Uncategorized

الدمية

صورة قديمة ومزعجة لفتاة واقفة جنب دميتها، اتصورت من أكتر من مية سنة، قدرت تخطف انتباه صديقتين ومؤرخ عتيق. الرعب الحقيقي ما بانش غير لما الخبراء كبروا الصورة ودققوا في تفاصيلها… ساعتها، الوحي المظلم خلّا وشوشهم تصفر من الصدمة والحيرة.
جرس نحاسي قديم رنّ فوق باب محل تحف عتيق، في لحظة فضول، وإحسان فضولي، وهي بتزق باب الخشب التقيل.
دخلت نورا البارودي، وخلفها على طول أقرب صاحبة ليها، مريم مدني.
ريحة الخشب العتيق والتحف المنسية لفّتهم كأنها حضن قديم.
مريم همست وهي مبهورة، عنيها واسعة: – «يا نورا… بصّي المكان! كأننا دخلنا جوّه الزمن نفسه.»
نورا عدّلت نضارتها الدائرية القديمة وابتسمت: – «فعلاً… كأننا جوّه كبسولة زمن.»
مشوا بين الممرات الضيقة، ونورا، بحكم شغلها كمرمّمة فنون، عنيها كانت مدرّبة تميّز القطعة الأصلية وسط أي زحمة. فجأة، شدّها ركن مخصص للتصوير الفوتوغرافي القديم.
هناك… وسط كومة كتب جلدها متآكل، كانت صورة أبيض وأسود حصري على صفحه روايات واقتباسات الصورة لفتاة عندها ست أو سبع سنين، واقفة على منصة صغيرة في استوديو تصوير قديم. لابسة فستان متقن، أكمامه منفوشة، ومزخرف بدانتيل دقيق. ملامحها هادية ورسمية، زي ما كانوا بيعلّموا أطفال العصر الفيكتوري يقفوا قدّام الكاميرا.
نورا قربت وهمست: – «جميلة…»
الطفلة كانت ماسكة باقة ورد غامقة في إيد رفيعة، تناسقها واضح مع لون فستانها، والإيد التانية مستريحة على ظهر كرسي مزخرف.
وهنا… السحر بقى أعمق وأثقل.
على الكرسي، كانت قاعدة دمية خزف، لابسة فستان أبيض وقبعة صغيرة. محطوطة بعناية فوق كومة كتب.
مريم ارتجفت، وحماسها الأولاني اختفى: – «مش عارفة يا نورا… الدمية دي عاملة زي اللي يخلي الجلد يقشعر.»
نورا، اللي كانت غرقانة في التفاصيل، ردّت بهدوء: – «يا مريم، دي صورة من أواخر القرن التسعتاشر أو أوائل العشرين. بصّي على الإضاءة والخياطة… دي قطعة تاريخية نادرة.»
مريم هزّت راسها: – «بس عيون الدمية… حاسّة إنها بتراقبك.»
نورا ضحكت بلطف: – «دي خدعة تصوير قديمة.»
وبعدين زقّت صاحبتها بخفة:
– «وبعدين يعني إيه المخيف في طفلة مع لعبتها المفضلة؟»
في اللحظة دي، ظهر صاحب المحل، راجل عجوز شعره فضي وصوته واطي: – «آه… لقيتوا الصورة الغامضة. بحاول أبيعها من شهور، بس أغلب الناس شايفينها تقيلة شوية.»
نورا سألت فورًا: – «بكام؟»
– «خمسين دولار. جت من تصفية ممتلكات في ولاية بعيدة. محدش يعرف مين الطفلة.»
مريم مسكت دراع نورا: – «نورا، بالله عليكي… مش حاسة الموضوع ده مريح.»
لكن القرار كان اتاخد. – «كفاية يا مريم. خيالك سابقك. الصورة دي لازم تتحفظ، مش تتساب في محل مغبر.»
بعد نقاش طويل ومخاوف مريم عن دمى ملعونة وأرواح قديمة، اقتنعت بالعافية. نورا اشترت الصورة، ولفّتها بعناية، ورجعت على شقتها القديمة.
أول ما وصلت، فحصت الصورة بدقة. حالتها كانت ممتازة بشكل مريب لعمرها. الاستوديو واضح إنه محترف، ولبس الطفلة يوحي بعيلة غنية.
علشان توصل للحقيقة، كانت محتاجة حد يفهم في التاريخ أكتر منها.
حد واحد بس.
والدها.
الدكتور عبد الرحمن البارودي، مؤرخ وأرشيفي معروف، قضى أربعين سنة بيدرس التصوير الأمريكي في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. مكتبه كان عامل زي متحف صغير: أجهزة تكبير، إضاءة فوق بنفسجية، وأدراج مليانة وثائق.
ابتسم لما شافها داخلة بالصورة:
«إيه الكنز اللي جايباه المرة دي يا نورا؟»
….لايـك و 5 كومنتـات بـتم وصـلوا على النبـي 🤍
وتـابع بـاقي فـي التعلـيقات 👇🏻👇🏻🎁
نورا حطّت الصورة على مكتب أبوها بحرص، كأنها بتحط طفل نايم.

قالت بحماس مكبوت:
– «صورة لفتاة من أكتر من مية سنة… بس فيها حاجة مش مريحة.»

عبد الرحمن عدّل نضارته، مسك الصورة من الأطراف بس، وبصّ لها نظرة طويلة.
الابتسامة اختفت ببطء.

– «غريب…»

نورا قربت:
– «إيه؟»

– «الوقفة. وضع الإيدين. والدمية…»
سكت شوية، وبعدين قام وفتح درج معدني، طلع جهاز تكبير قديم، وحط الصورة تحته.

الإضاءة البيضاء نزلت على الورق العتيق.
ملامح الطفلة بانت أوضح… هدوء زيادة عن اللزوم.
عينين ثابتتين، مش عينين طفل.

عبد الرحمن كبّر الجزء اللي فيه الدمية.

مريم—اللي كانت واقفة عند الباب، مش قادرة تمشي—شهقت:
– «إيه ده؟»

في التكبير، عيون الدمية ما كانتش خزف مصمت.
كان فيها انعكاس…
انعكاس ضوء الاستوديو.

عبد الرحمن همس، وصوته لأول مرة يهتز:
– «الدمى في الزمن ده كانت عيونها مصمتة. الزجاج العاكس ده ما ظهرش غير بعد سنين.»

نورا بلعت ريقها:
– «يعني…؟»

– «يعني الدمية اتعدلت… أو اتصورت بعد زمنها المفروض.»

قلب الصورة على ضهرها.

كان فيه كتابة باهتة بالقلم:
“E. Harlow – 1894”

عبد الرحمن اتجمد.
– «مش ممكن…»

نورا:
– «إيه الاسم ده؟»

– «إليانور هارلو.»
رفع عينه ببطء.
– «طفلة اختفت سنة 1894. اتصوّرت آخر مرة في استوديو… ومعاها دميتها.»

مريم صرخت:
– «لا…»

عبد الرحمن كبّر الصورة أكتر. مش الطفلة…
الظل اللي ورا الكرسي.

كان فيه حاجة واقفة.
طويلة…
وشكلها مش واضح.

نورا قربت، قلبها بيدق في ودانها:
– «بابا… الظل ده مش موجود في باقي الاستوديو.»

– «لأنه مش ظل جدار.»
صوته كان ناشف.
– «ده ظل شخص.»

مريم رجعت خطوتين:
– «بس… مفيش حد ظاهر غير الطفلة.»

عبد الرحمن بصّ لهم الاتنين، وقال الجملة اللي كسرت الهدوء:
– «اللي صوّر الصورة… كان شايفه.
الكاميرا القديمة كانت بتسجّل حاجات العين البشرية مش دايمًا بتلاحظها.»

فجأة…
نور المكتب وميض.

والجهاز طلع صوت طقة خفيفة.

نورا بصّت على الصورة تاني.
جمدت.

الطفلة…
كانت مبتسمة.

ابتسامة ما كانتش موجودة من ثواني.

والدمية؟
رأسها كان مايل شِبر صغير…
كأنها بتبص مباشرة على نورا.

عبد الرحمن همس:
– «الصورة دي… مش مجرد وثيقة.»

مريم بصوت مخنوق:
– «أمال إيه؟»

عبد الرحمن قالها وهو بيقفل الدرج بعنف:
– «دعوة.»

ومن وراهم…
جرس نحاسي قديم
رنّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى