منوعات

شقيقتي الصغري

عدد من الشكاوى كان قد قُدم من أرقام مرتبطة بخالتي وزوجها.

بعضها بأسماء مختلفة.

لكن الأرقام والعناوين الإلكترونية قادت إليهما.

حينها عرفت أن الأمر انتهى.

لم تكن مجرد محاولة وصاية.

لقد كانا يحاولان تشويه سمعتي حتى يبدوا أمام المحكمة وكأنهما البديل الأفضل.

رفعت خالتي صوتها فجأة:

— هو طفل! إزاي طفل عنده تسعتاشر سنة يربي طفلة؟!

نظرت إليها وقلت لأول مرة:

— يمكن أنا عندي تسعتاشر سنة… بس أنا عمري ما فكرت أستعمل أختي علشان فلوسها.

سكتت.

بعد استراحة طويلة، عاد القاضي.

كنت أشعر بأن قلبي سيخرج من صدري.

قال إن المستند المقدم من والديّ سيخضع للتوثيق القانوني الكامل، وإن التسجيل والشكاوى تحتاج إلى تحقيق منفصل.

ثم نظر إليّ.

وقال:

— لكن المحكمة ترى أن مصلحة الطفلة في الوقت الحالي هي استمرار إقامتها مع شقيقها.

لم أستوعب الجملة في البداية.

قلت:

— يعني… هتفضل معايا؟

ابتسم القاضي ابتسامة صغيرة.

— نعم.

أغمضت عيني.

لأول مرة منذ وفاة والديّ، شعرت أنني أستطيع التنفس.

لكن القاضي أكمل:

— بشرط أن تستمر زيارات المتابعة لفترة مؤقتة، وأن تقدم خطة واضحة لاستكمال تعليمك وتنظيم عملك، لأن مسؤولية طفلة في السابعة ليست أمرًا بسيطًا.

قلت فورًا:

— موافق.

ثم نظر إلى خالتي وزوجها.

— أما طلب الوصاية المقدم منكما، فيُرفض.

خرجت من القاعة وأنا أشعر أن قدمي لا تلمسان الأرض.

كانت أختي تنتظر في الممر.

أول ما رأتني ركضت نحوي.

سألت وهي على وشك البكاء:

— هنروح بيتنا؟

احتضنتها.

قلت:

— هنروح بيتنا.

دفنت وجهها في صدري وقالت:

— كنت عارفة إن بابا وماما مش هيسيبونا.

الغريب أن كلامها جعلني أتذكر شيئًا.

قبل وفاة أبي بأسابيع، كنا نجلس سويًا في المطبخ.

قال لي وقتها:

— مهما حصل يا ابني، خليك سند لأختك… الفلوس ممكن تتعوض، البيت ممكن يتبني تاني، بس الأمان لما يضيع من طفل صعب يرجع.

وقتها لم أفهم لماذا قال ذلك.

الآن فهمت.

بعد أسابيع، تأكدت صحة المستند رسميًا.

وتم فتح تحقيق في الشكاوى الكاذبة.

كما تقرر تعيين جهة مالية مستقلة للإشراف على أموال أختي حتى تبلغ السن القانونية، وبالتالي أصبح مستحيلًا تقريبًا أن يلمس أي شخص أموالها لمجرد حصوله على الرعاية.

أما خالتي وزوجها…

فلم يعودا إلى حياتنا.

وحين حاولت خالتي الاتصال بي بعد عدة أشهر، لم تكن تطلب رؤية أختي.

قالت:

— إحنا عيلة… ومش لازم نخسر بعض علشان سوء تفاهم.

قلت لها بهدوء:

— العيلة مش اللي بتدور على ورث الطفل قبل ما تمسح دموعه.

ثم أغلقت الهاتف.

عدت بعد ذلك إلى دراستي بنظام يسمح لي بالعمل في نفس الوقت.

لم تكن حياتنا مثالية.

كان هناك أيام أعود فيها متعبًا جدًا.

وأيام تطلب أختي أمها قبل النوم فأجلس معها حتى تغفو.

وأيام أفتح باب غرفتي فأجدها نائمة بجواري لأنها رأت كابوسًا عن الحريق.

لكننا كنا معًا.

وبالنسبة لي…

كان هذا أهم شيء.

وفي أول ذكرى سنوية لوفاة والديّ، ذهبنا إلى المقابر ووضعنا الزهور.

وقفت أختي أمام قبرهما وقالت:

— أنا كويسة… وأخويا مش بيسيبني لوحدي.

لم أستطع منع دموعي.

ثم أمسكت يدي ونحن نغادر.

وفي تلك اللحظة فهمت أن المستند الذي أنقذ القضية لم يكن أهم ما تركه لنا أبي.

أهم شيء تركه لنا…

هو أننا تعلمنا أن نحمي بعضنا.

لأن الوصاية الحقيقية لا تبدأ بتوقيع على ورقة…

بل تبدأ عندما يختار شخص أن يبقى إلى جوارك، حتى حين تصبح الحياة كلها أصعب مما يحتمل.

النهاية

✍️ الكاتبة أسما السيد
📖 حكايات أسما السيد — حصري

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى