
يابا ليش اسمها هي مكتوب كوريثة رئيسية؟
قال سامر كلمة هي وكأن زينب بقعة على الطاولة.
بقيت زينب واقفة في مكانها، وهي تضغط كيس الخبز الساخن إلى صدرها.
همست
عمي يوسف، أنا ما كنت أعرف شيئًا.
قلت لها
لهذا أنتِ هنا.
ضحكت ريم ضحكة متوترة.
يابا، أنت تعبان. أكيد ما فهمت شنو كتب لك الكاتب بالعدل. زينب بنت طيبة، نعم، لكنها ليست من دمنا.
دفع كريم علبة الحذاء نحوي وقال
يابا، لا تعصب. إحنا جايين ناخذك. تعال تعيش عندي، والله جد. حتى أگدر أخلي لك طاولة خاصة بالمطعم.
نظرت إليه.
جنب الجبن والقيمر مال القرية؟
تغيّر وجهه.
اقترب سامر من الأستاذ ناظم بابتسامة محامٍ يعرف كيف يلين الكلام.
أستاذ، والدي عمره ثمانية وستون سنة، وجاي من سفر طويل، ويمكن مو بوضع يسمح له يوقع على تصرف بهالحجم.
لم يرمش الأستاذ ناظم.
البارحة ما كنت قلقان على وضعه لما خليته بالشارع.
احمر وجه سامر.
هذا موضوع عائلي.
قال الكاتب
لا. الآن صار موضوعًا ماليًا وقانونيًا.
حاولت ريم أن تلمس كتفي.
ابتعدت عنها.
قالت
يابا، لا تكبر الموضوع. أنا استقبلتك.
قلت
من باب المطبخ.
كان عندي ضيوف.
وأنا كنت أسبب لكِ الإحراج.
خفضت نظرها، لكن لثانية واحدة فقط.
ثم عادت ريم كما أعرفها دائمًا، تلك التي تعلمت كيف تبكي دون أن تفسد مكياجها.
عندي أولاد يا أبي. أنت ما تعرف الضغط اللي أعيشه.
قلت
أفهم الضغط أكثر منكم أنتم الثلاثة مجتمعين. رأيت أمكم تلد دون تخدير. ورأيت محاصيل تضيع بسبب البرد. ورأيت أبقارًا تموت من العطش. ورأيت البنك يحاول أخذ الأرض مني. ومع ذلك، لم أخفِ أبي يومًا في غرفة الغسيل.
أخرج كريم نفسًا ساخرًا من أنفه.
خلص يابا. شكد تريد نعتذر؟ تريدنا نركع؟
قلت
لا.
أمسكت القلم.
توقف الثلاثة عن التنفس.
أريدكم أن تجلسوا وتسمعوا.
لم يجلسوا احترامًا.
جلسوا خوفًا.
كانت زينب ما تزال واقفة.
قلت لها
اجلسي يا بنتي. هذا الأمر يخصك أيضًا.
جلست ببطء، كمن يجلس على كرسي مستعار.
فتح الأستاذ ناظم ملفًا آخر.
عمي يوسف أنشأ صندوقًا ائتمانيًا لإدارة المال. المبلغ الناتج عن البيع لن يُسلّم كاملًا لأي شخص بشكل مباشر. سيتم تقسيمه إلى صناديق بشروط محددة الصحة، السكن، التعليم، الدعم المجتمعي، والورثة.
شدّ سامر فكه.
لا يستطيع أن يفعل ذلك دون استشارة مالية مناسبة.
رفع الأستاذ ناظم حاجبه.
لديه استشارة مالية مناسبة. لكنها ليست أنت.
نظرت ريم إلى الصفحة الأولى.
مؤسسة مريم العزاوي؟
حين سمعت اسم زوجتي، شعرت بشيء يخدشني من الداخل.
قلت
هكذا سيكون اسمها.
ضحك كريم.
مؤسسة؟ يابا، أرجوك. ستعطي مالنا للغرباء؟
مالنا.
ها هي الكلمة.
لم يقل مالك.
ولا مال الأرض.
قال مالنا.
قلت
نصف المال سيذهب إلى مؤسسة تقدم منحًا لأبناء الفلاحين، وعيادات متنقلة، ودعمًا لكبار السن الذين تُركوا وحدهم في القرى مثل قريتنا.
ضرب سامر الطاولة بأصابعه.
هذا عبث.
قلت
العبث أنني بعت بقراتي حتى أدرّسك القانون، فتستخدمه اليوم لتبحث كيف تسلبني إرادتي.
كان الصمت قاسيًا.
استقام سامر في جلسته.
أنا لم أسلبك شيئًا.
دفع الأستاذ ناظم ثلاث أوراق فوق الطاولة.
لدينا إثباتات لقروض لم تُسدد، ووثائق حاولت فيها تسجيل ضمانات على الأرض دون موافقة واضحة، ورسائل تسأل فيها عن كيفية بدء إجراء قانوني بسبب عدم أهلية المالك.
شحُب وجه سامر.
كانت مجرد استشارة قانونية.
قلت
كانت خطتك البديلة.
نظرت إليّ ريم بعينين واسعتين.
هل فتشت وراءنا؟
قلت
لا. أنتم تركتم أثرًا. هذا مختلف.
فتح الأستاذ ناظم ظرفًا آخر.
السيدة ريم حصلت خلال عشر سنوات على مساعدات بقيمة كبيرة، بين أقساط شقة، ومدارس، وبطاقات، وتحويلات مكتوبة تحت بند حالات طبية طارئة للأطفال. ولم يثبت وجود أي حالة طبية طارئة.
بدأت ريم بالبكاء.
أولادي ليس لهم ذنب.
قلت
نعم. لذلك هم موجودون في الوصية.
توقف بكاؤها فجأة.
أولادي؟
قلت
كل حفيد سيكون له صندوق تعليمي لا يستطيع أحد لمسه. لا يُستخدم للسفر، ولا للحقائب، ولا للمدارس التي يتعلمون فيها احتقار الرجل الذي يجلب الخضار.
غطت ريم وجهها.
هذه المرة لم أعرف هل كان ذلك خجلًا أم حسابًا.
نظر الأستاذ ناظم إلى كريم.
السيد كريم حصل على رأس مال لافتتاح المطعم، وأجرة لمدة ثمانية عشر شهرًا، وتحويلات لاحقة غير موثقة. كما أن جزءًا من المحل مرتبط بسند يحمل توقيع عمي يوسف، والتوقيع قيد الفحص.
نهض كريم.
هذا كذب!
قلت له
اجلس.
قال بعصبية
لا تحچي وياي كأني عامل عندك.
آلمني كلامه.
ليس لأجلي.
بل لأجل كل الرجال الذين عملوا معي يومًا تحت الشمس، بأيدٍ متشققة من حمل الأكياس، دون أن يهينوا أحدًا.
قلت
العامل الشريف يساوي أكثر من ابن ناكر.
أراد كريم الرد، لكن زينب تكلمت للمرة الأولى.
عمي يوسف لم يأتِ ليعاقبكم. جاء ليرى إن كان بقي أحد.
نظر إليها الثلاثة بكراهية.
انكمشت قليلًا، لكنها لم تخفض رأسها.
قالت
أنا رأيته في الكراج. كان محمومًا. اتصل بي لأنه لا يريد أن ينام على الكرسي. كنت في المناوبة، لكنني ذهبت إليه. أحضرت له خبزًا لأنني أعرف أنه حين يحزن لا يأكل.
لم يقل أولادي شيئًا.
لأن أحدًا منهم لم يكن يعرف هذا.
لم يكن أحد منهم يعرف كيف أشرب القهوة.
ولا أنني منذ ماتت أمهم لم أعد أنام على الجهة اليمنى من السرير.
ولا أن ركبتي اليسرى تؤلمني قبل المطر.
زينب كانت تعرف.
ليس لأنها تتقاضى أجرًا.
بل لأنها كانت تتصل.
ناولني الأستاذ ناظم ورقة أخرى.
عمي يوسف، قبل التوقيع يجب أن أسألك مرة أخرى هل تؤكد رغبتك في تعيين زينب حسين مديرة رئيسية لمؤسسة مريم العزاوي، ومستفيدة جزئية من الصندوق الشخصي،
وفق الشروط المذكورة؟
نهض سامر.
هذا تلاعب. هي استغلت رجلًا وحيدًا.
وقفت زينب أيضًا.
أنا لا أريد ماله.
قالت ريم بحدة
طبعًا تريدين. كل الذباب يأتي عندما يشم العسل.
شحُب وجه زينب.
أغلقت الملف ببطء.
كفى.
لم يكن صوتي عاليًا.
لكنه كان الصوت نفسه الذي أوقفت به ثورًا عند السياج يومًا.
صمتوا جميعًا.
قلت
زينب لم تطلب مني شيئًا. أبدًا. عندما مات أبوها، ساعدتها لأنه كان صديقي. وهي ردّت ذلك برعاية أمها حتى آخر يوم. ثم ذهبت لتدرس التمريض. لم تطلب مني دينارًا واحدًا. عندما لم أكن أستطيع ركوب الحافلة، كانت ترسل لي الدواء. عندما أنتم لا تردون، كانت ترد. عندما مرضت، هي من اتصلت بطبيب القرية. عندما سقط سقف المخزن، هي من أحضرت الشباب. وعندما ماتت أمكم، كانت الوحيدة التي بقيت ترفع الكراسي بعد العزاء.
احترقت عيناي.
وأنتم أخذتم أواني الطعام ورحلتم.
نظر كريم إلى الأرض.
وبكت ريم أكثر.
وشدّ سامر أسنانه.
إذًا قررت؟ ستحرمنا من الميراث بسبب اختبار سخيف؟
نظرت إليه طويلًا.
لم يكن سخيفًا. كان كريمًا. أعطيتكم فرصة أن تعاملوا الرجل الفقير الذي تظنونني إياه بكرامة. لم تستطيعوا حتى ليلة واحدة.
خفض سامر صوته.
يابا، فكر. نحن أولادك.
قلت
هذا ما ظننته طوال حياتي.
أمسكت القلم.
هذه المرة لم أتردد.
وقّعت.
يوسف العزاوي.
خرج خطي مائلًا، لكنه كان ثابتًا.
أطلقت ريم شهقة بكاء.
وشتم كريم بصوت منخفض.
أما سامر فبقي ينظر إلى التوقيع كأنه يستطيع محوه بالغضب.
وضع الأستاذ ناظم الختم.
كان صوت المعدن فوق الورق كأنه باب يُغلق.
قال
تم تثبيت الإجراءات رسميًا.
مال سامر نحوي.
ستندم.
تقدمت زينب خطوة.
لا تتكلم معه هكذا.
ضحك سامر.
والآن صرتِ أنتِ البنت الصالحة؟
قالت
لا. أنا فقط التي لم تتركه تحت المطر.
نهضت ببطء.
آلمتني ركبتي، لكنني لم أطلب مساعدة.
قلت
لم أترككم بلا شيء.
نظر إليّ الثلاثة.
عاد الأمل إلى وجوههم مثل كلب جائع.
قلت
كل واحد منكم سيحصل على مبلغ شهري يكفيه للعيش دون رفاهية إن احتاج فعلًا. أولادكم تعليمهم مضمون. ديونكم الشخصية لن تُدفع. أعمالكم لن تُنقذ. بطاقاتكم لن تُسدد. وإذا حاولتم رفع دعوى أو التزوير أو الضغط أو الاقتراب من زينب، تُفعّل بند الحرمان الكامل.
نظر إليّ سامر بكراهية صافية.
هذا كتبه شخص أراد إهانتنا.
قال الأستاذ ناظم
لا. كتبه شخص يعرفكم جيدًا.
ركل كريم علبة الحذاء.
ستبقى وحدك أيها العجوز.
نظرت إليه.
ولأول
—
مرة لم تؤلمني الجملة كما توقعت.
قلت
البارحة أخرجتني تحت المطر. جربت أن أكون وحدي وأنتم قريبون مني. الأمر ليس مخيفًا كما تظن.
اقتربت ريم وهي تبكي.
يابا، سامحني. أخطأت. كنت متوترة. زوجي طبقي جدًا، وأنت تعرف كيف يفكر.
قلت
وأنت تركت ابنتك تظن أن جدها هو الرجل الذي يجلب الخضار.
وضعت يدها على فمها.
أستطيع أن أشرح لها.
قلت
لا. ستعلّمينها. هذا مختلف.
أخذ سامر أوراقه.
الأمر لن ينتهي هنا.
قلت
لا. سينتهي بشكل أفضل.
خرجوا واحدًا تلو الآخر.
سامر أولًا، بخطوات محكمة.
ثم ريم، وهي تنهار نصف انهيار.
ثم كريم أخيرًا، دون أن يأخذ الحذاء.
وعندما أغلق الباب، ساد الصمت في مكتب الكاتب بالعدل.
وضعت زينب كيس الخبز فوق الطاولة.
عمي يوسف لم يكن عليك أن تفعل هذا.
قلت
كان عليّ.
أنا لست ابنتك.
قلت
لا. ولهذا لم تتصرفي يومًا كأنني مدين لكِ بشيء.
امتلأت عيناها بالدموع.
سيكرهونني.
قلت
هم يكرهون كل من لا يخدم مصالحهم.
تنحنح الأستاذ ناظم، متظاهرًا بمراجعة الأوراق ليمنحنا بعض الهواء.
فتحت كيس الخبز.
كان فيه خبز حار وكعك بسيط وقطعة حلوى أحبها.
سألتها
جلبتِ القطعة التي أحبها؟
مسحت زينب دموعها.
نعم لأنها المفضلة عندك.
كسرت الخبز بيدي.
ولأول مرة منذ وصولي إلى بغداد، استطعت أن أبتلع.
كانت الأيام التالية جحيمًا أنيقًا.
حاول سامر إيقاف الصندوق الائتماني بحجة عدم أهليتي.
طلب تقارير.
واتصل بأطباء.
وبحث عن أقارب بعيدين.
حتى حاول تقديم صور لي بملابس الفلاحين كدليل على تدهور حالتي العقلية.
لم يضحك القاضي، لأن القضاة لا ينبغي أن يضحكوا.
لكن الأستاذ ناظم أخبرني أنه رفع حاجبه.
ذهبت ريم إلى برامج إذاعية تقول إن ممرضة طامعة غسلت عقل والدها.
لم تذكر غرفة الغسيل.
ولم تذكر الحساء البارد.
ولم تذكر أنني سمعت مكالمتها.
أما كريم فنشر على مواقع التواصل صورة قديمة تجمعني به يوم افتتاح المطعم.
وكتب
أبي مصدر إلهامي.
وضع الناس قلوبًا وتعليقات.
لم أعلّق.
أرسل الأستاذ ناظم رسالة بسيطة
يرجى إزالة صورة عمي يوسف المستخدمة لأغراض تجارية دون موافقته.
حذفها خلال عشرين دقيقة.
ثم جاء الأسوأ.
أحفادي.
جاء سامر بأولاده إلى الفندق الذي كنت أقيم فيه، وأوقفهم أمامي وكأنهم شهود في محكمة.
قال
قل لهم يا أبي. قل لهم إنك لم تعد تحبهم.
نظر إليّ حفيدي الأكبر، ديار، وكان في الثالثة عشرة، بحيرة.
انحنيت بصعوبة.
قلت
أنا أحبكم منذ قبل أن أعرف وجوهكم. لذلك مدرستكم مضمونة، ومالكم أيضًا. لن يأخذه أحد منكم. حتى والدكم.
شد سامر أسنانه.
نظر إليه ديار.
وتغيّر شيء في عينيه.
الأطفال أطفال، لكنهم ليسوا حمقى.
أرسلت ريم تسجيلات صوتية وهي تبكي.
وأرسل كريم زهورًا.
وأرسل سامر تهديدات قانونية.
أما زينب، فلم ترسل شيئًا.
كانت تأتي بعد مناوباتها، تقيس ضغطي، وتحضر لي مرق دجاج، وتسألني
اليوم مشيت لو لا؟
أقول
شوي.
لا تكذب عليّ يا عمي يوسف.
ربع المسافة.
غدًا نصفها.
هكذا بدأت حياتي الجديدة.
ليس بالترف.
بل بالعلاج الطبيعي.
وبالمحامين.
وبالقهوة بلا سكر.
وبفتاة ليست من دمي تخبرني أنني لا أستطيع أكل الخبز الحلو كل يوم، حتى لو كنت أملك خمسة عشر مليارًا ومئتي مليون دينار.
افتُتحت المؤسسة بعد ستة أشهر في قرية بابل.
لم نقم حفلًا للأغنياء.
أقمنا طعامًا في ساحة المدرسة.
رز.
ولحم.
وشاي.
وكراسٍ بلاستيكية.
واسم مريم العزاوي على لافتة بيضاء.
كانت أول المنح لاثني عشر شابًا وشابة أبناء فلاحين، وفتاة تريد أن تصبح طبيبة
بيطرية، وولد يمشي ساعة ونصفًا ليصل إلى المدرسة.
واشترينا سيارة لنقل الأطباء إلى القرى البعيدة.
وأعدنا تأهيل النبع القديم.
ليس للشركة الاستثمارية.
بل للقرية.
وعندما سألني مدير الشركة لماذا لم أحتفظ بكل المال لنفسي، قلت
لأن الأرض لم تعلمني أن أخزن. علمتني أن أوزع البذور.
لم يفهم.
ولم يكن مهمًا أن يفهم.
جاء أولادي.
طبعًا جاءوا.
وصل سامر بنظارات سوداء ووجه رجل تطارده أطماعه.
وأحضرت ريم أحفادي، هذه المرة من المدخل الرئيسي للساحة.
أما كريم فارتدى وجه النادم، وعرض أن يتبرع بالطعام، لكنه فقد حماسه عندما عرف أنه لن تكون هناك صور صحفية.
لم أطردهم.
يتعلم الأب متأخرًا أن وضع الحدود لا يعني دائمًا إغلاق الباب.
أحيانًا يعني أن تسمح لهم بالدخول دون أن تسلمهم البيت.
أثناء الطعام، اقتربت حفيدتي سارة، تلك التي سألت إن كنت عامل التنظيف، وهي تحمل صحن رز ولحم.
قالت
جدي، ماما قالت إنك كنت تزرع القمح.
قلت
وما زلت أعرف.
تعلمني؟
تجمدت ريم.
نظرت إلى الطفلة.
متى أردتِ.
حتى لو اتسخت أحذيتي؟
شعرت بضحكة عالقة في صدري.
قلت
خصوصًا إذا اتسخت.
بكت ريم بصمت.
لم أقل لها شيئًا.
بعض الدموع تسقي، وبعضها يمسح المكياج فقط.
لم أكن أعرف بعد من أي نوع كانت دموعها.
اقترب سامر مني في نهاية الحفل.
قال
يابا.
قلت
أستاذ سامر.
آلمه ذلك.
لا تقل لي هكذا.
قلت
البارحة كنت شخصًا غير مؤهل في دعواك.
خفض رأسه.
سحبتها.
أعرف.
أخطأت.
لم أجب بسرعة.
فالمسامحة ليست عملة تُلقى لأن شخصًا نطق الكلمة الصحيحة.
سألته
لماذا أغلقت الباب في وجهي؟
ابتلع ريقه.
شعرت بالخجل.
مني؟
امتلأت عيناه بالدموع.
من نفسي عندما أكون مع أولئك الناس.
بدا ذلك صادقًا.
لم يكن كافيًا.
لكنه كان صادقًا.
قلت
إذًا ابتعد عن أولئك الناس، أو توقف عن التظاهر بأنك مختلف.
أومأ.
لم أحتضنه.
ولم أبتعد عنه أيضًا.
جاء كريم بعد ذلك، تفوح منه رائحة عطر غالٍ وندم رخيص.
يابا، بخصوص المطعم
قلت
أجبني عن سؤال واحد فقط.
أي شيء.
عندما قلت عني رجل من القرية هل كنت تخجل مني أم من نفسك؟
صمت.
ثم قال أخيرًا
من نفسي.
قلت
بدأت تتحسن. في السابق كنت ستكذب.
امتلأت عيناه بالدموع.
أقدر أعزمك على أكل يوم؟ بلا زبائن. بلا شركاء.
قلت
أفكر.
بالنسبة لكريم، كان هذا أكثر مما يستحق.
وبالنسبة لي أيضًا.
كانت ريم الأخيرة.
لم تطلب مالًا.
ولم تطلب السماح أمام الجميع.
فقط أعطتني كيسًا.
كان في داخله البطانية التي أعطتني إياها في شقتها.
مغسولة.
مطوية.
قالت
احتفظت بها لا أعرف لماذا.
قلت
لأنك كنت تعرفين أن ما حدث كان خطأ.
أومأت.
نعم.
سألتها
وغرفة الغسيل؟
انكسر صوتها.
لن يتكرر ذلك.
قلت
معي لا. لكن انتبهي ألا تفعليه مع أي شخص آخر.
بكت.
هذه المرة لم أقترب لأواسيها.
أن يشتغل الندم وحده هذا أيضًا نوع من الحب.
مرّت سنتان.
لم أمت.
وهذا خيّب أمل البعض.
كبرت المؤسسة.
تركت زينب المستشفى الخاص، وأصبحت مديرة برامج الصحة المجتمعية. لم تقبل سيارة فاخرة أبدًا. كانت تستخدم سيارة بسيطة وتقودها كأنها سرقتها.
عدت أعيش في القرية نصف الوقت.
والنصف الآخر أذهب إلى بغداد، لكنني لم أعد أطلب الإذن لدخول البنايات.
في الجادرية، صار الحارس الجديد يسلّم عليّ باسمي.
وفي الكرادة، استقبلتني حفيدتي سارة ذات مرة بحذاء مغطى بالطين لأنها زرعت نعناعًا في أصيص.
وفي المنصور، وضع كريم في قائمة الطعام طبقًا باسم قمح أبي.
قلت له إنه مالح.
فعدّله.
بدأ سامر يتولى قضايا كبار السن الذين سلبتهم عائلاتهم أموالهم.
لا أعرف هل فعل ذلك بدافع الذنب، أم الحيلة، أم التغير الحقيقي.
لكنني رأيته ذات مساء يجلس بجانب رجل عجوز بعقال قديم ويخاطبه باحترام.
كان هذا يكفيني لذلك اليوم.
لم يُشفَ كل شيء.
هناك جروح لا تُغلق، لكنها تتوقف عن النزف فوق الطاولة.
لم يستعد أولادي ثقتي كاملة.
وربما لن يستعيدوها أبدًا.
لكن أحفادي كسبوا شيئًا
فرصة أن يعرفوني قبل أن يحكي لهم الآخرون نسخة نظيفة ومزيفة عن جدهم.
في أحد أيام الأحد، في الأرض التي لم تعد لي، لكنها بقيت تفوح برائحة حياتي، وجدتني زينب جالسًا أمام النبع.
سألتني
هل ندمت؟
قلت
على البيع؟ لا.
على الاختبار؟
نظرت إلى الماء وهو يخرج بين الصخور.
قليلًا.
لماذا؟
قلت
لأن الإنسان أحيانًا يختبر وهو يتمنى أن يكون مخطئًا.
جلست بجانبي.
لكنك وجدت إجابات أيضًا.
قلت
نعم.
وكم تساوي تلك الإجابات؟
فكرت في سامر وهو يغلق الباب.
وفي ريم وهي تخفيني في المطبخ.
وفي كريم وهو يستدعي الحرس.
وفكرت في زينب وهي تأتي بخبز ساخن بعد مناوبة طويلة.
وفكرت في زوجتي مريم وهي تقول لي قبل سنوات
يوسف، لا تخلط الدم بالقلب. الدم يُورث، أما القلب فيُثبت.
قلت
تساوي أكثر من خمسة عشر مليارًا ومئتي مليون دينار.
ابتسمت زينب.
إذًا كانت الصفقة رخيصة.
ضحكت.
خرجت ضحكتي عجوزًا لكنها نظيفة.
في تلك الليلة، قبل أن أنام، أخرجت البطاقة البنكية من الشماغ، تلك التي كنت قد خبأتها يوم الرحلة.
لم أعد بحاجة إلى
—
إخفائها.
وضعتها في الصندوق الذي أحفظ فيه رسائل زوجتي.
وبجانبها وضعت عقد البيع، وصورة لأولادي الثلاثة وهم صغار، وصورة لزينب وهي توزع الدواء في إحدى القرى.
ليس لأقارن بينهم.
بل لأتذكر.
فالذاكرة أيضًا تحتاج إلى وثائق.
إذا متُّ يومًا، وكلنا سنموت حتى لو كان لدينا صندوق ائتماني، أريدهم أن يقرأوا ما كتبته في النهاية
لن يرث أكثر من يبكي عليّ، بل من لم يبعني وأنا حي.
وتحتها كتبت بخطي المائل
الأب لا يشتري الحب لكنه يستطيع أن يتوقف عن تمويل الاحتقار.
الآن أمشي أبطأ.
وأستخدم عكازًا.
وما زلت ألبس حذائي الريفي حين أشاء، رغم أن أولادي يصرون على شراء أحذية أنيقة لي.
أحيانًا أذهب إلى بغداد بملابس فلاح بسيط، لأن هذا ما كنت عليه، وما أنا عليه، وما أطعمني حين لم يكن أولادي يعرفون سوى الطلب.
والفرق الآن،
أنه إذا أغلق أحدهم الباب في وجهي، لم أعد أسأل نفسي ماذا فعلت خطأ؟
فقط أفتش كيسي القديم.
لم أعد أحمل فيه العقود.
أحمل خبزًا ساخنًا.
ولا أعطيه إلا لمن ينظر في وجهي قبل أن يسأل كم أملك.
بعتُ أرضي مقابل خمسة عشر مليارًا ومئتي مليون دينار عراقي، ثم ذهبت إلى بغداد بملابس فلاح بسيط لأختبر أولادي لكن أحدهم أغلق الباب بوجهي، والثانية أخفتني في المطبخ، أما الثالث فطلب من الحرس طردي وهو يقول طلّعوا هذا العجوز قبل لا يخوّف الزباين لم يكن أحد يعلم أن عقد البيع كان داخل كيس قديم أحمله بيدي ولم يكن أحد يعلم أنني في تلك الليلة سأقرر من سيرث كل شيء. اسمي يوسف العزاوي، وطوال ثمانية وستين عامًا كنتُ عجوز الأرض هكذا كانوا ينادونني في إحدى قرى بابل الرجل الذي يزرع القمح ويصلح الأسوار ويذهب إلى السوق بعقاله القديم وحذائه المغطى بالطين غادر أولادي الثلاثة إلى بغداد بمجرد أن استطاعوا ولم أَلُمْهم فأنا أيضًا حلمت يومًا بالهرب من الوحل والفقر دفعت لابني سامر دراسة الحقوق بعدما بعت عشر بقرات وساعدت ابنتي ريم على شراء أول شقة بعدما رهنت قطعة الأرض أما ابني الأصغر كريم، فافتتحت له مطعمًا في المنصور بالمال الذي كنت أجمعه لإجراء عملية في ركبتي وعندما ماتت أمهم، جاء الثلاثة إلى العزاء على عجَل. يابا، إذا احتجت أي شيء اتصل بينا لكنهم لم يتصلوا أبدًا كانوا لا يتذكرونني إلا عندما يحتاجون شيئًا. يابا، سلفني حتى أكمل الصفقة. يابا، ساعدني بقسط المدرسة. يابا، ابعث مبلغ بسيط وأرجعه الجمعة لكن الجمعة لم تكن تأتي أبدًا واصلت الزراعة حتى جاءت شركة استثمارية إلى القرية أرادوا أرضي ليس لأنها جميلةبل بسبب الماء تحت أرضي كان هناك نبع قديم اكتشفه المهندسون متأخرًا، بينما كنت أعرفه منذ طفولتي، لأن أمي كانت تغسل الملابس هناك، وأبي علمني ألا أبيع الأرض خوفًا أو طمعًا عرضوا مئتي مليون دينار رفضت خمسمئة مليون رفضت مليارًا رفضت مرة أخرى وعندما وضعوا خمسة عشر مليارًا ومئتي مليون دينار عراقي أمامي، لم أفكر في السيارات ولا القصور فكرت في أولادي وفي أحفادي وفكرت أنني ربما، إذا وصلت بالمال، سيحتضنونني أخيرًا ثم شعرت بالخجل من نفسي فالأب لا يجب أن يشتري الحب لذلك قررت أن أختبرهم وقّعت عقد البيع في مكتب الكاتب بالعدل في الحلة، ووضعت النسخ داخل كيس قديم، وخبأت البطاقة البنكية داخل الشماغ، ثم ركبت الحافلة إلى بغداد لم أحلق لحيتي ولم أغيّر ثيابي أردت أن أصل كما كنت دائمًا ذهبت أولًا إلى سامر كان يعيش في الجادرية داخل بناية فاخرة حتى الصمت فيها يبدو غاليًا منعني الحارس من الدخول. أريد أشوف ابني. اسمه؟ سامر العزاوي اتصل الحارس عبر الجهاز الداخلي وسمعت صوت ابني يقول أبوي؟ گله مو موجود تجمدت في مكاني قال الحارس بتوتر بس هو يعرفك أستاذ سامر ساد الصمت ثم نزل سامر بنفسه، يعدّل ربطة عنقه، وعلى وجهه ملامح خجل ليس لأنه كذببل لأنه رآني. يابا، شتسوي هنا بهاي الهيئة؟ جيت أسلّم عليك نظر حوله وكأنني فضيحة أمام سكان البناية. عندي ضيوف مهمين الليلة مو وقت مناسب. أريد أنام ليلة وحدة بس خفض صوته وقال أكو فنادق رخيصة قريب الكراج شعرت بأول طعنة، لكنني هززت رأسي فقط. زين يا ولدي لم يعانقني ولم يسأل إن كنت جائعًا بل أعطى الحارس بعض المال وقال جيبله تكسي لكنني لم آخذ المال وغادرت ماشيًا أما الثانية فكانت ريم استقبلتني في شقتها بالكرادة، داخل عمارة حديثة لا تشبه شيئًا من البيت الذي تربّت فيه نظر زوجها إلى حذائي المتّسخ ثم قال باستغراب هذا والدچ؟ابتسمت ريم بتوتر. إي بس لا تدقق ثم سحبتني بسرعة إلى باب المطبخ. يابا، اقعد هنا شوي صديقاتي جايين بعد شوي نظرت إليها طويلًا. تستحين مني؟تضايقت فورًا. لا تبدي بهالحچي إنت ما تعرف شلون الناس تفكر هسه مرت حفيدتي الصغيرة من أمامي وسألت ماما، هذا عامل التنظيف؟ولم تُصحّح ريم كلامها وضعت أمامي صحن حساء بارد وبطانية خفيفة. تگدر تنام بغرفة الغسالة الليلة في منتصف الليل سمعتها تتحدث بالهاتف. إي والله أبويه إجا فجأة مادري شيريد. إن شاء الله مو جاي يطلب فلوس، عبالي أحرج قدام زوجي نهضت قبل الفجر طويت البطانية وغادرت دون أن أوقظ أحدًا أما كريمفكان آخر أمل عندي مطعمه في المنصور كان مزدحمًا أضواء دافئة موسيقى هادئة وزبائن يضحكون وكأن الحياة لا تعرف التعب وحين رآني عند الباب، شحب وجهه. يابا مو هسه. بس جيت أشوفك. المطعم مليان. وأنا اشتغلت عمري كله حتى يوقف هذا المكان تغيّر وجهه. لا تسويلي إحراج هنا اقتربت شريكة المطعم، امرأة أنيقة تفوح منها رائحة العطر الغالي. خير أستاذ كريم؟ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال هذا رجال من القرية مرات يجيب جبن وقيمر للبيع شعرت بأن الهواء انقطع عن صدري رجل من القرية حتى كلمة أبي لم يقلها غطّت المرأة أنفها بخفة وقالت لا يدخل للصالة أشار كريم للحراس. طلعوه بره. كريم آني أبوك شد فكه بقسوة وقال وأنا صاحب هذا المكان لا تخرب عليّ شغلي أخرجوني تحت المطر والناس تنظر إليّ من خلف الزجاج أما ابنيفلم يخرج خلفي جلست على مقعد قرب شارع المنصور، والكيس القديم بين قدمي، وعقد البيع يبتل من طرفه ولأول مرة منذ سنواتبكيت ليس على المال بل لأنني اكتشفت أن أولادي دفنوني وأنا ما زلت حيًا عند السادسة صباحًا ذهبت إلى مكتب الكاتب بالعدل في بغداد كان الأستاذ ناظم ينتظرني وكانت هناك أيضًا زينب ابنة صديقي الراحل ممرضة شابة كانت تتصل بي كل يوم جمعة فقط لتسألعمي يوسف، متغدي لو بعدك؟وصلت مسرعة بملابس المستشفى، وعيناها متعبتان من المناوبة الليلية، لكنها كانت تحمل كيس خبز ساخن. عمي يوسف، إنت بخير؟ثم سألت مباشرة فطرت لو لا؟وهنا انكسر شيء داخلي بالكامل فتح الكاتب الملف وقال عمي يوسف، متأكد تريد تغيّر الوصية كاملة واسم الورثة؟كنت على وشك الإجابةلكن الباب انفتح فجأة دخل أولادي الثلاثة سامر ببدلته الأنيقة وريم بنظارتها السوداء وكريم برائحة عطره الغالي ووجهه المذعور واضح
أن أحدًا أخبرهم بأمر البيع اقترب سامر مني مبتسمًا لأول مرة منذ سنوات. يابا، ليش ما گلتلنا إنك بعت الأرض؟حاولت ريم احتضاني. يابه خفت علينا ووضع كريم علبة أمامي. جبتلك حذاء جديد حتى ما تبقى تمشي بهذني نظرت إلى الحذاء ثم نظرت إلى زينب، التي كانت ما تزال تمسك الخبز الساخن دون أن تفهم ما يحدث ناولني الكاتب القلم. عمي يوسف بقي توقيعك فقط اختفت ابتسامة أولادي فورًا نظر سامر إلى الاسم المكتوب أعلى الورقةوشحب وجهه. يابا ليش اسم زينب مكتوب كوريثة رئيسية؟ الجزء الثاني سيكشف لماذا اختار يوسف العزاوي تغيير الورثة في آخر لحظة، وماذا وجد أولاده داخل كيسه القديم بعد فوات الأوان.




