Uncategorized

زوجي وجناز

إذا أردتِ أن تعرفي من كان في مكاني داخل النعش، اذهبي إلى المزرعة القديمة خارج الرياض، واسألي عن الابن الذي ظن فهد وسعود أنه دُفن وهو رضيع.
قرأت الرسالة ثلاث مرات داخل السيارة.
لم أفهم.
أو ربما لم أرد أن أفهم.
كان أبو راشد يقود بصمت، دون أن يشغّل الراديو، ويداه ثابتتان على المقود. وخلفنا كان يبتعد بيت شمال الرياض، وأبنائي، والنعش المغلق، وثلاثة وأربعون عامًا من الزواج تحولت فجأة إلى سؤال مستحيل.
أبو راشد همست أبو فهد حي؟
نظر السائق العجوز إليّ من المرآة.
نعم يا أم فهد.
غطيت فمي بيدي.
خرج بكائي غريبًا.
لم يكن بكاء فرح فقط.
كان غضبًا، وخوفًا، وحبًا، وخذلانًا اختلطت كلها في صدري.
والرجل الذي كان في النعش؟
تأخر أبو راشد كثيرًا قبل أن يجيب.
هذا لازم يقوله لك هو بنفسه.
قدنا طوال الليل.
خرجنا من الرياض بينما كانت قطرات المطر الخفيفة تضرب الزجاج الأمامي. مررنا بالطرق الواسعة، والاستراحات المغلقة، والشاحنات التي تلمع أضواؤها الحمراء في العتمة، ومحطات البنزين التي ما زالت رائحة القهوة فيها معلقة بالهواء.
كنت أحمل في حقيبتي الرسالة، والذاكرة الإلكترونية، والعبوة الفارغة، ومسدس أبو فهد.
لم أشعر في حياتي أنني عجوز إلى هذا الحد.
ولا مستيقظة إلى هذا الحد.
مع بزوغ الفجر، ظهرت المزرعة القديمة خارج الرياض، بسورها الطيني، ونخيلها العالي، وبابها الحديدي الذي بدا كأنه لم يُفتح منذ سنوات.
لم تكن فخمة.
كانت بيتًا أبيض منخفضًا، تحيط به أشجار النخيل، وفي وسط الفناء بئر قديم ومجلس صغير.
وهناك كان أبو فهد.
حيًا.
جالسًا على كرسي خشبي، بلحية نامية منذ أيام، وضماد على ذراعه، وعينين ممتلئتين بالذنب.
نزلت من السيارة وأنا لا أعرف هل أركض إليه أم أصفعه.
وقف ببطء.
نورة.
صفعته.
لم تكن صفعة قوية.
لكنها كانت كافية ليفهم أن المرأة لا تدفن زوجها أمام الناس من أجل خطة، ثم تحتضنه وكأن شيئًا لم يحدث.
بكيت عليك أمام أبنائك قلت بكيت عليك أمام نعش مغلق.
أطرق رأسه.
سامحيني.
لا تبدأ بهذا الكلام. تكلم.
دخلنا إلى المطبخ.
جاءت امرأة من أهل المزرعة وقدمت قهوة عربية، لكن لا أحد لمسها.
وضع أبو فهد ملفًا فوق الطاولة، وكانت يداه ترتجفان.
فهد وسعود كانا يريدان إعلانك غير قادرة على إدارة شؤونك قال جهزا طبيبًا يكتب أن الحزن أثّر على وعيك. كانوا يريدون السيطرة على حساباتك، وبيع البيت، وإظهار وصية مزورة.
شعرت بالغثيان.
سمعتهم.
وكانوا يضعون لي شيئًا في القهوة.
نظرت إلى العبوة الصغيرة في حقيبتي.
بهذا؟
أومأ.
جرعات بسيطة. مهدئات. تكفي حتى أبدو مشتتًا، متعبًا، غير قادر على التركيز. كانوا يقولون إنها السن. بدأت أشك عندما صار فهد يصر أن يحضر لي القهوة كل ليلة بنفسه.
تذكرت ابني وهو يدخل المكتب مبتسمًا.
يبه، ارتاح. أنت تعبت كثير.
احترقت عيناي.
وفكرت أن تمثل موتك؟
لم يكن هذا المخطط من البداية. كنت أنوي الخروج من البيت، ورفع بلاغ، وحمايتك. لكن حينها مات عبدالله.
اخترقني الاسم.
عبدالله.
ابني الأول.
الرضيع الذي قالوا لي إنه مات بعد يومين من ولادته.
قالوا إنه وُلد ضعيفًا.
ثم أعطوني مهدئًا.
وحين استيقظت، كان أبو فهد يبكي قرب سريري، وكانت أمه تقول إن الله يختار لعباده الخير.
أنا لم أرَ الجثمان.
فقط صندوقًا صغيرًا أبيض.
لا قلت.
أغمض أبو فهد عينيه.
عبدالله لم يمت يومها.
وقفت بسرعة حتى سقط الكرسي خلفي.
ماذا قلت؟
أمي سلّمته لغيرنا.
صار الهواء ثقيلًا كأنه سم.
أمك؟
قالت إن الطفل مريض، وإن حياتنا ستتحول إلى مستشفيات، وإنك لن تتحملي. كنت صغيرًا، خائفًا، ومكسورًا. صدقت موته لأنهم قالوا لي ذلك أيضًا. قبل ثمانية أشهر، وجدني عبدالله.
تمسكت بحافة الطاولة.
عرفته منذ ثمانية أشهر ولم تخبرني؟
بكى أبو فهد.
هو لم يرد. كبر وهو يعتقد أننا تخلينا عنه. وحين عرف الحقيقة، كان قلبه مريضًا. كان يخاف أن يظهر لك فقط كي يموت مرة أخرى بين يديك.
شعرت أن جرحًا قديمًا انفتح داخلي.
لم يكن وجع أرملة.
كان وجع أم سُرق منها ابنها.
كان من حقي أن أحتضنه.
نعم.
كان من حقي أن أسمع صوته.
نعم.
كان من حقي أن أودعه.
لم يدافع أبو فهد عن نفسه.
وهذا جعلني أغضب أكثر.
أخذني إلى غرفة صغيرة.
كان فيها سرير مرتب، ومصحف على الطاولة، وثوب رجالي مطوي، وصورة داخل إطار خشبي.
عبدالله.
قريب من الأربعين.
عيناه عينا أبو فهد.
وفمه فمي.
وله نفس طريقتي في إمالة رأسه قليلًا.
اقتربت من الصورة وانكسرت.
يا ولدي
فوق الطاولة كانت هناك رسالة.
أمي نورة.
فتحتها بيدين لا تقويان على شيء.
سامحيني لأنني وصلت متأخرًا. قالوا لي إنكم لم تريدوني لأنني وُلدت مريضًا. وعندما قابلت أبي أبو فهد، فهمت أننا سُرقنا جميعًا. لم أرد أن أوجعك، لكنني كنت أحتاج أن تعرفي أنني عشت. أنني خفت. أنني تخيلت صوتك طوال عمري رغم أنني لم أتذكره. إذا قرأتِ هذه الرسالة يومًا، لا تظني أنني مت بلا أم. لقد تخيلتك أمي طوال حياتي.
انهرت فوق السرير.
بكيت على الرضيع الذي لم أحمله.
وعلى الطفل الذي لم أره يمشي.
وعلى الرجل الذي مات وهو يناديني أمي في رسالة.
بقي أبو فهد عند الباب.
وقد أحسن.
لو اقترب، لكرهته.
ولو ذهب، لكرهته أيضًا.
وحين استطعت التنفس، سألت
كيف انتهى داخل النعش؟
جلس أبو فهد أمامي.
عبدالله مات هنا قبل ثلاثة أيام. الطبيبة كتبت شهادة الوفاة باسمه الحقيقي. لكن فهد وسعود لم يكونا يعرفان أنني خرجت من البيت. دخلا المكتب ليلًا. ظنا أنني أنا الميت على السرير لأن عبدالله كان يشبهني كثيرًا. نحيفًا، ملتحيًا، ومغطى. أبو راشد تركهم

يظنون ذلك.
تركت ابني يُدفن باسمك؟
لم يكونوا سيدفنونه. كانوا يريدون حرق الجثمان بسرعة في اليوم التالي، حتى تختفي الأدلة.
جففت الغضب دموعي.
نعود اليوم.
نعم.
وهذه المرة لا ترسل لي رسائل كأنك شبح. هذه المرة تمشي معي.
أومأ أبو فهد.
وصل المحامي مروان الحربي قبل الظهر، رجل قانون قديم وصديق لأبو فهد. كان يحمل نسخًا مصدقة، وتسجيلات، وفحوصات نسب، والوصية الحقيقية، وذاكرة إلكترونية فيها أدلة.
أم فهد قال أبناؤك لم يحاولوا فقط التلاعب بالوصية. هناك مؤشرات على إعطاء مواد مهدئة، وتزوير مستندات، ومحاولة السيطرة على أموالك بحجة حالتك الصحية.
نظرت إلى أبو فهد.
والوصية؟
فتح مروان الملف.
البيت العائلي يبقى لكِ، تصرفًا وانتفاعًا كاملًا. والحسابات الأساسية كذلك. فهد وسعود كانا سيحصلان على نصيبهما بشرط ألا يحاولا الضغط عليكِ، أو إعلانك غير قادرة، أو تزوير مستندات، أو التدخل في إرادتك. وإذا فعلا ذلك، يُحرمان من أي منفعة إضافية منصوص عليها في الوصية.
قلت بصوت ثابت
لقد فعلوا.
قال مروان
إذن هم خسروا أكثر من المال.
وضعت رسالة عبدالله على صدري.
نعود.
رجعنا إلى الرياض قبل الغروب.
لم أعد مختبئة.
جلست مستقيمة في المقعد الخلفي، والعباءة السوداء مطوية في حقيبتي، وقلبي خراب لكنه ثابت.
عندما وصلنا إلى مكان تجهيز الجثمان، كان فهد يتحدث بعصبية مع المسؤول.
والدي أوصى بالإجراءات بسرعة قال أمي ليست في حالة تسمح لها باتخاذ قرار.
وكان سعود يتحدث في الهاتف.
نعم يا دكتور. بمجرد أن تعود، نعطيها المهدئ. هي تهذي.
دخلت.
أهذي بماذا يا ولدي؟
التفت سعود.
ابيضّ وجهه.
تقدم فهد نحوي بملامح قلق مصطنع.
يمّه، أين كنتِ؟ كنا بنموت من الخوف عليك.
ثم دخل أبو فهد خلفي.
انهار وجه فهد.
وتراجع سعود حتى اصطدم بإحدى باقات العزاء.
يبه
نظر إليهما أبو فهد كأنه يراهما لأول مرة.
كم كنتم مستعجلين على إنهائي.
فتح فهد فمه، لكن لم يخرج منه صوت.
تحدث المحامي مع المسؤول، فتوقفت كل الإجراءات فورًا.
المكان الذي كان قبل ساعات يطيع أوامر أبنائي بابتسامات باردة، صار الآن يطلب الهويات، والأوراق الرسمية، والموافقات.
وصلت الجهات المختصة دون ضجيج.
وحاول الطبيب المزيف الخروج من ممر جانبي، لكن أبو راشد أشار
—
إليه.
وفي حقيبته وجدوا وصفات طبية فارغة، وأدوية، وتقريرًا جاهزًا باسمي.
تدهور إدراكي شديد.
تحتاج إلى إشراف دائم.
غير مؤهلة لإدارة شؤونها المالية.
كدت أضحك.
ليس من الفرح.
بل من الرعب.
حتى شيخوختي أردتم تزويرها قلت.
اقترب فهد.
يمّه، أنتِ لا تفهمين. أبي كان سيحرمنا بسبب رجل غريب.
صفعته.
وساد الصمت.
عبدالله لم يكن غريبًا. كان ابني.
وضع سعود يديه على رأسه.
ذلك الرجل كان ميتًا.
لا. كان مخفيًا. مثل الحقيقة.
تقدم أبو فهد خطوة نحوهما.
أنتما اخترتما المال على أمكما.
ضغط فهد على أسنانه.
وأنت اخترت ميتًا على أبنائك الأحياء.
نظر إليه أبو فهد بحزن.
لا. أنتما اخترتما أن تصبحا أمواتًا في قلبي.
دُفن عبدالله في المزرعة باسمه الحقيقي.
لم يكن هناك عزاء كبير.
ولا رجال أعمال.
ولا معارف من قصور شمال الرياض.
ولا ورود فاخرة.
فقط نخيل، وتراب مبتل، والطبيبة التي اعتنت به، وأبو راشد، ومروان، وأبو فهد، وأنا.
وضعت ورودًا بيضاء فوق قبره.
سامحني لأنني تأخرت يا ولدي.
حرّكت الريح سعف النخيل.
لا شيء أكثر.
لكن هذه المرة، على الأقل، كان لابني أم تقف أمام قبره.
ثم بدأت المعركة القانونية.
تحول فهد وسعود إلى ملفات.
تزوير.
احتيال.
محاولة استيلاء على ممتلكات.
عنف مالي.
إعطاء مواد دون علم.
ومحاولة التحكم في أهليتي وقراراتي.
تعلمت كلمات لا تتمنى أي أم أن تتعلمها بسبب أبنائها.
قُرئت الوصية الحقيقية في مكتب قانوني بالرياض، بحضور محامين، ومستندات، وأبنائي جالسين أمامي كرجلين ما زالا يظنان أن الحقيقة قابلة للتفاوض.
قرأ مروان
كل تصرف يهدف إلى الضغط على زوجتي نورة، أو تقييد إرادتها، أو إعطائها مواد دون علمها، أو إدارة أموالها رغمًا عنها، أو تقديم تقارير طبية غير صحيحة بشأنها، يُعد سببًا لإلغاء أي منفعة إضافية ممنوحة للطرف المتسبب في ذلك.
شد فهد فكه.
وبدأ سعود يبكي.
يمّه، أرجوك
لم أرد.
أكمل المحامي
وتُخصص نسبة من المال لإنشاء مؤسسة عبدالله بن عبدالعزيز الخيرية، لدعم علاج الأطفال المصابين بأمراض القلب في المناطق المحتاجة داخل المملكة.
أغمضت عيني.
عبدالله لم تصل إليه مساعدتنا في الوقت المناسب.
ربما تصل إلى أطفال آخرين.
وحين انتهت القراءة، وقف فهد.
أخذتم منا كل شيء.
أجاب أبو فهد، وهو جالس بجانبي
لا. أنتم أفرغتم أنفسكم بأيديكم.
فهد لم يطلب مني السماح أبدًا.
أرسل محامين.
وأرسل تهديدات.
وأرسل رسائل يقول فيها إن أبو فهد يسيطر عليّ.
كنت أضع كل شيء في ملف دون أن أقرأ أكثر من سطرين.
أما سعود، فقد عاد.
بعد أشهر، ظهر في حديقة البيت، أنحف من قبل، بلحية مهملة، وباقة ورد اشتراها بدافع الندم.
استقبلته في الخارج.
ليس في الصالة.
يمّه قال فهد ضغط عليّ.
قلت له بهدوء
أنت كنت رجلًا بالغًا قبل أن يتعلم أخوك الكذب بإتقان.
أخفض رأسه.
سامحيني.
نظرت إليه كما تنظر الأم إلى ابن ما زالت تحبه، لكنها لم تعد قادرة على إنقاذه.
السماح لا يعيد المفاتيح.
بكى.
أعرف.
إذن ابدأ بأن تعرف ذلك بصدق.
لم أحتضنه.
ولم أطرده.
أحيانًا لا تعرف الأم هل هذا رحمة أم تعب.
أنا وأبو فهد لم نعد كما كنا.
كيف نعود؟
هو أنقذني من أبنائي.
لكنه أخفى عني ابني الأول.
جعلني أبكيه حيًا، ويدفن عبدالله تحت اسم غير اسمه.
نمنا في غرفتين منفصلتين لشهور.
بيت شمال الرياض، بجدرانه العالية وأشجاره المرتبة، لم يعد يبدو فخمًا.
صار يحمل رائحة قهوة مشبوهة، وأسرار، وأدراج فُتحت بأيدٍ طامعة.
غيّرت الأقفال.
رميت الفنجان الذي كان قرب العبوة.
واحتفظت بالمكتب الخشبي.
كل صباح كنت أضغط على زاوية

المخبأ السري، رغم أنه صار فارغًا، لأتذكر أن على المرأة أن تعرف أين تحفظ حقائقها.
في إحدى الليالي وجدت أبو فهد في الحديقة.
قال
لا أستحق أن تبقي.
جلست بجانبه.
لم أبقَ لأنك تستحق. بقيت لأن ثلاثة وأربعين عامًا لا تختصرها كذبة واحدة. لكنها أيضًا لا تُشفى بحقيقة واحدة.
بكى.
عبدالله كان يشبهك.
أعرف.
كان يجب أن آخذك إليه.
نعم.
كان يجب أن أخبرك.
نعم.
هل ستسامحينني يومًا؟
نظرت إلى أضواء البيت الباردة خلف الأشجار.
ربما في اليوم الذي أتوقف فيه عن الاستيقاظ وأنا أدفنك مرتين.
لم يقل شيئًا.
وقد أحسن.
افتتحت مؤسسة عبدالله أول عيادة متنقلة لها بعد عامين.
ذهبنا إلى قرى بعيدة، حيث كانت الأمهات ينتظرن طويلًا وهن يحملن أطفالهن. رأيت طبيب قلب يفحص طفلًا صغيرًا بينما كانت أمه تتمتم بالدعاء.
أمسكت يدها.
نحن هنا قلت لها.
وشعرت أن عبدالله كان هناك أيضًا.
مات أبو فهد فعلًا بعد خمس سنوات.
دون نعش مغلق.
دون تمثيل.
دون رسائل من أرقام مجهولة.
ودون أبناء يتظاهرون بالبكاء.
ودعته بحزن نظيف.
ليس كاملًا.
لكنه نظيف.
وضعت وردة فوق قبره وقلت
هذه المرة أعرف أين أنت.
ثم ذهبت إلى قبر عبدالله ووضعت وردة أخرى.
أم لابن مسروق.
وزوجة لرجل أنقذني وجرحني.
وناجية من ابنين حيّين تعلما متأخرًا أن الأم ليست توقيعًا مرتجفًا على ورقة.
اليوم عمري ثمانون عامًا، وما زلت أعيش في بيتي.
وفي المكتب، ما زال المكتب الخشبي في مكانه.
داخل المخبأ السري لم أعد أضع وصايا.
أضع رسائل.
رسالة عبدالله.
ورسالة من أبو فهد يطلب فيها السماح.
ورسالة مني، كتبتها لليوم الذي أغيب فيه.
تبدأ هكذا
إلى من يحاول أن يقرر عني حين لا أستطيع الكلام نورة لم تكن أرملة مرتبكة، ولا أمًا سهلة المحو، ولا امرأة مسنة تنتظر الإذن كي تعيش.
أحيانًا يهتز هاتفي في المساء، فيمر البرد في جسدي.
أتذكر الجنازة.
الإمام يدعو.
فهد وسعود قرب النعش.
والرسالة
أنا حي. لا تثقي بهما.
ظننتها مزحة قاسية.
كانت عودة مؤلمة من الموت.
لكنها كانت الباب أيضًا.
اكتشفت أن زوجي لم يكن في ذلك النعش.
واكتشفت أن ابني الضائع كان موجودًا.
واكتشفت أن أبنائي الأحياء قادرون على التصرف كغرباء.
واكتشفت شيئًا آخر
أن المرأة قد تبكي أمام صندوق مغلق، ومع ذلك تملك القوة لتفتح مكتبًا، ووصية، وكذبة، وحياتها كلها.
ترك لي أبو فهد تحذيرًا.
وترك لي عبدالله رسالة.
وترك لي فهد وسعود ندبة.
لكنني تركت لنفسي شيئًا أهم
قرار ألا أطيع من يسمّون سجني رعاية.
لذلك، حين يسألني أحد كيف نجوت من تلك الجنازة، أقول دائمًا الشيء نفسه
لم يكن السبب أن أبو فهد كان حيًا.
بل لأنني أنا أيضًا استيقظت.
