
بعد ٣١ سنة جواز، لقيت مفتاح مخزن مستخبي جوه محفظة جوزي القديمة — ومعاه رقم الوحدة مكتوب. ما قولتلوش حاجة. روحت بنفسي.
الليلة اللي اتنقل فيها المستشفى فجأة، الدنيا كلها كانت ملخبطة.
سرينة الإسعاف. نور أبيض قوي في السقف. كلام بيتقال زي “مضاعفات داخلية” و“لازم نعمل عملية فورًا”.
فضلت واقفة جنبه لحد ما دخّلوه من البابين اللي بيتقفلوا على بعض، وقالولي لازم أستنى هنا ومينفعش أكمل.
لما الدكتور خرج أخيرًا، قال إن العملية عدّت على خير، بس جوزي هيفضل تحت تأثير البنج كام ساعة.
قعدت جنبه على السرير في المستشفى، باسمع صوت جهاز ضربات القلب ماشي بإيقاع ثابت.
بعد شوية، ممرضة قالتلي بهدوء أروح البيت أجيب شوية حاجات — هدوم، أدوات شخصية، الشاحن. شكله هيتحجز كام يوم.
عربيتي كانت في الورشة، فكنت محتاجة عربيته.
لما روحت البيت، ملقيتش مفاتيحه. لا على رخامة المطبخ، ولا جنب الباب، ولا في جيب الجاكت.
ساعتها بدأت أدور على النسخة الاحتياطي.
فتحت درج التسريحة بتاعه — الدرج اللي بيحط فيه الحاجات اللي مش بيرميها أبدًا. إيصالات قديمة. شواحن ملهاش لازمة. فكة مرمية.
وهناك لقيتها.
محفظة صغيرة قديمة ومتهالكة. مش اللي بيستعملها كل يوم — واحدة أقدم.
ما كانش فيها فلوس.
كان فيها مفاتيح بس.
كذا مفتاح.
وفي مفتاح خلاني أتجمد مكاني.
كان عليه تعليقة بلاستيك باسم مخازن قريبة مننا، ومكتوب عليها رقم الوحدة بقلم أسود.
بطني وقعت.
٣٠ سنة جواز، وجوزي عمره ما جاب سيرة إنه مأجر مخزن. ولا مرة.
طلعت مفتاح العربية الاحتياطي.
وقفت لحظة.
وبعدين أخدت مفتاح المخزن معاه.
رجّعت المحفظة مكانها بالظبط زي ما لقيتها، وسقت على المستشفى تاني.
كان لسه فاقد الوعي. ولسه بعيد عني.
وقفت ماسكة إيده، ببص في وشه، وبسأل نفسي إيه تاني أنا ماعرفوش.
وفي اللحظة دي خدت قرار عمري ما تخيلت إني أخده.
بعد ما خرجت من المستشفى، بدل ما أروح البيت، كتبت عنوان المخزن في الموبايل.
لما وصلت، فتحت باب الوحدة بالمفتاح.
ورجليّ كانوا هيخونوني من اللي شوفته….
لما وصلت، فتحت باب الوحدة بالمفتاح.
ورجليّ كانوا هيخونوني من اللي حسّيته.
المكان كان ضلمة، وريحه تراب قديم وخشب مقفول عليه سنين. مدت إيدي على زر النور، ولمبة صفرا صغيرة نورت المخزن بنور باهت.
مفيش سرير.
مفيش هدوم ستات.
مفيش حاجة تقول إنه بيخبي حياة تانية.
كان فيه كراتين بس.
كراتين مترتبة بعناية… ومكتوب على كل واحدة تاريخ.
أقدم تاريخ كان من ٢٨ سنة.
قلبي كان بيدق أسرع من جهاز ضربات القلب اللي كنت سامعاه في المستشفى.
قربت من أول كرتونة… فتحتها بإيدي المرتعشة.
ولما شوفت اللي جواها… قعدت على الأرض.
صور.
مئات الصور.
أنا.
أنا وهو.
في أول شقة إيجار.
في المصيف اللي روحناه ومكنش معانا غير فلوس بسيطة.
وأنا حامل في ابننا.
وأنا نايمة على الكنبة وهو مصورني من غير ما آخد بالي.
صور كنت فاكرة إنها ضاعت.
كان مصوّر كل تفصيلة في حياتنا… واحتفظ بيها.
فتحت كرتونة تانية.
دفاتر.
كشاكيل مدرسية قديمة… بس مش بتاعة عيالنا.
كانت بتاعته هو.
وكل صفحة فيها تاريخ… وكلام بخطه.
“النهارده هي زعلت مني… ومقدرتش أقولها إني كنت مرعوب أفقدها.”
“هي مبتعرفش إني كل ما تضحك بحس إني كسبت الدنيا.”
“لو حصلّي حاجة، أتمنى حد يقولها إني عمري ما خبيت عنها غير خوفي عليها.”
إيدي كانت بتترعش.
هو مأجر مخزن… عشان يخبي ذكرياته معايا؟
ليه ما كانش قادر يحطهم في البيت؟
قمت وفتحت آخر كرتونة.
كان فيها ظرف كبير.
عليه اسمي.
بخطه.
فتحته.
كان جواه تقرير طبي قديم… من ١٢ سنة.
التشخيص: ورم حميد في المخ.
ومكتوب تحت: “احتمال فقدان ذاكرة تدريجي.”
وقتها افتكرت.
السنة دي… كان بينسى حاجات بسيطة.
مواعيد.
أسماء أماكن.
وكان بيضحك ويقول: “كبرنا بقى.”
بس هو ما كانش بيهزر.
كان خايف ينسى.
خايف ينساني.
عشان كده جمع كل حاجة في مخزن.
رتّب حياتنا في كراتين… لو ذاكرته خانته.
قعدت أبكي بصوت عالي لأول مرة من سنين.
هو ما كانش مخبي خيانة.
كان مخبي خوف.
رجعت المستشفى بعدها بساعتين.
دخلت أوضته، لقيته لسه نايم، بس وشه أهدى.
قربت منه، همست في ودنه:
“أنا روحت المخزن.”
حواجبه اتحركت سنة… كأنه سامع.
مسكت إيده وقلت:
“حتى لو نسيت… أنا مش هنسى.
ولو دماغك خانتك… قلبي مش هيخونك.”
في اللحظة دي جهاز القلب على جنب السرير عمل صوت أعلى شوية…
وأصابعه ضغطوا على إيدي… ضغطة خفيفة جدًا.
بس كانت كفاية.
بعد ٣١ سنة جواز…
لسه عندنا أسرار.
بس مش كل سر خيانة.
بعض الأسرار… حب متخزن.



