Uncategorized

لن اتزوج

“لن أتزوج إلا من يهزمني في ساحة … ومن يعجز فليعد خائبًا ولو كان من سادة العرب!” جملة قالتها الميّاسة بثبات فزلزلت قلوب الفرسان، وجعلت أشراف قريش يقفون أمامها بين كبريائهم وخوفهم من الهزيمة.
في بوادي الحجاز ما بين مكة والمدينة كانت تعيش قبيلة كِندة بقيادة سيدها جابر بن الضحّاك، وكان له ابنة واحدة تُدعى الميّاسة، لم تكن مجرد فتاة جميلة بل كانت أسطورة تُروى، جمالها يخطف الأبصار، وقامتها كالسهم، وعيناها كحيلتان فيهما قوة وهيبة، حتى قال عنها الرواة إنها إذا أقبلت أبهرت، وإذا أدبرت أسرت القلوب دون أن تلتفت.
لكن ما ميّزها حقًا لم يكن جمالها فقط، بل قوتها وشجاعتها، فقد نشأت بين السيوف والرماح، تحفظ فنون القتال كما تحفظ الفتيات الزينة، حتى أصبحت تضاهي كبار الفرسان بل وتتغلب عليهم، ولذلك أقسمت ألا يكون زوجها إلا رجلًا يغلبها في ساحة الحرب، لا بالكلام ولا بالنسب بل بالسيف والرمح.
تقدّم لها ملوك وأشراف وفرسان من كل قبائل العرب، كلٌ يطمع في جمالها أو في التحالف مع قبيلتها، لكنها وقفت أمامهم واحدًا تلو الآخر وأسقطتهم في المبارزة، حتى صار اسمها يتردد في كل مجلس، وأصبحت حديث العرب من الشمال إلى الجنوب.
وصل خبرها إلى قريش، سادة الحرم وأهل مكة، فاجتمع كبارهم وقرروا الذهاب بأنفسهم، لا لشيء إلا ليثبتوا أن فرسانهم لا يُهزمون، وأنه لا يمكن لامرأة أن تغلبهم مهما كانت قوتها، فخرجوا إليها يتقدمهم أبو الحكم عمرو بن هشام ومعه كبار القوم.
استقبلهم جابر بن الضحّاك استقبال الملوك، ذبح لهم الذبائح وأكرمهم ثلاثة أيام كاملة، ثم سألهم عن مقصدهم، فقاموا يخطبون الميّاسة، كلٌ لنفسه أو لابنه، مؤكدين أنهم أهل الشرف والسيادة، وأن نسبهم وحده كفيل بأن يكون سببًا للقبول.
دخل جابر على ابنته ليخبرها، فوجدها كما هي دائمًا، لا تهتم بزينة ولا حديث، بل كانت تجلي درعها وتُعد سيفها كأنها تستعد لمعركة، فلما أخبرها بما جاء به القوم، رفعت رأسها بثقة وقالت نفس شرطها دون تردد: لا يملكني إلا من يغلبني في الميدان.
خرج جابر إليهم وأبلغهم، فاشتعل الحماس في صدورهم، واعتبروا الأمر تحديًا لا يمكن التراجع عنه، فأمر أبو الحكم الفرسان أن يستعدوا، وأن يكون اللقاء في صباح اليوم التالي، ومن يغلبها ينلها زوجة وشرفًا.
وفي الصباح لبس الفرسان دروعهم، وتقلدوا سيوفهم، وركبوا خيولهم المزينة، وخرجوا إلى الميدان في هيئة تليق بسادة قريش، بينما كانت الميّاسة تستعد بهدوء مختلف، ركبت جوادها “الجوال”، ووضعت خوذتها الحديدية، وأمسكت رمحها وسيفها، وصعدت ربوة عالية تطل على الميدان.
وقفت تنظر إليهم بثبات، لا خوف في عينيها، بل شيء من التحدي، ثم أنشدت بصوت قوي اخترق سكون المكان، كلماتٍ أعلنت بها أنها لا ترى فيهم إلا خصومًا، وأنها مستعدة لإسقاطهم جميعًا إن لزم الأمر.
ساد الصمت للحظة، ثم تقدّم أحد فرسان قريش، يضرب الأرض بحوافر جواده، ورفع صوته متحديًا، معلنًا أنه أول من سيواجهها، وأنه لن يعود إلا منتصرًا أو ميتًا، فاشتعلت الأنفاس وتجمّع الجميع ينتظرون لحظة الصدام.
انطلقت الخيول، وارتفعت الغبار، وتلاقى السيفان لأول مرة، فدوّى صوت الحديد في أرجاء الوادي، وكانت الضربة الأولى كفيلة بأن تُظهر أن ما سمعوه عن الميّاسة لم يكن مبالغة، بل حقيقة أخطر مما توقعوا.
توالت المبارزات، واحدًا تلو الآخر، وكل فارس يخرج بثقة يعود مهزومًا أو جريحًا، حتى بدأت نظرات القوم تتغير، من غرور إلى دهشة، ومن دهشة إلى قلق حقيقي لم يعهدوه من قبل.
لكن قبل أن يتقدم آخر فرسانهم، حدث شيء لم يكن في الحسبان، شيء جعل الميّاسة نفسها تتوقف للحظة، وكأن القدر قرر أن يغير مسار القصة كلها في تلك اللحظة تحديدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى