى فضلت شايلة مسؤولية الطفل مع مريم وياسين، لحد ما الفلوس خلصت، وصحتها انهارت.

آدم سمع الحكاية وهو مش قادر يصدق.

— يعني الطفل ده ابن شريف… وناهد خطفته علشان تمنع ظهور الحقيقة؟

سلمى ردت:

— أنا مش عارفة هي ناوية على إيه، بس لازم نلحقه.

آدم قال بحسم:

— هنرجعه يا سلمى.

وقفل المكالمة.

بص لكريم.

— غير الخطة. هنرجع القاهرة فورًا، ونسيب موضوع مطروح للشرطة والمحامي.

كريم سأله:

— وعمر بيه؟

آدم بص للصورة اللي على موبايله.

— مش هنساه… بس دلوقتي فيه طفل رضيع في خطر.

بعد ساعات، كانت الشرطة بتراجع تسجيلات كاميرات المستشفى.

ظهر في التسجيل ست لابسة بالطو أبيض، دخلت أوضة الأطفال، وخرجت شايلة الرضيع.

الكاميرا صورت وشها بوضوح.

كانت ناهد فعلًا.

لكن المفاجأة إن ناهد ما خرجتش من المستشفى لوحدها.

كان مستنيها راجل عند الباب الخلفي.

راجل لابس جاكيت رمادي، وماشي وهو بيعرج برجله الشمال.

أول ما آدم شاف صورته، اتجمد.

— منصور!

كريم بصله.

— مدير أمن والد حضرتك؟

آدم هز راسه.

المحامي طلب من آدم يسيب التحقيق للجهات المختصة، وقدم التسجيلات والرسائل وكل المعلومات اللي جمعوها.

وبعد تتبع العربية الظاهرة في الكاميرات، وصلت الشرطة لعنوان مزرعة قديمة على أطراف القاهرة.

كانت المزرعة مسجلة باسم شركة تابعة لناهد.

آدم وصل مع المحامي بعد ما الشرطة بدأت إجراءاتها.

وقف قدام البوابة الحديد، وقلبه بيدق بعنف.

بعد دقائق، خرج أحد الضباط.

— الطفل بخير، ولقيناه مع سيدة كانت بتعتني بيه.

آدم حس إن روحه رجعتله.

— الحمد لله… الحمد لله!

لكن الضابط كمل:

— وفيه شخص تاني موجود جوه، محتاج حضرتك تتعرف عليه.

آدم بصله باستغراب.

— مين؟

الضابط قال:

— راجل في الأربعينات، قاعد على كرسي متحرك، وبيقول إنه أخوك عمر الشاذلي.

آدم اتجمد.

— عمر؟!

دخل آدم المكان بخطوات مترددة.

كل خطوة كانت كأنها سنة من عمره.

لحد ما وصل لأوضة واسعة في آخر المبنى.

الباب اتفتح.

وعلى كرسي متحرك جنب الشباك…

كان قاعد راجل نحيف، شعره دخل فيه الشيب، ووشه مليان آثار تعب السنين.

آدم وقف مكانه.

الراجل رفع عينيه.

وبصله.

وفجأة ابتسم ابتسامة صغيرة.

— كبرت يا آدم.

آدم حط إيده على بقّه.

— عمر؟!

الراجل مد إيده المرتعشة.

— تعالى يا أخويا.

آدم جري عليه، ونزل على ركبه قدامه، وحضنه وهو بيعيط بحرقة.

— إنت عايش؟! إنت عايش يا عمر؟! أنا دفنتك بإيديا! أنا كنت بروح أزور قبرك!

عمر حضنه بقوة على قد ما يقدر.

— عارف يا حبيبي… عارف.

آدم بعد عنه وبصله.

— عملوا فيك إيه؟! وليه مستخبي طول السنين دي؟!

عمر مسح دموعه.

— أنا ما كنتش مستخبي بمزاجي يا آدم.

— يعني إيه؟

عمر أخد نفس طويل.

— ليلة الحادثة، كنت رايح أقابل محامي علشان أسلمه مستندات تثبت إن فيه تزوير حصل في عقود الشركة.

آدم سكت.

عمر كمل:

— العربية اللي كنت راكبها اتخبطت من عربية تانية، واتقلبت. صحيت بعد أيام في مستشفى بعيد، ومش فاكر اسمي ولا أنا مين.

آدم بصله بصدمة.

— فقدت الذاكرة؟!

— أجزاء كبيرة منها. وكان عندي إصابة في العمود الفقري أثرت على حركتي. فضلت سنين بتعالج، وفي ناس كانت بتقول للمستشفى إن ماليش أهل، وإنهم المسؤولين عني.

— مين الناس دي؟!

عمر بص ناحية الباب.

— منصور… وناس تانية.

آدم حس بالغضب.

— وأبويا؟!

أبوك عرف إني عايش بعد الحادثة، لكنه ما قالكش.

آدم غمض عينيه.

كان نفسه يسمع أي إجابة غير دي.

عمر كمل:

— من حوالي سنة، بدأت ذاكرتي ترجع. افتكرتك، وافتكرت ندى وبنتي… وحاولت أوصلك.

— وليه ما وصلتش؟

— منصور كان بيراقب اتصالاتي. لكن واحد من العاملين القدامى في المستشفى ساعدني أبعت رسالة لسلمى.

آدم سأله:

— وإنت جيت هنا إزاي؟

عمر قال:

— ناهد عرفت إن ذاكرتي رجعت، وخافت أتكلم. نقلتني للمزرعة دي من أيام، وقالت إنها هتساعدني أقابل مريم… لكني اكتشفت إنها كانت بتدور على الملفات اللي سلمى مخبياها.

آدم قرب منه.

— ومريم… تعرف إن عندك بنت؟

عمر دموعه نزلت.

— شوفت صورتها من شهور… بنتي كبرت وأنا بعيد عنها.

آدم مسك إيده.

— هتشوفها يا عمر… وهتعوضوا اللي فات على قد ما تقدروا.

عمر هز راسه وهو بيعيط.

— أنا مش عايز فلوس ولا شركات… أنا عايز بنتي تعرف إن أبوها ما سابهاش بمزاجه.

في نفس الليلة، اتكشفت تفاصيل جديدة في التحقيق.

ناهد اعترفت إنها نقلت الطفل من المستشفى من غير إذن، بحجة إنها كانت عايزة تمنع ظهور نسبه لشريف قبل تسوية خلافات الميراث.

لكن المحقق واجهها بالتسجيلات والرسائل، وبوجود عمر في المزرعة.

ناهد حاولت تلقي المسؤولية على منصور.

ومنصور، لما عرف إن عمر ظهر وإن المستندات وصلت للجهات المختصة، قرر يتكلم.

قال إن فؤاد كان عارف إن عمر نجا من الحادثة، وإنه وافق على إخفاء الخبر خوفًا من فضيحة العقود القديمة.

لكنه أكد إن حادثة العربية نفسها محتاجة تحقيق مستقل، وإنه مش هيقدر يجزم مين تسبب فيها من غير الأدلة.

أما فؤاد، فلما استدعته النيابة، دخل وهو فاكر إن نفوذه هيحميه.

لكن آدم كان واقف في الممر.

فؤاد قرب منه.

— آدم… أنا أبوك.

آدم بصله بعينين حمرا.

— وأنا كنت ابنك لما أخويا اختفى، ولما كنت بتقوللي إنه مات، ولما بنت أخويا كانت بتنام جعانة؟

فؤاد نزل عينه.

— كنت خايف أخسر كل حاجة.

آدم رد بصوت هادي موجوع:

— وخسرتنا إحنا.

فؤاد حاول يتكلم، لكن آدم كمل:

— أنا مش هظلمك ولا هحكم عليك قبل التحقيق… بس مش هخبي الحقيقة علشان اسم العيلة.

وبعدها مشي.

وسابه واقف لوحده.

بعد أسبوعين، كانت سلمى خرجت من المستشفى، وحالتها اتحسنت بشكل واضح.

آدم جه ياخدها هي والأطفال، لكن سلمى رفضت تروح قصر الشاذلي.

— أنا مش عايزة أعيش في بيت أبوك يا آدم.

آدم ابتسم.

— ومين قالك إنك هتروحي هناك؟

سلمى بصتله باستغراب.

— أمال فين؟

آدم قال:

— في بيت صغير قريب من المستشفى، فيه جنينة، وأوضة لكل طفل، ومجهز بكل اللي تحتاجوه لحد ما ترجعي تقفي على رجلك.

سلمى دموعها نزلت.

— آدم… أنا مش عايزة صدقة.

آدم رد:

— وأنا مش بديكي صدقة. ده مكان مؤقت وآمن، وإنتِ ليكي حقوق لازم ترجعلِك، وأنا هساعدك توصليلها بالقانون.

سلمى سكتت.

وبعدين قالت:

— إنت لسه زي ما إنت… بتحاول تصلح كل حاجة.

آدم ابتسم بحزن.

— المرة دي بحاول أصلح اللي أقدر عليه، من غير ما أقرر مكانك.

وفجأة مريم جريت عليهم.

— عمو آدم! هو عمو عمر جاي النهارده؟

آدم نزل على ركبه قدامها.

— أيوه يا مريم… بس فيه حاجة لازم أقولك عليها.

البنت بصتله بقلق.

— حاجة وحشة؟

آدم ابتسم.

— لأ يا حبيبتي… حاجة حلوة أوي.

وفي اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح.

دخل عمر على كرسيه المتحرك، ومعاه أخصائي العلاج الطبيعي.

مريم بصتله باستغراب.

وبعدين بصت لآدم.

— مين ده؟

آدم قال بصوت مخنوق:

— ده عمر… باباكي يا مريم.

البنت اتجمدت.

— بابا؟!

عمر مد إيده ناحيتها، ودموعه بتنزل.

— أيوه يا قلب بابا… أنا آسف إني اتأخرت عليكي.

مريم فضلت واقفة ثواني.

وبعدين قربت منه بحذر.

— إنت بابا اللي في الصورة؟

عمر هز راسه.

— أيوه.

مريم بصت لرجليه.

— وإنت ليه قاعد على كرسي؟

عمر ابتسم وسط دموعه.

— علشان رجلي تعبت شوية يا حبيبتي.

مريم سألته السؤال اللي قطع قلب كل اللي واقفين:

— طب إنت كنت فين لما كنا جعانين؟

عمر غمض عينيه.

ومقدرش يرد فورًا.

آدم كان هيتدخل، لكن عمر رفع إيده.

بص لبنته وقال:

— كنت تعبان وبعيد عنكم غصب عني… ولما عرفت أوصلك، جيت على طول. ومش هكدب عليكي وأقولك إن كل حاجة هتبقى سهلة، بس هفضل أحاول أكون جنبك.

مريم بصتله لحظة طويلة.

وبعدين سألته:

— يعني مش هتسيبني تاني؟

عمر فتح دراعاته.

— هعمل كل اللي أقدر عليه علشان أفضل معاكي.

وفجأة مريم جريت عليه، ورمت نفسها في حضنه.

— يا بابا!

عمر حضنها وانهار في العياط.

وسلمى كانت واقفة جنب الباب، بتبكي في صمت.

أما آدم، فكان باصص للمشهد، وحاسس إن كل الفلوس اللي جمعها طول عمره ما كانتش تساوي اللحظة دي.

التحقيقات في قضايا العقود والتوكيلات القديمة استمرت، واتعرضت المستندات على جهات الفحص المختصة.

واتخذت إجراءات قضائية ضد عدد من المتورطين، مع استمرار الفصل في مسؤولية كل شخص بحسب الأدلة.

أما عمر، فبدأ رحلة علاج وتأهيل طويلة.

مكنش رجع يمشي زي الأول، لكنه بقى يقدر يقف لفترات قصيرة بمساعدة العلاج.

ومريم دخلت مدرسة جديدة.

كانت كل يوم ترجع تحكيله عن أصحابها ومدرستها، وهو يسمعها بفخر.

وياسين بقى يروح الحضانة، والرضيع عمر رجع لرعاية أبوه شريف بعد ما ثبتت هويته واتنظمت ترتيبات رعايته قانونيًا.

وشريف، اللي كان طول عمره ضعيف قدام أمه، قرر أخيرًا يتحمل مسؤولية ابنه.

أما سلمى، فرجعت تمارس شغلها في المجال الطبي بعد مراجعة موقفها المهني واستكمال الإجراءات اللازمة.

وآدم ساعدها تفتح مركز طبي صغير في المنطقة اللي كانت ساكنة فيها.

لكنها أصرت إن المشروع يبقى قائم على شغلها، وإن أي تمويل يكون بعقد واضح.

آدم وافق من غير تردد.

وفي يوم افتتاح المركز، كانت سلمى واقفة قدام اللافتة الجديدة.

مكتوب عليها:

“مركز الرحمة للرعاية الطبية — د. سلمى عبد الرحمن”

آدم قرب منها.

— مبروك يا دكتورة.

سلمى ابتسمت.

— فاكر لما كنت بتقولي إنك هتفتحلي مستشفى؟

آدم ضحك.

— فاكر.

— أهو أنا فتحت مركز بنفسي.

آدم بص لها بإعجاب.

— وده أجمل بكتير.

سلمى سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

— آدم… أنا عارفة إن اللي حصل زمان وجعنا إحنا الاتنين.

آدم هز راسه.

— أيوه.

— بس أنا اتغيرت… وإنت كمان اتغيرت.

آدم بص لها بهدوء.

— عارف.

سلمى كملت:

— أنا محتاجة وقت أرتب حياتي، وأربي ولادي، وأرجع أثق في نفسي.

آدم ابتسم.

— خدي كل الوقت اللي تحتاجيه يا سلمى… أنا مش مستعجل على حاجة.

سلمى ابتسمت ودموعها لمعت.

— شكرًا يا آدم.

وفجأة مريم جريت عليهم.

— عمو آدم! بابا عمر بيقولك تعالى بسرعة!

آدم اتخض.

— في إيه؟!

مريم ضحكت.

— عاملينلك مفاجأة!

دخل آدم المركز.

لقى عمر قاعد على كرسيه، وياسين جنبه، وشريف شايل ابنه الصغير، وكريم واقف مع مجموعة من العاملين.

وفي نص الأوضة، كانت فيه تورتة كبيرة.

مكتوب عليها:

“شكرًا يا عمو آدم.”

آدم ضحك.

— إيه ده كله؟!

مريم قربت منه وهي ماسكة ورقة مطوية.

آدم نزل لمستواها.

— طب اقريهولي.

مريم فتحت الورقة وبدأت تقرأ بصوت طفولي:

“عمو آدم…

أنا فاكرة أول يوم شوفتك فيه.

كنت بردانة وجعانة وخايفة، ومحدش عايز يسمعني.

كنت فاكرة إن الناس الغنية كلها مش بتحب الفقرا.

بس إنت سمعتني.

واشتريتلي اللبن.

وساعدت ماما.

ورجعتلي بابا.

أنا عارفة إنك مش ساحر، وإنك ما عملتش كل ده لوحدك، بس إنت أول واحد صدقني لما طلبت المساعدة.

ولما أكبر، نفسي أبقى دكتورة زي ماما، وأساعد أي طفل جعان أو تعبان.

علشان محدش يحس بالخوف اللي أنا حسيته.

بحبك يا عمو آدم.

مريم عمر الشاذلي.”

آدم كان واقف بيسمع، ودموعه بتنزل من غير ما يحاول يخبيها.

أخد الورقة وحضن مريم.

— إنتِ اللي أنقذتيني يا مريم.

البنت رفعت وشها باستغراب.

— أنا؟! إزاي؟!

آدم ابتسم.

— علشان إنتِ فكرتيني إن الإنسان مش بقيمة فلوسه… الإنسان بقيمة اللي بيعمله لما يشوف حد محتاجه.

عمر قرب منهم بكرسيه.

ومد إيده لأخوه.

— أنا فخور بيك يا آدم.

آدم مسك إيده.

— وأنا كنت مستني أسمع منك الكلمة دي من زمان.

بعد سنة كاملة…

كان آدم واقف في نفس السوبر ماركت اللي قابل فيه مريم أول مرة.

لكن المرة دي، ما كانش جاي يشتري حاجة لنفسه.

كان جاي يفتتح مبادرة جديدة بالتعاون مع جمعيات مرخصة ومتخصصين في حماية الطفل.

مبادرة لتوفير احتياجات الأطفال الأساسية للأسر المحتاجة، ومساعدتهم يوصلوا لخدمات الرعاية المناسبة.

وعلى باب السوبر ماركت، اتحطت لافتة صغيرة:

“مبادرة مريم — لأن مفيش طفل المفروض يطلب اللبن وهو خايف.”

مريم كانت واقفة جنبه، لابسة فستان شتوي جميل، وماسكة إيد أبوها عمر.

آدم بص لها وقال:

— فاكرة المكان ده يا مريم؟

البنت ابتسمت.

— طبعًا… ده المكان اللي اشتريتلي منه اللبن.

آدم سألها:

— كنتِ خايفة يومها؟

مريم هزت راسها.

— أوي.

— ودلوقتي؟

مريم بصت حواليها.

شافت الأطفال اللي جايين مع أهاليهم يستلموا المساعدات من غير إحراج.

وشافت المتطوعين بيبتسموا ليهم.

وبعدين قالت:

— دلوقتي مبسوطة… علشان محدش هيزعق لطفل زي ما زعقولي.

آدم ابتسم.

وفي اللحظة دي، قرب منهم نفس الكاشير اللي كان واقف يومها.

كان وشه مليان خجل.

بص لمريم وقال:

— أنا عايز أعتذرلك يا بنتي.

ليه يا عمو؟

— علشان يوم ما جيتي تطلبي اللبن، أنا ما سمعتكيش كويس… وكنت قاسي معاكي.

مريم سكتت لحظة.

وبعدين قالت ببراءة:

— خلاص يا عمو، أنا مسامحاك… بس لو جه طفل تاني جعان، اسمعه الأول.

الكاشير عينيه دمعت.

— أوعدك.

آدم بص لمريم، وحس إن البنت الصغيرة دي علمته درس عمره ما كان هيتعلمه في أكبر الجامعات.

وفي آخر اليوم، رجع آدم بيته.

دخل مكتبه، وفتح الدرج القديم.

طلع منه نص القلب الفضي اللي كان محتفظ بيه من عشر سنين.

فضل يبصله شوية.

وبعدين حطه في علبة صغيرة، وكتب على ورقة:

“سلمى…

الحب الحقيقي مش معناه إننا نرجع الزمن، ولا إننا نمسح الوجع اللي فات.

الحب الحقيقي إننا نحترم بعض، ونسيب لكل واحد فرصة يبدأ من جديد.

أنا سعيد إنك رجعتي لحياتك، وإنك بقيتي قوية زي ما كنتِ دايمًا.

ولو ربنا كتب لنا طريق واحد في المستقبل، هنمشيه وإحنا مطمنين.

آدم.”

قفل العلبة.

وفي اللحظة دي، موبايله رن.

كانت سلمى.

رد بابتسامة.

— أيوه يا دكتورة.

سلمى ضحكت.

— مريم مصممة إنك تيجي تتعشى معانا بكرة.

آدم ابتسم.

— ومريم بس؟

سلمى سكتت لحظة.

وبعدين قالت بصوت هادي:

— وأنا كمان مستنياك.

آدم بص لنص القلب الفضي.

وحس إن الحياة، رغم كل وجعها، ممكن تدي الإنسان فرصة تانية.

مش علشان ينسى الماضي…

لكن علشان يبدأ مستقبل مختلف.

وفي ليلة هادية، بعد ما كل الأطفال ناموا، كان عمر قاعد جنب شباك بيته الجديد.

مريم خرجت من أوضتها، وقربت منه.

— بابا؟

— نعم يا قلب بابا؟

— هو إنت زعلان علشان مش بتعرف تمشي كويس؟

عمر ابتسم بحزن.

— ساعات يا حبيبتي.

مريم مسكت إيده الصغيرة بين إيديها.

— متزعلش… أنا همشي جنبك على مهلي.

عمر بص لبنته، ودموعه نزلت.

— وإنتِ مش زعلانة إني غبت عنك كل السنين دي؟

مريم فكرت شوية.

وبعدين قالت:

— كنت زعلانة وأنا مش عارفة إنت فين… بس دلوقتي إنت هنا.

عمر حضنها.

— ربنا يخليكي ليا يا مريم.

البنت حطت راسها على صدره.

— ويخليك ليا يا بابا.

وفي اللحظة دي، عمر افتكر كل اللي ضاع منه.

السنين.

صحته.

شغله.

بيته.

لكن لما بص لبنته وهي نايمة في حضنه، عرف إن لسه عنده سبب يبدأ من جديد.

أما آدم، فكان أخيرًا فهم إن الثروة الحقيقية مش القصور ولا العربيات ولا الملايين.

الثروة الحقيقية كانت في حضن أخ رجع بعد غياب، وطفلة لقت أبوها، وأم قدرت تقف على رجليها تاني.

وكل ده بدأ…

بطفلة صغيرة، حافية، واقفة قدام كاشير سوبر ماركت، وبتطلب علبة لبن لأخوها.

تمت بحمد الله.

بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري لموقع حكايات أسما السيد.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى