
ورثت عمارة عن جدي واكتشفت إن واحدة من السكان مش دفعت إيجار لمدة تلاتين سنة. لما حاولت أطردها، بصتلي بهدوء وقالت: “بصّي في دفاتر جدي القديمة.” رحت وبصيت… واللي لقيته خلاني أتجمد من الخوف.
ورثت العمارة بعد جنازة جدي بأسبوعين.
العمارة كانت قديمة لكن متينة، في منطقة هادية في القاهرة—١٢ شقة، طوب أحمر، النوع اللي الناس ما بيبقوش واخدين بالهم منه لأنه جزء من الخلفية. جدي، فؤاد المصري، كان صاحبها لعقود. الكل كان بيقول إنها من أذكى استثماراته.
لما خلصت أوراق الوراثة، عملت الحاجة اللي أي صاحب عقار مسؤول كان هيعملها: راجعت قائمة السكان.
وهنا لاحظت شقة 3B.
حسب السجلات، الساكنة—ماجدة لطفي—ماكنتش دفعت إيجار لمدة تلاتين سنة.
مش متأخرة. مش دفعات جزئية. ولا حاجة.
في الأول افتكرت إنها غلطة إدارية. ملفات ضايعة، برامج قديمة… لكن كل ما غصيت أكتر في الموضوع، كل ما الوضع بقى أغرب. كل الشقق التانية دفعت بانتظام. بس شقتها كانت فاضية من أي دفعات—عقود من السنين صمت تام.
حددت ميعاد للزيارة.
ماجدة فتحت الباب بنفسها. كانت في أواخر السبعينات، هادية، مرتبة، وعينيها صافية بتتفرج عليّ كويس. شقتها نظيفة وبسيطة، واضح إنها عايشة فيها طول الوقت.
“جيت عشان الإيجار”، قلت بأدب. “مافيش أي سجل لدفعك… من فترة طويلة.”
هزت راسها كأنها كانت متوقعة الكلام ده.
شرحت لها الوضع. المبنى اتغير ملكيته. محتاج أصلح السجلات أو أبدأ إجراءات الطرد.
هي ما جادلتش. ما خافتش.
بدل كده، بصتلي وقالت حاجة ماكنتش مستعد لها:
“بصّي في دفاتر جدك القديمة”، قالت بهدوء. “اللي كان بيكتبها بإيده.”
عبست وقلت: “دي مش جزء من السجلات الرسمية.”
ابتسمت ابتسامة بسيطة: “ماكانش مقصود بيها ده.”
ما كانش في صوتها أي تهديد. ولا تحايل. بس كان في كلامها يقين.
طلعت من عندها وأنا متضايق.
الليل جه وفضولي كسبني.
رحت أوضه جدي وفتحت الدولاب المقفول اللي ما لمستهش من بعد وفاته.
جوه كان فيه دفاتر جلدية، الصفحات صفراء من الزمن.
…ولما فتحت الجزء الخاص بشقة 3B
إيدي وقفت في الهوا.
ماكانش مكتوب “إيجار”.
كان مكتوب عنوان مختلف تمامًا، بخط جدي الواضح:
“شقة الحراسة.”
قلبت الصفحة بسرعة.
تواريخ… ملاحظات… وأسماء.
أول سطر كان من سنة 1994:
“ماجدة لطفي – ما زالت في مكانها. الحالة مستقرة.”
استغربت الكلمة. الحالة؟
كملت قراءة، ودقات قلبي بقت أعلى مع كل سطر.
“لا إيجار يُؤخذ.”
“الوجود ضروري.”
“في حال غيابها، يتم الإخلاء فورًا… وليس قبل ذلك.”
حسّيت بقشعريرة.
إخلاء إيه؟ ومن مين؟
قلبت الصفحات وأنا ببلع ريقي بالعافية.
وفي آخر الدفتر، كان في رسم تخطيطي للعمارة.
مش الشقق…
الأساسات.
فيه دايرة معمولة بالقلم الأحمر تحت شقة 3B، ومعاها جملة قصيرة:
“الشيء لا يتحرك طالما هناك من يتذكر.”
قفلت الدفتر بعنف.
ضحكت ضحكة عصبية وقلت لنفسي:
ـ خرافات راجل عجوز.
جدي كان بيحب الرموز والمبالغات.
لكن النوم ما جاش.
قعدت طول الليل أسمع أصوات العمارة:
خبط خفيف…
كأن حد بيمشي تحت الأرض.
تاني يوم نزلت للبواب، عم حسن.
راجل خدم مع جدي سنين طويلة.
سألته بهزار مصطنع:
ـ هو جدي كان بيهزر كتير ولا لأ؟
وشه شدّ فجأة.
قال بهدوء:
ـ ماكانش بيهزر يا بنتي… كان بيحرس.
حسّيت الدم بينسحب من وشي.
ـ بيحرس إيه؟
عم حسن بص نحية السلم، وبعدين وطي صوته:
ـ العمارة دي اتبنت على حاجة قديمة قوي.
أوي.
سكت شوية وبعدين قال:
ـ وجدك كان دايمًا يقول:
“طالما الست في 3B عايشة، إحنا في أمان.”
في اللحظة دي،
سمعت صرخة.
مش صرخة عالية…
صرخة مكتومة جاية من تحت البلاط.
جريت على شقة ماجدة.
خبطت بعنف.
فتحت بسرعة، وكأنها كانت مستنياني.
قبل ما أتكلم، قالت:
ـ قرأتي الدفاتر.
هزّيت راسي وأنا مرعوبة.
ـ إيه اللي تحت العمارة؟
نظرت وراها…
والشقة كانت أغمق من قبل، كأن النور نفسه بيخاف يدخل.
قالت بهدوء مرعب:
ـ مش “إيه”…
ـ مين.
وفي نفس اللحظة،
الأرض اهتزت هزة خفيفة،
والصوت رجع… أقرب.
ماجدة بصّتلي في عيني مباشرة وقالت:
ـ وجدك وعدني إني أفضّل هنا.
ـ وإنتي دلوقتي صاحبة الوعد.
سكتت ثانية، ثم أضافت:
ـ لو مش عايزة تدفعي تمن الطرد…
ـ اقفلي الدفتر… وانسي اللي شفتيه.
ومن تحت رجلينا،
جاء طرق…
ثلاث خبطات بطيئة.
كأن حد…
بيطلب الإذن يطلع.
…ولما فتحت الجزء الخاص بشقة 3B
إيدي وقفت في الهوا.
ماكانش مكتوب “إيجار”.
كان مكتوب عنوان مختلف تمامًا، بخط جدي الواضح:
“شقة الحراسة.”
قلبت الصفحة بسرعة.
تواريخ… ملاحظات… وأسماء.
أول سطر كان من سنة 1994:
“ماجدة لطفي – ما زالت في مكانها. الحالة مستقرة.”
استغربت الكلمة. الحالة؟
كملت قراءة، ودقات قلبي بقت أعلى مع كل سطر.
“لا إيجار يُؤخذ.”
“الوجود ضروري.”
“في حال غيابها، يتم الإخلاء فورًا… وليس قبل ذلك.”
حسّيت بقشعريرة.
إخلاء إيه؟ ومن مين؟
قلبت الصفحات وأنا ببلع ريقي بالعافية.
وفي آخر الدفتر، كان في رسم تخطيطي للعمارة.
مش الشقق…
الأساسات.
فيه دايرة معمولة بالقلم الأحمر تحت شقة 3B، ومعاها جملة قصيرة:
“الشيء لا يتحرك طالما هناك من يتذكر.”
قفلت الدفتر بعنف.
ضحكت ضحكة عصبية وقلت لنفسي:
ـ خرافات راجل عجوز.
جدي كان بيحب الرموز والمبالغات.
لكن النوم ما جاش.
قعدت طول الليل أسمع أصوات العمارة:
خبط خفيف…
كأن حد بيمشي تحت الأرض.
تاني يوم نزلت للبواب، عم حسن.
راجل خدم مع جدي سنين طويلة.
سألته بهزار مصطنع:
ـ هو جدي كان بيهزر كتير ولا لأ؟
وشه شدّ فجأة.
قال بهدوء:
ـ ماكانش بيهزر يا بنتي… كان بيحرس.
حسّيت الدم بينسحب من وشي.
ـ بيحرس إيه؟
عم حسن بص نحية السلم، وبعدين وطي صوته:
ـ العمارة دي اتبنت على حاجة قديمة قوي.
أوي.
سكت شوية وبعدين قال:
ـ وجدك كان دايمًا يقول:
“طالما الست في 3B عايشة، إحنا في أمان.”
في اللحظة دي،
سمعت صرخة.
مش صرخة عالية…
صرخة مكتومة جاية من تحت البلاط.
جريت على شقة ماجدة.
خبطت بعنف.
فتحت بسرعة، وكأنها كانت مستنياني.
قبل ما أتكلم، قالت:
ـ قرأتي الدفاتر.
هزّيت راسي وأنا مرعوبة.
ـ إيه اللي تحت العمارة؟
نظرت وراها…
والشقة كانت أغمق من قبل، كأن النور نفسه بيخاف يدخل.
قالت بهدوء مرعب:
ـ مش “إيه”…
ـ مين.
وفي نفس اللحظة،
الأرض اهتزت هزة خفيفة،
والصوت رجع… أقرب.
ماجدة بصّتلي في عيني مباشرة وقالت:
ـ وجدك وعدني إني أفضّل هنا.
ـ وإنتي دلوقتي صاحبة الوعد.
سكتت ثانية، ثم أضافت:
ـ لو مش عايزة تدفعي تمن الطرد…
ـ اقفلي الدفتر… وانسي اللي شفتيه.
الخبطات التلاتة اتكررت…
بس المرة دي أقوى.
دوم… دوم… دوم…
الحائط ورا ماجدة اتشقق شرخ رفيع، كأنه نفس بيتحبس جوه الطوب.
مسكت حافة الباب عشان ما أقعش.
قلت بصوت مبحوح:
ـ لو… لو مش حاجة، ليه محتاج حد “يحرسه”؟
ماجدة سابت الباب مفتوح، ولفّت تمشي جوه الشقة.
دخلت وراها غصب عني، رجليا كانت بتترعش.
الشقة من جوه ما كانتش زي قبل.
السقف أوطى.
الهوا أتقل.
وفي نص الصالة…
سجادة قديمة مرفوعة.
تحتها باب خشب صغير في الأرض.
باب قبو.
قالت وهي بتقعد على كرسي قديم:
ـ سنة 1961، كان في حفر هنا.
ـ لقوا حاجة ماكانش المفروض تطلع للنور.
ـ وجدك كان وقتها شاب… وأذكى من إنه يبلغ.
بلعت ريقي.
ـ حاجة إيه؟
ابتسمت لأول مرة ابتسامة ما فيهاش طيبة.
ـ ذاكرة.
قبل ما أفهم،
الأرض اهتزت بعنف.
والباب الخشب اتحرك…
لوحده.
طلع صوت…
مش زئير…
أنين طويل، متكسر، كأن آلاف الأصوات فوق بعض.
صرخت:
ـ اقفليه!
ماجدة وقفت، قربت من الباب، وحطت إيدها عليه.
الصوت هدي فورًا.
قالت:
ـ أنا مش بس ساكنة هنا.
ـ أنا… تذكير.
قربت مني وقالت بنبرة تقيلة:
ـ الشيء اللي تحت ده… كان بشر.
ـ اتدفن وهو حي.
ـ اتنسي.
جسمي كله اتجمد.
ـ وإيه اللي هيحصل لو اتنسى تاني؟
بصّتلي بنظرة خلت قلبي يقع:
ـ هو بيطلع… يدور على حد يفتكره.
ـ وبيفضل ياخد… لحد ما يشبع.
في اللحظة دي،
سمعنا صوت تكسير من شقة تحتنا.
صرخة جار…
وبعدين صمت مفزع.
مسكتني من دراعي بقوة غير متوقعة من ست في سنها:
ـ اسمعي كويس.
ـ أنا تعبت.
ـ وعمري خلص.
عيوني وسعت:
ـ إنتي عايزة إيه؟
قالت بهدوء قاتل:
ـ حد يكمل مكاني.
وقبل ما أرد،
فتحت درج وطلعت دفتر جديد…
جلده أحمر، فاضي.
حطته في إيدي.
الدفتر كان دافي…
كأنه بينبض.
قالت:
ـ أول ما تكتبي اسمك…
ـ هتعرفي كل حاجة.
ـ وهتقدري تسكتيه.
ومن تحتنا،
الباب الخشب اتكسر نصين،
وطلع منه نفس أسود…
وفيه وش…
بيحاول يفتكر اسمه.
ماجدة همست:
ـ القرار ليكي.
ـ يا تكتبي…
ـ يا العمارة كلها تبقى مقبرة.
إيدي كانت فوق الصفحة الأولى.
والقلم…
؟ 😈؟ 👀؟ 👀



