أبدء

رجل اصم

في شتاءٍ قاسٍ من شتاءات شمال الأردن، كانت قرية وادي الريح تبدو كأنها مختبئة بين الجبال هربًا من العالم الثلج يغطي الطرق الترابية الضيقة،

والريح تعصف بين البيوت الحجرية القديمة، بينما يتصاعد دخان الحطب من المداخن الصغيرة كأنه أنفاس متعبة كانت القرية صغيرة لكنها تخاف كثيرًا فالرجال الذين يملكون القمح، والديون، والمخازن الزراعية، كانوا يملكون

أفواه الناس أيضًا وفي آخر طرف من أطراف القرية، جلست العروس الجديدة وحدها داخل بيتٍ باردٍ نصفه حجر ونصفه خشب كانت تحدق في النار المشتعلة داخل المدفأة، بينما تضم طرف عباءتها السوداء فوق صدرها كأنها تحتمي بها من شيء أكبر من البرد لم يكن يوم زفاف يشبه الأفراح لم

يكن هناك غناء ولا زغاريد حقيقية فقط رجال جلسوا داخل ديوان القرية يقرأون الفاتحة بسرعة، ثم تبادلوا نظرات ثقيلة قبل أن يغادر الجميع وكأنهم أنهوا صفقة لا أكثر حتى النساء اللواتي صافحنها قبل خروجها من بيت أبيها، لم يخفين همساتهن الحمد لله الذي سترها على الأقل وجدوا رجلًا يقبل بها حتى لو كان ذلك الأصم أغمضت عينيها للحظة ما تزال تسمع ضحكات

الرجال خارج الديوان عندما دخل هو طويلًا بشكل مخيف عريض الكتفين صامتًا وجهه قاسٍ كصخور الجبال، ولحيته كثيفة غير مرتبة، وعيناه ثابتتان بطريقة جعلت الأطفال يختبئون خلف أمهاتهم الرجل الذي يسمونه في القرية كلهاالوحش سمعت باب البيت يُفتح ببطء انتفض جسدها تلقائيًا دخل الرجل دون أن يُصدر صوتًا تقريبًا، يحمل فوق كتفه حزمة حطب مغطاة بالثلج لم ينظر إليها مباشرة ركع قرب المدفأة، ألقى الحطب داخل النار، ثم وقف ساكنًا لثوانٍ.بعدها أشار بيده نحو الغرفة الصغيرة في آخر البيت.
المطبخ بدأ يلف حولي كنت ما أزال ممسكًا بذلك الصحن، لكنني لم أعد أشعر بأصابعي. الرائحة الحامضة دخلت إلى صدري وقلبت معدتي. هذا لم يكن مجرد أكل بارد أو بقايا عادية كان فضلات طعام عظام مرق فاسد أشياء أي إنسان طبيعي كان سيرميها فورًا جاوبينيقلت بصوت لم يعد يشبه الأوامر، بل يشبه التوسل هذا اللي كنتِ تاكلينه من يوم رجعتي من المستشفى؟كانت زهراء تبكي وهي على ركبتيها مو كل يوموهذه الإجابة حطمتني أكثر لأنها لم تقل لا قالت مو كل يوم نزلت أمامها بسرعة أمي شنو كانت تعطيچ حتى تاكلين؟زهراء أغلقت شفتيها بخوف علي أرجوكشنو كانت تعطيچ؟نظرت نحو باب المطبخ بخوف، وكأن أمي قد تظهر بمجرد أن نذكر اسمها رز أحيانًا مرق أي شيء يبقى من الأكل. كانت تكول لازم ما نرمي النعمة وإن المرأة بعد الولادة مو لازم تتدلل بالأكل ارتفع صوتي دون أن أشعر وأنا كل شهر أعطيها فلوس حتى تشتري لج أكل زين!خفضت زهراء رأسها هي تشتريإذًا وين يروح؟بدأ جسدها يرتجف كانت تاخذه لبيت أخوك حيدر شعرت أن شيئًا ضغط على صدري بقوة لحيدر؟هزّت رأسها ببطء تكول مرت حيدر حامل وتحتاج تغذية أكثر وتكول إني صغيرة وأتحمل في تلك اللحظة شعرت أن شيئًا انكسر داخلي زوجة أخي كانت حامل في شهرها الرابع، نعم لكنني لم أكن أعلم أن أمي كانت تطعمهم من المال الذي أعطيه لزوجتي وابني وإنتِ؟ شنو كنتِ تاكلين؟نظرت إلى الصحن بصمت أي شيء يبقى وقفت فجأة ورميت الصحن بقوة على الأرض تحطم إلى قطع صغيرة المرق تناثر فوق البلاط، والعظام تدحرجت قرب قدمي وزهراء انتفضت بخوف آسفة والله آسفةلا تعتذرين كان صوتي يرتجف من شدة الغضب مو إنتِ اللي لازم تعتذرين في تلك اللحظة بدأ يوسف يصدر صوت بكاء ضعيف من الغرفة ليس بكاءً عاليًابل ذلك الصوت المتعب لطفل بكى أكثر مما نام وشعرت وقتها أنني أختنق لأسبوعين كاملين كنت ألوم زهراء لأنها لا تملك حليبًا لكن كيف سيخرج الحليب من جسد يتضور جوعًا؟كيف ستتعافى وهي تأكل طعامًا فاسدًا؟كيف ستحمل طفلها وهي بالكاد تستطيع الوقوف؟دخلت الغرفة بسرعة وحملت يوسف كان خفيفًا جدًا أخف مما يجب وجهه محمر من كثرة البكاء، وجسده الصغير يبحث عن الدفء في صدري عدت به إلى المطبخ وزهراء كانت ما تزال على الأرض تجمع قطع الصحن بيديها المرتجفتين اتركيه قلتها بهدوء لكنها لم تتوقف أمك راح تزعلوهذه الجملة كانت الصفعة الثانية هي لم تكن خائفة من الجوع ولا من المرض كانت خائفة فقط من غضب أمي نزلت قربها وأمسكت يديها كانتا باردتين جدًا زهراء اسمعيني. من اليوم ما راح أحد يهينچ داخل هذا البيت مرة ثانية رفعت عينيها نحوي بنظرة فيها أمل ضعيف كسر قلبي وفجأة سمعنا صوت دراجة بالخارج وصوت أمي تضحك وهي تصعد الدرج دخلت وهي تحمل أكياسًا بيديها، وتغني كأنها عائدة من عمل جميل لكن عندما رأتني واقفًا بالمطبخ، والأرض مليئة ببقايا الطعام، تغيّر وجهها فورًا ولم يكن فيه ذنب بل غضب شنو هاي الفوضى؟!صرخت بعصبية هسا مرتك قامت تكسر الصحون همين؟نظرت إليها طويلًا ولأول مرة في حياتيلم أرَ أمي رأيت امرأة جوّعت زوجتي وابني هذا اللي كنتِ تطعمين زهراء إياه؟عقدت حاجبيها بضيق لا تبالغ. هي مو مريضة خطيرة المرأة بعد الولادة تاكل أي شيء وتعيش كنتِ تعطينها أكل خربان لا تسوي سالفة من لا شيء اقتربت ونظرت إلى الأرض بازدراء الأكل كان زين بس مرتك مدللة زيادة شعرت أن الدم يغلي داخلي أنا أعطيچ فلوس حتى تطعمينها زين وأنا أصرف على البيت كله أي بيت؟ بيتي لو بيت حيدر؟سكتت ثانية واحدة فقط لكنها كانت كافية مرت حيدر حامل قالتها وهي ترفع ذقنها وتحتاج اهتمام أكثر. وبعدين هو أخوك وظروفه صعبة مو معقولة تبخل عليهم تجمدت مكاني تبخل عليهم؟أنا الذي أعمل لساعات إضافية حتى تأكل زوجتي جيدًا أنا الذي وثقت بها أنا الذي كررت كلامها ضد زوجتي مثل الأعمى أخذتِ أكل زوجتي وابني حتى تطعمين حيدر ومرته؟هذا أخوك وزهراء شتكون إلك؟نظرت أمي نحو زهراء باحتقار واضح دخلت هذا البيت ولازم تتعلم التضحية خفضت زهراء رأسها فورًا وهذه الصورة حطمت آخر شيء بقي داخلي زوجتي امرأة ولدت قبل أيام ضعيفة وجائعة تجلس بين بقايا الطعام الفاسد وتخفض رأسها للمرأة التي دمّرتها وضعت يوسف في حضن زهراء وخرجت من المطبخ مباشرة صرخت أمي خلفي علي! وين رايح؟لم أرد دخلت الغرفة وسحبت أكبر حقيبة موجودة بدأت أجمع ملابس زهراء حفاضات الطفل الأغطية الأدوية الفحوصات علب الحليب كل شيء دخلت أمي خلفي بعصبية لا تسوي دراما فارغة واصلت التوضيب دون أن أنظر إليها دا أحچي وياك!أغلقت الحقيبة ثم التفتُّ إليها أخيرًا إحنا طالعين من هذا البيت تغير وجهها فورًا علمود هاي؟علمود زوجتي. وابني. وعلمودي همين لأني ما أريد أبقى الابن اللي يدافع عن أمه وهي تدمر عائلته وضعت يدها على صدرها بصدمة أنا ربيتك!وأنا أحببتك لهذا السبب لكن هذا ما يعطيچ الحق تجوعين زوجتي محد كان راح يموت!نظرت إلى يوسف ثم إلى زهراء والمشكلة إنچ انتظرتِ لحد ما يقربون يموتون فعلًا رفعت يدها وكأنها تريد ضربي أو الإشارة نحوي لكنني لم أعطها
الفرصة
—
حملت الحقيبة، وساعدت زهراء على الوقوف، وخرجنا من الغرفة وأمي ما تزال تصرخ خلفنا أنني ناكر للجميل وأن زهراء فرقتني عن أهلي وأنني سأندم لكنني هذه المرة لم أتوقف عند الباب فقط التفتُّ إليها آخر مرة يمّه إذا تريدين تشوفين حفيدچ مرة ثانية، تعلّمي أولًا تشوفين أمه كإنسانة ثم فتحت البابوأخذت عائلتي وخرجت من ذلك البيت ذهبنا مباشرة إلى المستشفى ليس إلى بيت أهل زهراء ولا إلى فندق ولا حتى إلى بيت صديق إلى المستشفى مباشرة لأنني وأنا أقود السيارة، وزهراء في الخلف تحتضن يوسف بصمت، فهمت أخيرًا حجم الكارثة التي سمحت بحدوثها داخل بيتي زوجتي لم تكن فقط متعبة كانت جائعة ضعيفة مرهقة وجسدها بالكاد يتعافى من الولادة، بينما الجميع يطالبها بالحليب دون أن يعطيها الطعام الذي يبقيها واقفة في الطوارئ فحصتها الطبيبة، ثم تغير وجهها فورًا شنو كانت تاكل؟خفضت زهراء عينيها بصمت وأنا أجبت بدلًا عنها، والخجل يخنق صوتيبقايا أكل أكل قديم تقريبًا ماكو بروتين ولا أكل طازج نظرت الطبيبة إليّ طويلًا ليس بغضب بل بخيبة جعلتني أشعر أنني أصغر رجل في العالم المرأة بعد الولادة تحتاج غذاء وراحة ودعم مو ضغط وتجويع هززت رأسي فقط لم يكن لدي أي دفاع حتى يوسف فحصوه كان وزنه أقل من الطبيعي وجسمه جاف قليلًا من قلة الحليب أعطوه حليبًا صناعيًا فورًا وجلست أراقبه وهو يشرب بجوع، ويداه الصغيرتان ترتجفان من اللهفة وزهراء كانت تبكي وهي تنظر إليه آسفة حبيبيهمست بصوت مكسور آسفة لأنني ما قدرتنزلت فورًا قربها لا تعتذرين مرة ثانية رفعت عينيها نحوي بخوف بس أناإنتِ سويتي كل اللي تقدرين عليه بالمكان اللي حطيناچ بيه وقلتها لنفسي أيضًا لأنني لم أفعل كل ما أستطيع فعلت فقط الشيء الأسهلصدقت أمي، ولومت زوجتي تلك الليلة بقينا تحت المراقبة داخل المستشفى كنت جالسًا قرب سرير زهراء، ويوسف نائم داخل السرير الصغير بجانبها كانت بالكاد تبقي عينيها مفتوحتين عليهمست بصوت ضعيف نعم؟أمك راح تزعل هواي وأقسم أن تلك الجملة كسرتني من جديد حتى بعد كل شيءما تزال تخاف من غضب أمي أكثر من خوفها على نفسها خلي تزعل قلتها بهدوء بعد اليوم ما راح تتحكم بينا أغلقت عينيها بتعب ما كنت أريدك تخاصمها بسببي شعرت بغصة داخل صدري المشكلة إني ما وقفت وياچ من البداية فتحت عينيها ونظرت إليّ باستغراب أنا شفتچ تضعفين يوم بعد يوم ولومتچ بدل ما أحميچ. سمعت ابني يبچي وصرخت بوجهچ. كنت أظن إن إرسال المال يكفي حتى أكون زوجًا جيدًا بدأت تبكي بصمت أمسكت يدها سامحيني مو لازم اليوم. ولا باچر. بس أوعدچ إني راح أثبتلچ إني زوجچ مو عبء ثاني فوق تعبچ لم تجب لكنها لم تسحب يدها من يدي في اليوم التالي استأجرت شقة صغيرة قرب شغلي لم تكن جميلة جدران بيضاء قديمة غرفتان صغيرتان مطبخ ضيق وشباك يطل على شارع مزدحم لكنها كانت آمنة لا أحد سيدخل ليهين زهراء لا أحد سيقرر ماذا تأكل ولا أحد سيأخذ المال المخصص لها ولابني اشتريت كل شيء دفعة واحدة، وكأنني أحاول إصلاح كل أخطائي دفعة واحدةدجاج لحم خضار فواكه شوفان حليب فيتامينات حفاضات وحليب أطفال بدون أن أسمع صوت أمي يقول إنه تبذير حتى أنني استعنت بممرضة تساعد زهراء عدة أيام، رغم أنني اضطررت لبيع ساعتي وأخذ سلفة من العمل ولم أهتم أول وجبة طبختها لها كانت شوربة دجاج مع خضار لم تكن مثالية الرز كان طريًا أكثر من اللازم والخضار شبه ذائبة لكن عندما وضعتها أمام زهراء، نظرت للصحن وكأنه شيء لا تصدقه هذا كثيرقالتها بخجل فأجبت فورًالا هذا أقل شيء تستحقينه بدأت تأكل ببطء بحذر وكأن أحدًا قد يدخل فجأة ويسحب الصحن منها وهذه الصورة بقيت محفورة داخلي ووعدت نفسي أنها لن تأكل بخوف مرة ثانية وأنا موجود الأيام التالية لم تكن سهلة الحليب لم يعد فورًا والطبيبة قالت إن الجوع والتوتر والتعب الشديد يؤثرون على الرضاعة بشكل كبير لكن يوسف بدأ يهدأ تدريجيًا وزهراء بدأ اللون يعود إلى وجهها ببطء شديدلكنّه عاد وفي يوم، ضحكت لأول مرة عندما أصدر يوسف صوتًا غريبًا أثناء شرب الحليب تلك الضحكة الصغيرة جعلتني أشعر أنها لم تختفِ بالكامل بعد أمي كانت تتصل باستمرار وأنا لم أرد ثم بدأت الرسائلمرتك فرقتك عن أهلك أنا كنت أوفر الفلوس حيدر محتاج أكثر أنت صرت ولد عاق في البداية كنت أقرأ الرسائل بغضب ثم بدأت أراها بوضوح أمي لم تكن تعتذر كانت فقط تريد السيطرة ترجع لها بعد أسبوع اتصل بي حيدر يمّه تعبانة وتبچي تكول إنك ظلمتها ضحكت بمرارة ظلمتها؟إنت تعرف طبعها يمكن بالغت بس مو قصدها تؤذي أحد حيدر إنت كنت تاكل من الأكل اللي المفروض يوصل لزوجتي بعد الولادة سكت والله ما كنت أعرفمنين جان يجيكم اللحم والفواكه والشوربات برأيك؟لم يجب مرتك كانت تاكل زين بينما زوجتي تاكل بقايا أكل خربانة ثم أغلقت الهاتف ولأول مرة في حياتيوضعت حدودًا حقيقية أمي ممنوعة تدخل البيت وممنوعة تشوف يوسف قبل أن تعتذر لزهراء وممنوعة تتدخل بحياتنا أو مصروفنا مرة ثانية مرّ شهر كامل قبل أن تظهر جاءت إلى العمارة وهي تحمل كيس ملابس صغير للطفل، وعيناها منتفختان من البكاء نزلت إليها وحدي أريد أشوف حفيدي قالتها بصوت متعب أولًا لازم تعتذرين لأمه ضغطت شفتيها بعصبية رجعنا لنفس الكلام لا هسه بس بلشنا الكلام الصح نظرت نحو باب العمارة سويت اللي شفته مناسب لا. سويتي اللي كان مناسب لحيدر ومرته وعاقبتِ زهراء لأنها مو بنتچ سكتت كدتي تمرضينها فعليًا ويمكن كنتِ راح تأذين يوسف همين. وحتى يوم اكتشفت الحقيقة، أول شيء فكرتِ بيه مو صحتهم بل الصحن المكسور بدأت تبكي غلطتنظرت إليها طويلًا كنت أريد أن أصدقها لكنني لم أعد ذلك الابن نفسه قولي هالكلام لزهراء وهي تقرر إذا تريد تسمعه أو لا صعدنا إلى الشقة كانت زهراء جالسة في الصالة وتحمل يوسف وعندما رأت أمي، توتر جسدها فورًا جلست بجانبها ليس أمامها وأمي لاحظت ذلك زهراءقالتها بصوت منخفض آسفة لم تجب زهراء مباشرة ثم سألت بهدوءآسفة على شنو؟ارتبكت أمي على اللي صار شدت زهراء يوسف نحو صدرها أكثر لا احچيها عدل نظرت أمي نحوي وكأنها تنتظر أن أنقذها لكنني لم أفعل وبعد ثوانٍ طويلة، خفضت رأسها آسفة لأنني كنت أعطيچبقايا الأكل وآخذ الأكل الزين لبيت حيدر. وآسفة لأنني حسستچ إنچ ما تستحقين تهتمين بنفسچ أغلقت زهراء عينيها، ونزلت دمعة على خدها أنا صدقت كلامچ وظنيت نفسي عبء على الكل بدأت أمي تبكي أكثر ما كان لازم أسوي هيچ فعلًاقالتها زهراء بهدوء موجع ما كان لازم لم يحصل عناق ولا صلح كبير لكن لأول مرةظهرت الحقيقة كاملة داخل تلك الغرفة ومرّت ثمانية أشهر بعدها يوسف صار بصحة جيدة ممتلئ الوجه صوته يملأ البيت
ضحكًا وزهراء
—
استعادت وزنها وجزءًا من روحها ليس كلها بعض الأشياء تحتاج وقتًا أطول أحيانًا ما تزال تستيقظ خائفة وأحيانًا تعتذر لأنها ترتاح قليلًا وأظل أذكرها دائمًا أنها لا تحتاج أن تتعب حتى تستحق الاهتمام وأنا أيضًا تعلمت تعلمت أطبخ وأغير الحفاضات وأستيقظ ليلًا دون تذمر وأسمع قبل أن أحكم وتعلمت أن حماية عائلتي الجديدة قد تعني أحيانًا الوقوف بوجه العائلة التي ربّتني علاقتي بأمي لم تعد كما كانت وربما لن تعود لكنني أخيرًا فهمت شيئًا مهمًاالجوع لا يكون دائمًا صوت معدة فارغة أحيانًا يكون صوت طفل يبكي طوال الليل وصوت امرأة تعتذر عن أشياء لم ترتكبها وصحن مخبأ داخل مطبخ وزوج أعمى لم يرَ أن الخطر الحقيقي كان الشخص الذي يقدم الطعام. أخي الصغير يعرف أيضًا أين يُخفيهاشعرت نورا الكعبي وكأن الهواء تحوّل إلى حجر. أخوك الصغير؟ سألت بصوت أخفض. أين أخوك يا مريم؟شدّت الطفلة الأرنب القماشي بقوة حتى انثنت إحدى أذنيه. في الأعلى داخل الغرفة الرماديةتجمّد خالد المنصوري لثانية كاملة ثم استدار نحو الممر وكأنه لم يعد يسمع شيئًا آخر أما الرجل المقيّد بجانب سيارة الشرطة، فتوقّف للمرة الأولى عن التظاهر بالهدوء وقال بسرعة إنها مشوشة الطفلة تختلق القصص لا يوجد أي ولد هناك لكن أحدًا لم يصدقه وضعت نورا يدها على كتف مريم بحنان بدا شبه مستحيل وسط كل ذلك الرعب. ما اسم أخيك الصغير؟ابتلعت الطفلة ريقها بصعوبة. تومي كم عمره؟ خمس سنواتوقفت نورا فورًا. إلى غرفة العمليات هناك احتمال وجود طفل آخر معرّض للخطر داخل المنزل. نحتاج دعمًا إضافيًا، ووحدة إسعاف، وفريق حماية أطفال في مركز الطوارئ، ضغطت ليان الشامسي السماعة على أذنها بقوة. الدعم في الطريق عاد خالد إلى داخل الفيلا وسارت نورا خلفه مباشرة دون أن تبتعد عن مريم بدا الممر أضيق الآن الكاميرات الصغيرة المثبتة في الزوايا الأبواب ذات الأقفال الخارجية ورائحة مواد التنظيف المختلطة بالرطوبةكل شيء بدا نظيفًا أكثر مما ينبغي وكان ذلك مرعبًا كانت الغرفة الرمادية في نهاية الممر تمامًا أدار خالد المقبض مغلق أطلقت مريم أنينًا خافتًا خلف نورا. هناك يتركه عندما يبكيلم يتحدث خالد تراجع خطوة ثم وجّه ركلة قوية قرب القفل اهتز الباب لكنه لم ينفتح أما الركلة الثانيةفحطّمت القفل تمامًا ارتطم الباب بالحائط بقوة كانت الغرفة صغيرة، تكاد تخلو من النوافذ سرير واحد بلا غطاء مصباح قديم دلو بلاستيكي كوب مهمل على الأرض ورسومات أطفال معلّقة على الجدار سيارات شمس منزل أزرق وطفلان يمسكان بأيدي بعضهما وفي الزاويةكان هناك طفل نحيل جدًا ركبتيه عيناه واسعتان بصورة مؤلمة يرتدي قميصًا متسخًا وجوارب غير متطابقة لم يكن يبكي وذلك كان أسوأ ما في الأمر فقط رفع رأسه ببطء، بتلك النظرة الفارغة التي يملكها شخص استهلك كل خوفه ولم يتبقَّ داخله سوى ردود الفعل شعرت نورا بعقدة تخنق حلقها. تومي قالت بصوت ناعم جدًا. لم تعد وحدك الآن لم يُجب الطفل نظر أولًا إلى خالد ثم إلى نورا ثم خلفهما نحو الممر. مريم؟ سأل بصوت مكسور أفلتت مريم الأرنب وركضت نحوه فورًا تعانقا بقوة وكأنهما يحاولان الاختباء داخل بعضهما تراجع الطفل في البداية، كأنه لا يعرف إن كان مسموحًا له بالحركة، ثم تشبث بأخته بيأس صامت جعل نورا تدير وجهها للحظة حتى لا تنهار بالبكاء هناك بدأ خالد يتفقد الغرفة كانت الخزانة تحتوي على قفل صغير كسره بالقوة في الداخل كانت هناك بطانيات، وملابس أطفال متسخة، وصندوق أدوات، وعبوات مواد تنظيف، وحقيبة حمراء لم يكن هناك شيء يفسر كلمة الأفعى حرفيًا لكن لم يعد أحد بحاجة إلى تفسير حرفي في الخارج، كان الأب لا يزال يحاول الحفاظ على قناعه. كل هذا مجرد سوء فهم قال بينما كانوا يضعونه داخل سيارة الشرطة. أم الأطفال تملأ رؤوسهم بالأكاذيب البنت تبالغ دائمًا دائمًا تبالغلكن الشرطي الذي كان يراقبه لم يرد عليه حتى داخل الفيلا، وصل المسعفون بعد دقائق قليلة فحصوا الطفلين داخل غرفة الجلوس لأن أيًا منهما لم يكن مستعدًا لترك الآخر كانت على ذراعي مريم وساقيها كدمات قديمة وحديثةعلامات خوف وإهمال وسهر طويل أما تومي، فكانت بشرته جافة، ووزنه أقل من الطبيعي، وكان ينتفض من أي صوت مفاجئ قال أحد المسعفين يجب أن نأخذهما معنا لكن معًا أومأت نورا برأسها. معًا رفعت مريم رأسها. إلى أين؟أجابت نورا بهدوء إلى مكان آمن وسأكون معكما لم يكن ذلك ضمن الإجراءات المعتادة تمامًا لكن تلك الليلةلم يكن أحد مستعدًا لمجادلة طفلة ما تزال ترتجف رغم أن الوحش أصبح داخل سيارة الشرطة وأثناء خروجهم من الفيلا، بدأ الجيران يطلّون من النوافذ والمرائب الشارع الذي بدا نائمًا قبل دقائقاستيقظ بطريقة قذرة. ماذا حدث؟ من اتصل بالشرطة؟ هل الطفلة بخير؟ دائمًا شعرت أن ذلك الرجل غريب لكنه كان يبدو رجلًا محترمًا جدًابقيت الجملة معلقة في الهواء كإهانة كان يبدو رجلًا محترمًا شدّت نورا فكها بقوة وفكرت في عدد المرات التي يختبئ فيها الرعب خلف الأبواب النظيفة وأصص الورود والأضواء الدافئة حتى لا يطرح أحد أي سؤال صعدت مريم وتومي إلى سيارة الإسعاف الطفلة لم تترك الأرنب والطفل لم يترك أخته أما ليان في مركز الطوارئ، فظلت تتابع البلاغ عبر اللاسلكي لم يعد بإمكانها فعل شيء عملي، لكنها لم تخلع السماعة فبعد أحد عشر عامًا من استقبال البلاغات، كانت تعرف أن أخطر المكالمات لا تنتهي دائمًا عند إغلاق الخطبل أحيانًا تبدأ من هناك عند الساعة الثانية فجرًا، عثروا على الأم ولم يكن الأمر سهلًا كان الرجل قد ادّعى أن زوجته هجرَت الأطفال قبل ثلاث سنوات، وأنها غير مستقرة نفسيًا، وأن الطفلين لا يتذكرانها أصلًا لكن داخل ملف قديم في غرفة الجلوس، وجدوا نسخة من بلاغ عن عنف أسري تم سحبه جزئيًا وفي أحد الأدراج، عثروا على دفتر يحتوي على تحويلات مالية متفرقة أما داخل هاتف المشتبه به، وبعد تدخل الادعاء، وجدوا رسائل تهديد وصورًا وملفات لم تُرسل أبدًا وكان اسم الأم يتكرر كثيرًامنى التلي تم العثور عليها في منزل شقيقتها في الجهة الغربية من المدينة وصلت إلى مركز الرعاية المؤقتة وهي ترتدي

—

ملابس منزلية وحذاءً غير مربوط جيدًا، وعلى وجهها ملامح امرأة عاشت سنوات كاملة وهي تنام بالذنب داخل صدرها. أين أطفالي؟ سألت قبل أن تدخل بالكامل. أين أطفالي؟حاولت الأخصائية النفسية سارة تهدئتها. إنهما بخير وهما معًا لكن أريدك أنقاطعتها منى بصوت مكسور لا تطلبي مني أن أهدأ فقط أخبريني أين هما كانت مريم أول من رآها كانت تجلس فوق كرسي أزرق صغير داخل غرفة الرعاية المؤقتة، بينما بطانية رمادية تغطي ساقيها النحيلتين، والأرنب القماشي القديم مستقر كأنه الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا في عالمها المنهار كان شعرها مبعثرًا وعيناها متعبتين بصورة لا تليق بطفلة في الثامنة ومنذ وصولها إلى المركز، لم تترك الباب بعينيها ولو لثانية واحدة كأن
جزءًا منها ما
يزال يتوقع أن يعود الوحش في أي لحظة احتاجت مريم إلى ثانية كاملة حتى تتعرف إلى المرأة الواقفة عند المدخل ليس لأنها نسيت ملامح أمهابل لأن الخوف الطويل علّمها أن تشك حتى في الأشياء الجميلة علّمها أن النجاة لا تأتي بسهولة وأن الأبواب حين تُفتح غالبًا يدخل منها الألم تحركت شفتاها ببطء شديد ثم خرج الصوت ضعيفًا، مترددًا، كأنها تخاف أن ينكسر لو نطقت به بصوت أعلى ماما؟تجمدت منى التلي في مكانها فورًا كأن الكلمة أصابتها في صدرها مباشرة اتسعت عيناها، وارتجفت شفتاها، ثم وضعت يدها فوق فمها تحاول منع نفسها من الانهيار لكنها فشلت ففي اللحظة التالية، كانت مريم قد قفزت من فوق الكرسي بكل قوتها سقطت البطانية على الأرض وتدحرج الأرنب القماشي بعيدًا وركضت الطفلة نحو أمها بسرعة هستيرية، كأنها تخشى أن تختفي إذا تأخرت ثانية واحدة وكان تومي خلفها مباشرة يركض بخطوات صغيرة مرتبكة، لكنه لم يتوقف سقطت منى على ركبتيها قبل أن يصلا إليها بقوة امرأة ظنت لسنوات أنها فقدت طفليها إلى الأبد انفجرت بالبكاء ليس بكاءً عاديًابل بكاء شخص عاش سنوات كاملة يختنق بالذنب والعجز والخوف كانت كلماتها تخرج متكسرة بين شهقاتها أنا آسفة آسفة جدًا والله آسفة سامحوني سامحونيتمسكت مريم بملابس أمها بكلتا يديها وكأنها تخشى أن تُسحب منها مجددًا أما توميفقد دفن وجهه الصغير داخل عنق أمه، وبقي صامتًا تمامًا صامتًا بطريقة موجعة أكثر من البكاء نفسه كانت منى تقبّل وجهيهما وشعريهما ويديهما بصورة متكررة، كأن عقلها ما يزال عاجزًا عن استيعاب أنهما أمامها فعلًا وكأنها تحاول بلمساتهما أن تتأكد أن الأمر ليس حلمًا قاسيًا آخر. كبرتم يا الله كبرتمقالتها بصوت محطم وهي تبكي أكثر رفعت مريم رأسها قليلًا ونظرت إلى أمها بعينين متورمتين من السهر والخوف ثم سألتها بصوت صغير جدًا ليه تأخرتِ علينا يا ماما؟توقفت منى عن التنفس لثانية كأن السؤال مزّق شيئًا داخلها ارتجفت شفتاها، لكنها لم تعرف ماذا تقول لأن الحقيقة كانت أكبر من طفلة صغيرة وأقسى من أن تُشرح وضمتها أكثر فقط، حتى كادت تخفيها داخل صدرها أما تومي، فرفع رأسه أخيرًا ونظر إلى أمه طويلًا ثم سألها بخوف حقيقي هو مش رح يرجع يا ماما صح؟انكسرت منى بالكامل عند تلك الجملة أغلقت عينيها بقوة، ثم أمسكت وجهه الصغير بكلتا يديها وقالت وهي تبكي لا لا يا حبيبي والله ما رح يرجع لكم أبدًا أبدًاوفي زاوية الغرفة، وقفت الأخصائية النفسية سارة بصمت كامل كانت تحمل ملفًا بين يديها، لكنها لم تكتب حرفًا واحدًا لأن بعض اللحظات لا تُوثَّق بالأوراق بل تبقى محفورة داخل الإنسان نفسه أما نورا الكعبيفشعرت أن البقاء داخل الغرفة أصبح مؤلمًا أكثر مما تستطيع احتماله خرجت بهدوء وأغلقت الباب خلفها دون صوت وفي الممر الطويل البارد، كانت خطوات الأطباء والمسعفين تتحرك بسرعة، بينما أضواء المركز البيضاء تجعل كل شيء يبدو شاحبًا ومتعبًا وقفت نورا للحظات تحدق في الأرض ثم أخرجت نفسًا طويلًا حاولت خلاله السيطرة على ارتجاف يديها بعد دقائق، اقترب منها خالد المنصوري وهو يحمل كوبين من القهوة من آلة المشروبات القديمة في آخر الممر ناولها أحدهما بصمت أخذته دون حماس كانت القهوة رديئة باردة تقريبًا لكنها أمسكتها فقط لأنها احتاجت إلى شيء يشغل يديها عن الارتجاف نظر إليها خالد للحظات قبل أن يسأل بهدوء هل أنتِ بخير؟أطلقت نورا ضحكة قصيرة وفارغة، تشبه شخصًا نسي كيف يضحك فعلًا ثم هزّت رأسها ببطء وقالت لاوصمتت لثوانٍ.قبل أن تضيف بصوت متعب لكن هذا ليس الوقت المناسب للتفكير في ذلك أومأ خالد بصمت لأنه فهم تمامًا ما تقصده ففي هذا العمليتعلم الإنسان كيف يؤجل انهياره كيف يبتلع الصدمة مؤقتًا كيف يقف ثابتًا بينما شيء داخله يتحطم ببطء ويتعلم أيضًاأن أسوأ الوحوش غالبًا لا تبدو مخيفة أبدًا بل تبدو مهذبة هادئة وترحب بك بابتسامة عند الباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى