
🐺 أخذتني زوجتي وأنا أعمى إلى جبال كردستان، وتركتني جالسًا بين أشجار الصنوبر وهي تعرف أني مستحيل أعرف طريق الرجعة وحدي. وفي نفس الليلة، اقترب ذئب حتى يشم يدي… لكنه لم يكن قادمًا ليقتلني. 🐺
— انتظرني هنا يا جاسم. سأذهب لأجلب ماءً من الجدول.
كانت هذه آخر كلمة قالتها لي سعاد.
سمعت خطواتها تبتعد بين الأوراق اليابسة.
في البداية ببطء.
ثم أسرع.
ثم لا شيء.
لا شيء.
فقط هواء الجبال البارد، وصوت الأغصان وهي تحتك ببعضها، وعصاي تضرب الأرض في المكان الذي كنت أمشي فيه قبل سنوات بلا خوف، والفأس على كتفي، ويداي مليئتان بالقوة والحياة.
— سعاد؟ — صرخت.
أعادت الجبال صوتي إليّ.
— سعاااد!
صمت.
في تلك اللحظة فهمت.
زوجتي لم تضع الطريق.
هي تركتني.
جلست على جذع شجرة وأنا أمسك عصاي بكلتا يدي.
منذ ثلاث سنوات وأنا لا أرى.
في البداية كانت بقعة صغيرة.
ثم ظلال.
ثم أصبح كل شيء ظلامًا.
قال الطبيب في بغداد إنه لا يوجد علاج.
لكن العمى لم يكن هو الذي حطمني.
الذي حطمني هو تنهد سعاد كلما تعثرت بشيء.
الذي حطمني هو شعوري بها وهي تسحب يدها من يدي في الشارع حتى لا يراها الناس معي.
والذي حطمني أكثر هو الجملة التي سمعتها منها ذات يوم، وهي تظن أنني نائم:
— هذا الرجل لم يعد ينفع حتى لجلب الحطب.
ابتلعت ألمي وسكت.
لأن الإنسان عندما يصبح محتاجًا لغيره، يتعلم أن يخفي حتى الإهانة داخل قلبه.
في ذلك الصباح قالت لي أن نذهب إلى الجبل.
— تحتاج بعض الهواء يا جاسم.
وللحظة ظننت أنها ما زالت تحبني.
كم كنت ساذجًا.
مشينا كثيرًا.
أكثر من المعتاد.
أصبح الطريق صعبًا ومليئًا بالحجارة.
كانت رائحة الصنوبر قوية.
وصوت الطيور بعيدًا.
— هل سنرجع قريبًا؟ — سألتها.
— بعد قليل.
كان صوتها جافًا.
ثم أجلستني على جذع شجرة.
ورحلت.
هبط المساء عليّ مثل بطانية مبللة.
شعرت بالبرد.
وبالجوع.
وبالخوف.
حركت العصا وحاولت المشي.
لكن الجبل بالنسبة للأعمى لا يحتوي على طرق.
بل على أفخاخ.
تعثرت مرتين.
وتجرحت يداي.
ثم عدت إلى نفس الجذع بصعوبة.
وهناك بكيت.
ليس بصوت مرتفع.
بل كما يبكي الرجال الذين لم يعودوا يريدون إزعاج أحد حتى بألمهم.
— ربما معها حق — همست — ربما أصبحت عبئًا فعلًا.
وعندما حل الليل، تغير صوت الجبل.
لم تعد الطيور تغني.
بل بدأت الأغصان تتكسر.
وكان هناك شيء يتنفس بالقرب مني.
أول ما وصلني كانت الرائحة.
رائحة رطبة.
حيوانية.
برية.
ثم سمعت الخطوات.
ثقيلة.
وبطيئة.
تجمدت في مكاني.
وجعلني هدير منخفض أشعر أن الدم تجمد في عروقي.
— يا رب… — تمتمت.
اقترب الحيوان.
شعرت بأنفاسه الحارة على وجهي.
ثم شم يدي.
لم يعضني.
ولم يهاجمني.
فقط ظل يشم أصابعي وملابسي ودموعي.
رفعت كفي ببطء.
ولمست فراءً كثيفًا ودافئًا.
— هل أنت وحيد أيضًا؟ — سألته.
جلس الذئب إلى جانبي.
وبقي هناك طوال الليل.
ملتصقًا بساقي.
يمنحني الدفء.
وأنا أحدثه وكأنه يفهم كل كلمة.
أخبرته أنني كنت أنقل الحطب إلى القرية.
وأن الجميع كانوا يعرفونني ويسلمون عليّ.
وأن سعاد كانت تنظر إليّ بفخر.
وأن العمى حوّل بيتي إلى سجن.
وزواجي إلى دين ثقيل.
— أسوأ شيء ليس أن تفقد بصرك — قلت بصوت مكسور — أسوأ شيء أن ينظر إليك الشخص الذي وعد بحمايتك وكأنك لا شيء.
لم يتحرك الذئب.
فقط وضع رأسه على ركبتي.
وعندما أشرقت الشمس، وقف.
ظننت أنه سيرحل.
لكنه دفع يدي بأنفه.
ثم أمسك طرف سترتي بأسنانه بلطف، وكأنه يقول لي:
تعال.
— تريدني أن أتبعك؟
مشى الذئب خطوتين.
ثم توقف.
أمسكت عصاي.
ومشيت خلفه.
ليس باتجاه القرية.
وليس باتجاه بيتي.
كان يأخذني أعمق داخل الجبل.
وكل خطوة كانت تحمل رائحة أغرب.
تراب محفور.
دخان قديم.
ودم جاف.
وفجأة اصطدمت عصاي بشيء صلب.
انحنيت ولمسته.
كان كيسًا بلاستيكيًا مدفون نصفه في التراب.
فتحته.
فوجدت بداخله ملابس نسائية.
وصورة ممزقة.
وسوارًا أعرفه جيدًا.
كان سوار سعاد.
لكن الشيء الذي جمد الدم في عروقي لم يكن السوار.
بل أنني سمعت صوت زوجتي خلف الأشجار وهي تقول:
— قلت لك إذا وجدته ما زال حيًا، كان يجب أن…
الجزء الثاني.. سيكشف أن الحقيقة وراء ما جرى لجاسم في الجبل لم تكن كما اعتقد، وأن الكلمات التي سمعها من زوجته في تلك اللحظة ستقلب حياته رأسًا على عقب.