في جنازة زوجي، وبينما كان أبنائي يقفون بجوار النعش يتظاهرون بالحزن، وصلتني رسالة غامضة تقول أنا على قيد الحياة… لا تثقي بهما. ظننت في البداية أنها مزحة ثقيلة لا تليق بهذا الموقف… لكن الرسالة الثانية حملت صورة لمكتب أبو فهد وقالت هنا أخفيت الوصية الحقيقية. اهتز هاتفي بين يدي في اللحظة نفسها التي كان الإمام يردد فيها آخر الدعوات. كنت أقف أمام نعش أبو فهد، زوجي منذ ثلاثة وأربعين عامًا، أرتدي عباءتي السوداء وقد أخفى النقاب نصف وجهي، بينما كانت ساقاي ترتجفان من شدة الصدمة. كان ابناي، فهد وسعود، يقفان إلى جانبي. هادئين أكثر من اللازم. مرتبين أكثر من اللازم. ومتماسكين أكثر مما ينبغي لرجلين فقدا والدهما قبل ساعات. كانت الرسالة من رقم مجهول. أم فهد… لا تبكي على ذلك الجسد. أنا لست هناك. شعرت وكأن الهواء انقطع من حولي. نظرت إلى النعش المغلق. وشعرت بضربة قوية في صدري حتى اضطررت إلى الإمساك بأحد المقاعد حتى لا أسقط. كتبت بأصابع مرتجفة من أنت؟ جاء الرد سريعًا. أنا أبو فهد. لا تثقي بأبنائنا. كاد الهاتف يسقط من يدي. التفت فهد نحوي. يمّه… كل شيء بخير؟ ضممت الهاتف إلى صدري بسرعة. نعم… فقط أشعر بدوار بسيط. ابتسم لي. لكنها لم تكن ابتسامة ابن. كانت ابتسامة شخص يتأكد من أن الباب أُغلق بإحكام. اقترب سعود وأمسك بذراعي. بعد العزاء بنرجع البيت يا يمّه. ما ينفع تجلسين لحالك. ما ينفع. لم يكن سؤالًا. بل أمرًا. خلال العزاء، كان الجميع يقترب مني. يعزّونني. يقولون الله يرحمه. كان رجلًا طيبًا. أبناؤك بيقفون
—
معك. كنت أومئ برأسي فقط. لكن داخلي كان يردد جملة واحدة لا تثقي بأبنائنا. قالوا إن أبو فهد توفي إثر أزمة قلبية مفاجئة داخل مكتبه في الشركة. لكنني لم أكن هناك. فهد اتصل بي عند الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة مساءً. يمّه… أبوي توفى. وعندما وصلت، كانت سيارة الإسعاف موجودة. والأوراق جاهزة. وشركة تجهيز الجنائز بانتظارها خارج المبنى. كل شيء كان سريعًا جدًا. مرتبًا أكثر مما يجب. والآن هناك من يرسل لي رسائل من وراء الموت. في تلك الليلة، عندما عدنا أخيرًا إلى منزلنا الكبير في شمال الرياض، شعرت أن المكان لم يعد منزلي. الإضاءة خافتة. وصورة أبو فهد ما زالت معلقة في الصالة. ونظارته فوق الطاولة. وبجانبها فنجان القهوة الذي شرب منه صباح اليوم السابق. جلس فهد وسعود لبعض الوقت. فتحا بعض الأدراج. أجريا عدة اتصالات. وتحدثا بصوت منخفض قرب المطبخ. وعندما ظنا أنني لا أسمع، قال سعود لازم ننهي الموضوع قبل ما تبدأ تسأل. رد فهد بكرة أجيب الدكتور. مع الحزن وعمرها بيكون الموضوع سهل. تجمدت يداي. لم أفهم كل شيء. لكنني فهمت ما يكفي. وعندما غادرا أخيرًا، أغلقت الباب بالمفتاح مرتين وصعدت إلى مكتب أبو فهد. كانت رائحة الخشب الفاخر والتبغ تعبق بالمكان. ورائحته ما زالت هناك. اهتز هاتفي مرة أخرى. وصلت صورة. صورة مكتبه. المكتب الخشبي الكبير الذي كان يحتفظ فيه بالعقود والصكوك والوثائق المهمة. كان هناك دائرة حمراء تشير إلى أسفل إحدى الزوايا. وتحتها رسالة جديدة اضغطي على الزاوية اليسرى. لا تفتحي شيئًا أمامهما. جثوت على ركبتي. وأنا أرتجف. مررت أصابعي على الخشب. وضغطت. طَق. انفتح درج سري. لم أجد مجوهرات. ولا أموالًا. بل وجدت رسالة مطوية. وذاكرة إلكترونية. ومظروفًا أصفر يحمل اسمي. أم فهد… هكذا بدأت الرسالة. وعرفت خطه فورًا. فشعرت أن قلبي انكسر. إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنهم حاولوا إبعادي عن الطريق. فهد وسعود ليسا كما تظنين. سمعت حديثهما عن التأمينات والاستثمارات والأملاك. وسمعتهما يسألان كم سيستغرق القضاء لإعلانك غير قادرة على إدارة شؤونك إذا غبت أنا. وضعت يدي على فمي حتى لا أصرخ. وأكملت القراءة. لا توقعي على أي ورقة. لا تأكلي أي شيء يقدمانه لك. ولا تصدقي الوصية التي سيعرضانها عليك. الوصية الحقيقية مخبأة في مكان لا يعرفه سواك. وفي تلك اللحظة سمعت صوتًا في الأسفل. سيارة توقفت أمام المنزل. أطفأت المصباح فورًا. ونظرت من النافذة. كانا ابنيّ. عادا مجددًا. كان فهد يحمل كيسًا من المخبوزات. وسعود يحمل علبة قهوة. وخلفهما رجل يرتدي معطفًا طبيًا أبيض. ضممت الرسالة إلى صدري. رن جرس الباب. مرة. مرتين. ثلاث مرات. يمّه… إحنا رجعنا. جبنا لك عشاء. لم أرد. اهتز هاتفي من جديد. رسالة جديدة. لا تفتحي لهما. بقيت جامدة في مكاني. وفي الأسفل بدأ سعود يطرق الباب بقوة أكبر. يمّه… لا تصعبين الأمور. الدكتور فقط يريد الاطمئنان عليك. تغير صوت فهد. لم يعد هادئًا. نورة… افتحي الباب. نورة. لم يقل يمّه. بل نورة. اتجهت نحو غرفتي وفتحت الخزنة الصغيرة التي كان أبو فهد يحتفظ فيها بمسدسه. لم أكن أجيد استخدامه. لكن مجرد الإمساك به منحني شجاعة افتقدتها ساقاي. وفجأة وصلت رسالة جديدة. اخرجي من باب الخدمة. السائق القديم ما زال وفيًا. اتسعت عيناي. السائق القديم؟ أبو راشد؟ لقد عمل مع أبو فهد أكثر من عشرين عامًا قبل أن يقوم فهد بطرده قبل شهرين دون تفسير. نزلت عبر الدرج الخلفي بهدوء. وفي الخارج كان ابناي ما يزالان يحاولان فتح الباب الرئيسي. ثم سمعت صوت زجاج يتحطم. كانا سيدخلان. عبرت المطبخ. وعلى الطاولة كان فنجان القهوة الأخير لأبو فهد. وبجانبه شيء لم ألاحظه من قبل. عبوة صغيرة فارغة مخبأة خلف وعاء السكر. أمسكت بها. كانت رائحتها مرة. غريبة. مخيفة. هز هاتفي مرة أخرى. هل رأيتِ ما استخدموه؟ غمرت الدموع عيني. وكتبت أين أنت؟ هذه المرة تأخر الرد. وفي الوقت نفسه بدأت خطوات ابنيّ تتردد داخل المنزل. يمّه! صرخ سعود لا نريد إخافتك، لكنك متوترة ولا تعرفين ما تفعلين. ركضت نحو باب الخدمة. فتحته. وفي الشارع المظلم كانت تقف سيارة أجرة قديمة وأضواؤها مطفأة. أنزل السائق النافذة. كان أبو راشد. اركبي يا أم فهد. أبو فهد طلب مني أجي إذا صار شيء. شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي. أنت تعرف أين زوجي؟ لم يجب. واكتفى بالنظر نحو المنزل. وفي تلك اللحظة خرج فهد إلى الفناء الخلفي. ورآني. يمّه! توقفي! ركبت السيارة. وانطلقت بسرعة. وبينما كان المنزل يبتعد خلفنا، اهتز هاتفي للمرة الأخيرة تلك الليلة. وكانت الرسالة تقول الجزء الثاني.. سيكشف أن الحقيقة وراء اختفاء أبو فهد لم تكن كما اعتقد الجميع، وأن الرسالة التالية ستقلب حياة نورة وأبنائها رأسًا على عقب.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى