
سأضع الطين على عينيك ولن تكوني كفيفة بعد الآن
كاد فيكتور هيل أن يضحك حين سمع تلك العبارة.
فذلك الصوت لم يكن صوت طبيب
بل كان صوت فتى حافي القدمين يقف عند طرف حديقة قصره.
كان فيكتور واحدا من أثرى رجال المدينة.
يمتلك مستشفيات ويمول أبحاثا طبية ويعرف شخصيا كبار المتخصصين في العالم.
ومع ذلك فقد قالوا جميعا الشيء نفسه قبل أن يعيدوا ابنته إلى المنزل
لم يعد بوسعنا فعل شيء.
لهذا لم تعد إيزابيلا في غرفة مستشفى.
كانت مستلقية على كرسي متحرك تحت شجرة البلوط العتيقة في حديقة عائلة هيل المكان الذي كانت تحبه قبل الحادث.
كانت أشعة الشمس تلامس وجهها لكن عينيها ظلتا فارغتين ساكنتين.
كفيفة.
ومشلولة.
وقف فيكتور إلى جوارها ذراعاه متقاطعتان وقد بدا عليه الإنهاك والمرارة.
خلفهما كان طاقم المنزل يعمل بهدوء.
ومن بينهم ماريا عاملة التنظيف في المنزل.
امرأة عملت لدى عائلة هيل سنوات طويلة غير مرئية تقريبا مطيعة لا تتكلم إلا إذا طلب منها ذلك.
في ذلك العصر جاء ابن ماريا معها إلى العمل.
كان اسمه نوح.
كان يلعب بالتراب قرب أحواض الزهور حين التقطت أذناه كلمات الأطباء التي ما زالت تتردد في ذاكرة فيكتور
لا أمل في التعافي.
الضرر دائم.
استعدوا للحياة كما هي.
تقدم نوح خطوة إلى الأمام.
وقال الفتى
بصوت خافت
سأضع الطين على عينيها وستبصر من جديد.
ساد الصمت في الحديقة.
استدار فيكتور بسرعة وقد اشتدت ملامحه قسوة.
من سمح لهذا الطفل بالاقتراب من ابنتي قال بحدة.
هرعت ماريا إلى الأمام وقد غمرها الذعر.
أعتذر سيدي سأبعده فورا.
لكن إيزابيلا كانت الأسرع كلاما.
أبي همست.
دعه يبقى. صوته يبدو لطيفا.
قبض فيكتور على فكيه.
نظر إلى يدي الصبي المتسختين إلى ملابسه الممزقة إلى قدميه الحافيتين.
الطين.
بعد كل ما أنفقه من مال وكل ما تحطم من أمل بدا الأمر وكأنه سخرية.
قال فيكتور ببرود
هل تعلم كم طبيبا استعنت به
وكم أنفقت في محاولة إنقاذها
هز نوح رأسه.
أمي أخبرتني قال ببساطة.
قالت إن الأغنياء يثقون بالمال أكثر من الأمل.
تجمد فيكتور في مكانه.
كفى قال بحدة.
هذه ليست حكاية خرافية.
لكن إيزابيلا مدت يدها في الهواء دون أن ترى وهمست
أرجوك
تردد فيكتور.
لم يكن لديه ما يخسره.
خمس دقائق قال.
ثم تغادر.
جثا نوح على ركبتيه ومزج ماء نظيفا بتراب الحديقة ببطء وعناية.
هذا ليس سحرا قال بهدوء.
جدتي كانت تفعل ذلك.
سخر فيكتور قائلا
وهل كانت جدتك طبيبة
أجاب نوح
لا. كانت كفيفة.
توقف فيكتور فجأة.
فقدت بصرها بعد حادث تابع نوح.
قال الأطباء إنها لن ترى مجددا.
لكن طبيبا واحدا قال لها أن تلمس الأرض
لتتذكر
أن الألم لا يبدأ دائما من العينين.
بلطف شديد وضع الفتى الطين البارد على جفني إيزابيلا المغلقين.
لا تخافي همس.
تخيلي النور فقط.
لم يحدث شيء.
أدار فيكتور وجهه بعيدا خجلا من أنه سمح لنفسه بأن يصدق.
ثم شهقت إيزابيلا.
أبي
استدار فيكتور بسرعة.
أرى ظلالا قالت.
الأمر غير واضح لكنني أرى شيئا.
توقف قلب فيكتور للحظة.
استدعي الأطباء إلى المنزل.
أعيدت الفحوصات.
وأجريت الاختبارات من جديد.
لم يكن ما حدث معجزة خارقة لقوانين الطبيعة كما أراد بعضهم أن يصدق ولم يكن فعلا سحريا خرج عن حدود العلم والعقل. لم تهبط السماء بشيء استثنائي ولم تكسر قوانين الكون في تلك الحديقة الهادئة.
كان ما جرى أدق وأعقد من ذلك بكثير.
كان صدمة عصبية دقيقة من ذلك النوع الذي لا يظهر في صور الأشعة ولا يلتقطه الفحص السريع ولا يفهمه من يبحث عن النتائج السريعة.
نوعا من العمى الناتج عن صدمة نفسية عميقة حين يتعرض الإنسان لألم يفوق قدرته على الاحتمال فيقرر الدماغ بدافع غريزي أن يطفئ بعض مساراته الحسية حماية لصاحبه كأنه يقول إن الرؤية في هذه اللحظة أقسى من أن تحتمل.
ومع مرور الوقت ومع محفز غير متوقع ومع شعور مختلف لم يكن محسوبا في التقارير الطبية بدأ ذلك الدماغ نفسه يعيد ربط المسارات التي انقطعت.
ليس دفعة واحدة
ولا بثقة كاملة بل ببطء شديد وبحذر بالغ كما لو أنه يتعلم السير من جديد بعد سقوط طويل يختبر الأرض خطوة خطوة ويتراجع أحيانا ثم يتقدم.
كان الأمر أشبه بحوار صامت بين الجسد والنفس حوار لم تدركه الأجهزة لكن نتائجه بدأت تظهر شيئا فشيئا.
همس أحد الأطباء بدهشة صادقة وهو يراجع النتائج المتغيرة وقد بدت عليه الحيرة أكثر من الفرح
أحيانا الإيمان يحرك ما تعجز عنه الطبابة. لا لأنه بديل عنها ولا لأنه يناقضها بل لأنه يفتح بابا داخليا لم نكن نراه بابا لا تقاس مفاتيحه بالأرقام.
لم يكن التحسن سريعا ولم يكن سهلا ولم يكن مستقيم الخط.
لم يكن كاملا ولم يكن خاليا من التراجع والخوف والانتكاسات الصغيرة.
لكن خلال الأسابيع التالية بدأ بصر إيزابيلا يعود تدريجيا كما يعود الضوء قبل الفجر خجولا مترددا غير واثق من نفسه.
في البداية لم تكن ترى سوى أطياف باهتة
مساحات رمادية بلا حدود
ثم ظلالا تتحرك دون ملامح
أشكالا بلا أسماء
ثم خطوطا غير مكتملة
وألوانا خجولة لا تجرؤ على البقاء طويلا.
كانت الصورة تهرب منها كما تهرب الذكريات المؤلمة.
تظهر للحظة ثم تتلاشى ثم تعود بشكل مختلف.
لم يعد بصرها كاملا كما كان من قبل.
ولم تعد الحركة سهلة ولا الجسد مطيعا.
لكنه كان كافيا.
كافيا لترى ملامح أبيها حين يجلس إلى جوارها لساعات دون أن يتكلم.
كافيا لتفرق بين ابتسامته حين يحاول أن يكون قويا وقلقه حين يظن أنها لا تراه.
كافيا لتدرك للمرة الأولى منذ الحادث أنها لم تعد وحدها في العتمة وأن الظلام لم يعد مطلقا كما كان.
في تلك اللحظة بالذات لم تبك إيزابيلا.
بل أغمضت عينيها طويلا كأنها تخشى أن تفقد ما عاد إليها إن حاولت الإمساك به بقوة.
وعند تلك اللحظة فقط أدرك فيكتور الحقيقة الأخيرة التي ظل يتجاهلها سنوات طويلة حقيقة لم تكتب في أي تقرير ولم تناقش في أي اجتماع مجلس إدارة.
قبل سنوات وبقرار إداري بارد لا يحمل أي أثر إنساني كانت شركته قد أوقفت تمويل برنامج صغير لإعادة التأهيل العصبي بحجة أنه غير فعال ولا يحقق أرباحا واضحة ولا يظهر نتائج سريعة يمكن تسويقها.
وكان الطبيب الذي عالج جدة نوح جزءا من ذلك البرنامج.
لم يكن طبيبا مشهورا
ولا اسما يتردد في القاعات الكبرى
ولا وجها مألوفا على أغلفة المجلات الطبية.
لم يكن يتصدر المؤتمرات
ولا تحيط به عدسات الكاميرات
ولا تفتح له الأبواب بدافع
العلاقات أو النفوذ.
كان طبيبا عاديا في نظر العالم
لكنه كان يعرف شيئا لم تعرفه الأرقام
ولم تستطع الجداول المالية أن تحيط به.
كان يعرف أن بعض الجراح لا تعالج بالأدوات وحدها
وأن بعض العلل لا تشفى بالعقاقير فقط
وأن الإنسان ليس مجموعة مؤشرات حيوية تقاس وتقارن
بل كيان هش معقد يتأثر بما يقال له بقدر ما يتأثر بما يفعل له.
كان يعرف أن الألم حين يطول
يتحول إلى لغة داخلية
وأن الجسد قد يمرض دفاعا عن النفس
لا عجزا عنها.
كان العلاج الذي يقدمه ناجحا.
لم يكن سريعا
ولا مبهرا
ولا قابلا للتسويق بشعار جذاب.
لكنه كان حقيقيا.
صادقا في خطواته.
متدرجا في نتائجه.
يعتمد على الصبر أكثر مما يعتمد على الوعود.
غير أنه أهمل.
أقصي بهدوء.
ودفن تحت جداول مالية وتقارير أداء باردة
لأن أحدا لم ير فيه قيمة تستحق الانتظار
ولا ربحا يسجل في نهاية الربع المالي.
لم يكن القرار قاسيا في لغته
بل كان قاسيا في
أثره.
قرار إداري
اتخذ دون غضب
ودون كراهية
ودون أن ينظر أحد في عيون من سيتأثرون به.
وحين استدعى فيكتور ماريا ونوح إلى مكتبه
لم يكن المشهد كما اعتاد عليه العاملون.
لم يجلس خلف الطاولة العالية التي اعتاد أن تفصل بينه وبين الآخرين
لم يترك الكراسي تواجهه من الأسفل
بل تقدم خطوة ووقف أمامهما
على المستوى نفسه بلا حواجز.
كانت تلك الوقفة قبل الكلمات اعترافا صامتا.
وقال بصراحة لم يعهدها في نفسه من قبل
بصوت خال من التعالي
ولا يحمل أثر السلطة المعتادة
نظرت إليكما باستعلاء وكنت مخطئا.
لم أركما
لأنني كنت أظن أنني أرى كل شيء
ولأن المال جعلني أخلط بين الرؤية والبصر
وبين النفوذ والفهم.
لم يبرر.
لم يخفف من خطئه.
ولم يطلب تفهما.
ثم بدأ بالفعل لا بالوعود.
أعاد تمويل البرنامج الذي أغلق.
وأعاد الطبيب إلى عمله دون شروط تسويقية
ولا ضغط لتحقيق نتائج سريعة.
ووضع آليات تضمن ألا يرفض طفل بسبب
ضعف العائد
ولا تهمل حالة لأنها بطيئة التحسن
ولا يغلق باب لأن الأرقام لم تكن مغرية بما يكفي في نظر المستثمرين.
ظل فيكتور يملك المال كما كان.
وظل نفوذه قائما.
وظل اسمه حاضرا في عالم الأعمال.
لكن شيئا عميقا تغير في داخله إلى الأبد.
شيئا لم يكن مرئيا
ولا قابلا للقياس
ولا يذكر في السير الذاتية.
في ذلك اليوم
في حديقة منزله نفسها
حيث بدأ كل شيء
وحيث نطق فتى حافي القدمين بكلمات بدت ساذجة في ظاهرها
تعلم درسا لم تعلمه له المستشفيات
ولا الصفقات
ولا السلطة
ولا النفوذ.
تعلم أن القوة لا تعني دائما السيطرة
وأن المال لا يعني دائما الفهم
وأن الأسماء الكبيرة لا تملك وحدها حق الشفاء.
وتعلم أن بعض التغييرات الكبرى
تبدأ من أشخاص بالكاد نلتفت إليهم
ومن أصوات نميل إلى إسكاتها
ومن قلوب لم نمنحها فرصة أن تسمع.
وأن الشفاء في جوهره
ليس انتصارا للعلم على الألم
بل لقاء نادر بين الإنسان ونفسه.
وأحيانا
يأتي من أولئك الذين نرفض أن نراهم
لأننا اعتدنا أن ننظر إليهم من الأعلى
لا من القلب.




