متحرك

بنت صغيرة

كريم كمل:

— والأغرب إن المستشفى كانت أصلًا ضمن ميراث والدة سلمى، لكن حصلت سلسلة تنازلات وتوكيلات نقلت الملكية.

آدم قال:

— عايز أعرف إذا كانت التوكيلات سليمة ولا لأ.

— المستشار القانوني بيراجعها دلوقتي.

كريم سكت لحظة.

— وفي حاجة تانية.

— إيه؟

— يوم حادثة عمر بيه، فيه محضر شرطة اتعمل، لكن البيانات اللي فيه مختلفة عن اللي اتقال للعيلة.

آدم قرب منه.

— مختلفة إزاي؟

— العربية اتحرقت، واتسجل إن السائق مجهول الهوية في البداية. وبعدها اتضاف اسم عمر بيه، بناءً على إفادة شاهد.

— مين الشاهد؟

كريم بصله بتردد.

— السائق الخاص بفؤاد بيه وقتها.

آدم حط إيده على المكتب.

— يعني مفيش إثبات قاطع إن عمر كان في العربية؟

— الملف اللي معانا مش كافي للجزم، ولازم نجيب صورة رسمية من المحضر وتقرير الطب الشرعي.

آدم سكت.

وبعدين قال:

— كريم، عايزك تتواصل مع محامي جنائي مستقل، ونقدم طلب رسمي لمراجعة الأوراق. مش عايز أي خطوة مخالفة للقانون.

— حاضر يا فندم.

آدم قام.

— وأنا هروح إسكندرية.

كريم اتفاجئ.

— دلوقتي؟

— أيوه.

— طب استنى أجيبلك حراسة.

آدم افتكر وصية عمر.

“أوعى تروح لوحدك.”

قال:

— هتيجي معايا، ومعانا المحامي لو قدر يلحقنا.


في نفس الوقت…

كان فؤاد الشاذلي قاعد في مكتبه القديم، وقدامه راجل في الخمسينات اسمه منصور.

منصور كان مدير أمن المجموعة من سنين طويلة.

فؤاد خبط المكتب بعصبية.

— إزاي آدم وصل لسلمى؟!

منصور رد بتوتر:

— البنت الصغيرة راحت السوبر ماركت اللي آدم بيشتري منه، والموضوع حصل بالصدفة.

فؤاد صرخ:

— مفيش حاجة اسمها صدفة!

منصور سكت.

فؤاد سأله:

— والورق؟

— مش لقيناه يا باشا.

— يعني إيه مش لاقينه؟!

— فتشنا البيت قبل ما الإسعاف تيجي، لكن الظرف اللي بندور عليه مكانش موجود.

فؤاد قام من مكانه.

— يبقى مع البنت!

منصور هز راسه.

— غالبًا.

فؤاد بص من الشباك وقال:

— لازم أعرف آدم عرف إيه.

منصور اتردد.

— يا باشا، الموضوع كبر، والأحسن نوقف كل ده.

فؤاد لف له بعصبية.

— إنت هتعلمني أعمل إيه؟!

منصور قال بصوت واطي:

— أنا بس بفكرك إن اللي حصل من تسع سنين ممكن يتفتح تاني… وساعتها مش هنقدر نتحكم في النتيجة.

فؤاد سكت.

وبعدين قال:

— عمر كان المفروض يسمع كلامي من الأول.

عمر بيه كان عايز يحمي الناس اللي اتظلمت.

فؤاد بصله بحدة.

— وإنت من إمتى بقيت بتدافع عنه؟!

منصور نزل عينه.

— أنا تعبت من السر ده يا باشا.

فؤاد قرب منه وقال:

— السر ده لو خرج، كلنا هنروح في داهية.

منصور رد بجملة خلت فؤاد يتجمد:

— بس فيه حد تاني عارف الحقيقة… وحد حضرتك فاكره مش هيقدر يتكلم أبدًا.

فؤاد اتغير وشه.

— تقصد مين؟!

منصور قال:

— الراجل اللي كان في العربية ليلة الحادثة.


في الطريق لإسكندرية، آدم كان ساكت طول الوقت.

كريم حاول يكلمه أكتر من مرة، لكنه كان شارد.

كان بيفكر في أخوه.

في سلمى.

وفي مريم.

إزاي طفلة صغيرة قدرت تفتح باب اتقفل من تسع سنين؟

وإزاي أبوه قدر يخبي عنه كل ده؟

بعد حوالي تلات ساعات، وصلوا لفيلا قديمة في العجمي.

الفيلا كانت مهجورة، والسور مليان شروخ، والحديقة اتحولت لأرض مليانة حشائش.

آدم وقف قدام الباب الحديد.

— دي فيلا جدي القديمة.

كريم بصله باستغراب.

— حضرتك تعرفها؟

— كنت باجي هنا وأنا صغير مع عمر… بس أبويا قال إنها اتباعت من سنين.

فتحوا الباب بالمفتاح اللي كان في الظرف.

دخلوا بحذر.

الفيلا كانت مليانة تراب، والأثاث متغطي بملايات قديمة.

آدم افتكر طفولته.

افتكر عمر وهو بيجري معاه في الحديقة.

افتكر ضحكهم.

وفجأة حس بدموعه بتنزل.

كريم قال بهدوء:

— المخزن رقم سبعة غالبًا في المبنى اللي ورا.

راحوا ناحية مبنى صغير ملحق بالفيلا.

كان فيه صف من الأبواب الحديد القديمة، وكل باب عليه رقم.

وقفوا قدام الباب رقم 7.

آدم طلع المفتاح.

إيده كانت بتترعش.

حطه في القفل.

ولفه.

الباب اتفتح بصوت صرير عالي.

جوا المخزن كان فيه مكتب خشب صغير، وكرسي، وصندوق حديد قديم.

آدم قرب من الصندوق.

كان مقفول بقفل أرقام.

لكن فوقه ورقة مكتوب عليها:

“تاريخ ميلاد أخويا الصغير.”

آدم ابتسم وسط دموعه.

دخل تاريخ ميلاده.

القفل اتفتح.

رفع الغطا.

لقى جواه ملفات، وشرائط تسجيل قديمة، وفلاشة، وساعة دهب زجاجها مكسور.

آدم مسك الساعة.

— دي ساعة أبويا!

كريم قرب.

— متأكد؟

— أيوه… نفس الساعة اللي كان لابسها يوم جنازة عمر.

لكن لما قلبها، لقى على ظهرها حروف محفورة:

“ع. ش.”

عمر الشاذلي.

آدم اتصدم.

— دي كانت ساعة عمر… أبويا قال إنها ساعته!

طلعه وقرأ المكتوب عليه:

“النسخة الأخيرة — لا تُفتح إلا بحضور آدم.”

آدم فتح الظرف.

جواه تقرير قديم وصورة لعربية محطمة.

وفي آخر التقرير كان فيه اسم مستشفى خاص.

آدم قرأ الاسم بصوت عالي:

— مستشفى الأمل للأمراض العصبية… مرسى مطروح.

كريم قال:

— إيه علاقة المستشفى دي بالحادثة؟

آدم قلب الورقة.

ولقى اسم مريض مكتوب بخط اليد:

“عمر فؤاد الشاذلي.”

وتحته تاريخ دخول…

بعد الحادثة المزعومة بأربعة أيام!

آدم شهق.

— عمر كان عايش بعد الحادثة!

كريم قرب بسرعة.

— استنى يا آدم بيه، ده مستند قديم، لازم نتأكد من صحته.

لكن آدم كان مش سامعه.

كان باصص على الورقة، ودموعه بتنزل.

وفجأة موبايله رن.

رقم غريب.

رد بسرعة.

— ألو؟

جاله صوت راجل كبير، مبحوح ومتردد:

— آدم الشاذلي؟

— أيوه، مين معايا؟

— أنا واحد كان المفروض أقولك الحقيقة من تسع سنين… بس خوفي منعني.

آدم وقف.

— حقيقة إيه؟!

الراجل قال:

— أخوك عمر ما ماتش في الحادثة.

آدم حس إن قلبه هيقف.

— إنت مين؟!

— اسمي عبد الحميد… وكنت سواق العربية اللي اتعملت بيها الحادثة.

آدم صرخ:

— عمر فين؟!

الراجل سكت لحظة.

وبعدين قال:

— لو عايز تعرف أخوك فين، تعالى مستشفى الأمل القديمة في مطروح… بس لازم تيجي بسرعة.

— ليه؟!

صوت الراجل بدأ يترعش.

— علشان فيه ناس عرفت إنك وصلت للمخزن… ومش هيسمحوا للحقيقة تظهر.

آدم قال:

— إنت تعرف مين اللي عمل كده؟!

الراجل رد:

— أعرف… وعندي الدليل.

وفجأة سمع آدم صوت خبط جامد، وبعده صوت الراجل وهو بيصرخ:

— ابعد عني! أنا خلاص هقول الحقيقة!

وبعدين صوت حاجة وقعت.

والمكالمة اتقطعت.

آدم فضل ينادي:

— ألو! ألو يا عبد الحميد!

مفيش رد.

كريم بصله بخوف.

— في إيه يا آدم بيه؟

آدم مسك الملفات بسرعة.

— لازم نروح مطروح.

لكن قبل ما يتحركوا…

وصلته رسالة على موبايله من رقم مجهول.

فتحها.

كانت صورة حديثة لراجل قاعد على كرسي متحرك، شعره أبيض، ووشه شاحب، وعينيه باصة للكاميرا بحزن.

وتحت الصورة مكتوب:

“أخوك مستنيك من تسع سنين… لكن لو وصلت متأخر، مش هتلحق تسمع منه الحقيقة.”

آدم كبر الصورة بإيده.

قربها من عينيه.

وفجأة صرخ:

— عمر! ده عمر أخويا!

لكن الصدمة الأكبر كانت في آخر الرسالة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى