
ضحّيت بثروة أبويا كلها عشان أتجوز فلاح غلبان… لكن في الشهر التامن من حملي، سمعت حماتي بتقول لجوزي أول ما التوأم يتولدوا، لازم نبعدها خالص…
كان عندي 24 سنة بس، لما قررت أسيب كل حاجة ورايا عشان الحب.
أبويا كان راجل أعمال غني جدًا، وكنت عايشة في قصر كبير، كل ركن فيه مليان رفاهية. عندي هدوم بأغلى الماركات، وعربية خاصة، وسواق تحت أمري، وفلوس تكفيني أعيش مرتاحة طول عمري من غير ما أشتغل يوم واحد.
لكن رغم كل الفلوس دي، كان فيه حاجة واحدة ناقصاني…
إني أحس إن فيه حد بيحبني بجد، مش عشان اسمي ولا ثروتي.
ولحد ما ظهر جاك في حياتي.
كان عنده 29 سنة، شاب بسيط من الريف، وبيشتغل جنايني في بيت أبويا. إيديه كانت خشنة من كتر الشغل، وهدومه على قد حاله، ومكانش معاه أي فلوس تقريبًا.
لكن كان عنده حاجة مكنتش لاقياها عند أغنى الرجالة اللي اتعرفت عليهم…
كان بيحبني بجد، أو على الأقل ده اللي كنت فاكرة.
لما أبويا عرف بعلاقتنا، قامت بينا خناقة كبيرة، وقاللي وهو متعصب:
إنتِ اتجننتي يا إيميلي؟! الواد ده مش بيحبك، ده عايز يوصل لفلوسك وبس!
لكن أنا كنت واقعة في حبه لدرجة إني رفضت أسمع كلمة واحدة ضده.
وفي ليلة، لمّيت شوية هدوم في شنطة صغيرة، وخدت موبايلي، وخرجت من القصر من غير ما أقول لحد، وهربت مع جاك.
اتجوزنا في كنيسة صغيرة وسط الريف، وبدأنا حياتنا في بيت قديم ورثه عن عيلته.
البيت كان بسيط جدًا، السقف كان بيسرب مية وقت المطر، والمطبخ مفيهوش حتى مية سخنة، وأوقات كنا بنحسب الفلوس قبل ما نشتري أي حاجة.
بس أنا مكنتش فارق معايا.
كنت بقول لنفسي إن السعادة مش بالفلوس، وإن طول ما جاك جنبي أقدر أعيش في أي مكان.
وفي أول شهور الجواز، كان جاك بيصحى قبلي، ويحضّرلي الفطار، ويبصلي بابتسامة ويقول:
أوعدك يا إيميلي، هييجي يوم وأخليكي تعيشي أحسن من أي بنت في الدنيا. بس اديني فرصة.
كنت بصدقه، وبحس إني أسعد واحدة في الدنيا.
لحد ما عدّى ست شهور، واكتشفت إني حامل.
ولما رحنا للدكتور، ابتسم وقالنا:
ألف مبروك… إنتِ مش حامل في طفل واحد، إنتِ حامل في توأم!
مكنتش مصدقة نفسي من الفرحة، وفضلت أعيط وأضحك في نفس الوقت، وجاك حضني وقال إنه أسعد راجل في الدنيا.
لكن الغريب إن فرحته مفضلتش كتير…
من اليوم ده، بدأ يتغير بشكل تدريجي.
بقى ساكت أغلب الوقت، ومبقاش يهتم بيا زي الأول، وكل يوم بعد الضهر كان بيقفل على نفسه في المطبخ مع أمه مارثا، ويفضلوا يتكلموا بالساعات بصوت واطي.
وأول ما أحاول أدخل عليهم، يسكتوا فجأة ويبصوا لبعض.
في الأول قلت يمكن قلقانين من مصاريف التوأم، خصوصًا إن حالتنا المادية كانت صعبة.
لكن حماتي بدأت تتصرف بطريقة غريبة أكتر.
كانت بتسألني كل يوم عن ميعاد الولادة، وبتحسب الأيام على التقويم، وأوقات كنت ألاقيها واقفة قدام باب أوضتي وبتبصلي من غير ما تتكلم.
وفي مرة، وأنا قاعدة في الصالة، سمعتها بتقول لجاك:
المهم الطفلين يتولدوا بصحة كويسة… بعد كده كل حاجة هتبقى أسهل.
ساعتها استغربت، لكن جاك غيّر الموضوع بسرعة، وأنا مكنتش عايزة أعمل مشاكل.
لحد ما وصلت للشهر التامن.
في ليلة من الليالي، صحيت من النوم وأنا عطشانة، وجاك مكنش جنبي في السرير.
قمت بالراحة عشان أجيب كوباية مية، لكن وأنا بقرب من المطبخ، سمعت صوت حماتي وهي بتتكلم بصوت واطي.
وقفت مكاني لما سمعت اسمي.
كانت بتقول:
جاك، البنت لسه مش شاكّة في حاجة، صح؟
رد عليها جاك بمنتهى الهدوء:
لأ يا أمي، دي واثقة فيا ثقة عمياء.
قلبي بدأ يدق بسرعة، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.
حماتي كملت كلامها وقالت:
كويس… أول ما التوأم يتولدوا، مش هيبقى فيه أي سبب يخلينا نفضل مرتبطين بيها هنا. إحنا استنينا كتير، ومينفعش نضيّع الفرصة دي.
جاك رد عليها:
عارف يا أمي، كل حاجة هتتم زي ما اتفقنا.
حطيت إيدي على بقي عشان أمنع نفسي من الصراخ.
أنا؟!
إزاي بيتكلموا عني بالشكل ده؟!
أنا اللي سبت أبويا وثروته وبيتي وحياتي كلها، وعشت معاه في بيت متهالك عشان كنت فاكرة إنه بيحبني!
لكن اللي خلاني أحس إن روحي بتتسحب من جسمي، كان صوت حماتي وهي بتسأله:
طب وإيميلي؟ لما تعرف الحقيقة، هتتصرف إزاي؟
وجاك رد عليها بجملة واحدة…
جملة خلتني أحط إيدي على بطني وأرجع لورا وأنا مش قادرة أتنفس.
حكايات_زيزي
لأن اللي اكتشفته في اللحظة دي، مكانش مجرد إن جوزي وأمه بيخططوا يبعدوني…
دول كانوا مخبيين عني سر يخص التوأم من قبل حتى ما أعرف إني حامل!وووو
رد جاك عليها وهو بيبص في الأرض:
إيميلي لو عرفت إن الطفلين مش مجرد توأم عادي، وإن وجودهم هو السبب الحقيقي اللي خلاني أتجوزها من البداية، عمرها ما هتسامحني… بس إحنا معندناش اختيار يا أمي. الورق اتكتب، والاتفاق لازم يتنفذ.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
إيه الورق؟! وإيه الاتفاق؟! وإيه معنى إن التوأم مش مجرد طفلين عاديين؟!
رجعت خطوة لورا، لكن رجلي خبطت في كرسي صغير كان موجود جنب الحيطة، فوقع على الأرض بصوت عالي.
سكت الكلام جوا المطبخ فجأة.
سمعت صوت جاك بيقول: مين بره؟
جريت ناحية أوضتي وأنا حاطة إيدي على بطني، ودخلت السرير بسرعة، وغمضت عيني وفضلت أمثل إني نايمة.
بعد ثواني، الباب اتفتح.
جاك دخل، وقرب مني، وفضل واقف جنبي فترة طويلة.
وبعدين سمعت صوته وهو بيهمس: سامحيني يا إيميلي… أنا مكنتش عايز الأمور توصل لكده.
خرج وقفّل الباب.
لكن أنا مغمضتش عيني طول الليل.
فضلت أفكر في كل كلمة سمعتها، وأحاول أربط الأحداث ببعض.
افتكرت أول يوم قابلت فيه جاك، وافتكرت إزاي كان دايمًا بيظهر في الأماكن اللي بكون موجودة فيها، وإزاي كان عارف تفاصيل عن حياتي قبل ما أحكيله عنها.
وفجأة افتكرت حاجة غريبة حصلت قبل جوازنا بأسبوع.
كنت داخلة أوضة المكتب في بيت أبويا، ولقيت جاك خارج منها بسرعة، ولما سألته كان قال إنه بيدور على ورقة تخص شغله.
وقتها صدقته.
لكن دلوقتي بدأت أشك إن الموضوع مكنش بالبساطة دي.
تاني يوم الصبح، قررت أتصرف وكأن مفيش حاجة حصلت.
نزلت المطبخ، ولقيت حماتي بتحضر الفطار.
ابتسمتلي ابتسامة غريبة وقالت: صباح الخير يا بنتي، نمتي كويس؟
رديت وأنا ببص في عينيها: أيوه، بس حاسة إني محتاجة أعرف حاجات كتير عن عيلتكم.
إيدها وقفت للحظة، وبعدها رجعت تكمل تقطيع الخضار.
زي إيه يعني؟
قلت: زي سبب إن جاك عمره ما بيحكيلي عن أبوه… ولا عن الورث اللي سابه.
إيدها وقفت في مكانها!
بصتلي بسرعة وقالت: مين قالك إن فيه ورث؟
ابتسمت وقلت: مجرد سؤال.
لكن نظرتها اتغيرت تمامًا.
بعد الفطار، استنيت لحد ما جاك خرج للمزرعة، وبدأت أدور في البيت على أي حاجة ممكن تفسر اللي سمعته.
دخلت أوضة حماتي، وفتحت الدولاب القديم اللي كان دايمًا مقفول.
جوه صندوق خشب صغير، لقيت مجموعة صور قديمة، وشهادة ميلاد، ومظروف بني عليه اسمي بالكامل.
إيميلي ريتشاردسون!
اسمي مكتوب على مظروف موجود في بيتهم قبل ما أتجوز جاك!
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح المظروف.
لقيت جواه صورة ليا وأنا عندي حوالي خمس سنين، واقفة جنب أبويا قدام بوابة القصر.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصورة اللي وراها.
كان فيه راجل واقف بعيد عننا، ماسك طفل رضيع بين إيديه.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط أزرق:
الطفل اللي اختفى في ليلة الحريق… لازم يرجع لأهله قبل ما الحقيقة تظهر.
حسيت إن جسمي تجمد في مكانه.
مين الطفل ده؟ وإيه علاقته بيا؟ وليه الصورة دي موجودة عند حماتي؟
وفجأة سمعت صوت الباب بيتفتح.
خبّيت الصورة بسرعة، ولفيت.
كانت حماتي واقفة قدامي، ووشها شاحب بشكل مخيف.
قالت بصوت واطي:
إنتِ فتحتي الصندوق ده ليه يا إيميلي؟
حاولت أتماسك وقلت: أنا عايزة أفهم إيه اللي بيحصل. إنتوا مخبيين عني إيه؟
قربت مني، ومسكت دراعي، وقالت جملة خلتني أتجمد مكاني:
قبل ما تسألي عن التوأم، لازم تعرفي إن أبوكي مش هو الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك تعرفيه.
وقبل ما أقدر أرد، سمعت صوت جاك من وراها:
أمي… إنتِ قولتلها؟!
دخل جاك، وكان ماسك في إيده ملف أسود.
بصلي وقال: إيميلي، اقعدي… فيه حاجة لازم تعرفيها عن ولادتك، وعن اللي حصل في الليلة اللي اتولدتي فيها.
فتحت الملف، وأخرج منه ورقة قديمة.
ولما شفت التوقيع الموجود في آخرها، حسيت إن قلبي هيقف.
كان توقيع أبويا!
لكن المفاجأة إن الورقة كانت بتثبت إن أبويا وقّع على اتفاق من 24 سنة، قبل ما أعرف حتى معنى الحياة…
وكان اسم جاك مكتوب في الاتفاق، رغم إنه وقتها كان طفل عنده خمس سنين!
بصيت لجاك وسألته بصوت مبحوح:
إنت كنت تعرفني من وأنا طفلة؟
لكنه مردش.
كل اللي عمله إنه فتح صفحة تانية من الملف، وقال:
اللي هقولك عليه دلوقتي هيغير كل حاجة… بس لازم توعديني إنك مش هتحكمي عليّا قبل ما تسمعي للنهاية.
وفي اللحظة دي، رن جرس الباب.
حماتي بصت من الشباك، وأول ما شافت الشخص اللي واقف بره، صرخت:
مستحيل! ده المفروض يكون غاب من 24 سنة!
والشخص اللي كان واقف قدام الباب… كان جاي يطلب يشوف التوأم قبل ما يتولدوا!
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
مين الشخص ده؟ وإزاي حماتي متأكدة إنه غاب من 24 سنة؟
جاك جري ناحية الشباك، وبص من ورا الستارة، وأول ما شاف الراجل، وشه اتغير تمامًا.
قال لأمه بعصبية: إنتِ قولتيلي إن الموضوع انتهى! إزاي عرف مكاننا؟
حماتي كانت بتترعش وهي بترد: أنا معرفش… أقسم بالله ماعرفش!
في اللحظة دي خبط الراجل على الباب تاني، وقال بصوت عالي:
مارثا… افتحي الباب. أنا عارف إنك سامعاني، ومش همشي قبل ما أشوف إيميلي.
اتجمدت لما سمعت اسمي.
جاك حاول يمنعني من الاقتراب، لكني زقيت إيده وقلتله: كفاية كدب! أنا عايزة أعرف مين ده، وليه عارفني، وإيه حكاية الاتفاق اللي أبويا مضى عليه!
جاك فضل ساكت، وبعد لحظات فتح الباب.
دخل راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد، وكان ماسك عصاية خشب قديمة.
أول ما شافني، عينيه دمعت.
قال: كبرتي يا إيميلي… بقيتي شبه أمك بالظبط.
اتصدمت.
أمي غابت وأنا عندي أربع سنين، وكل اللي أعرفه عنها إنها غابت بعد مرض طويل.
سألته: إنت تعرف أمي منين؟
رد: أنا كنت أخوها يا بنتي… اسمي هنري.
رجعت لورا وأنا مش مصدقة.
أبويا عمره ما ذكر إن أمي كان ليها أخ!
بصيت لحماتي، لقيتها حاطة إيديها على وشها وبتعيط.
هنري حط شنطته على الترابيزة، وطلع منها صورة قديمة لست شابة شايلة طفلين.
قال: دي أمك يا إيميلي… والصورة دي اتصورت قبل اختفائها بأيام قليلة.
قربت من الصورة.
كانت أمي فعلًا، لكن اللي صدمني إن الطفلين اللي في حضنها كانوا توأم!
قلت بسرعة: أنا مش فاهمة… أمي خلفت توأم؟ أنا كنت بنتها الوحيدة!
هنري هز راسه وقال: لأ يا إيميلي… إنتِ مش كنتِ بنتها الوحيدة.
حط الصورة قدامي، وأشار للطفل اللي على اليمين.
ده كان أخوكي… اتولد قبلك بدقايق، وفي نفس الليلة اختفى من المستشفى.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أخويا التوأم؟!
طب إيه علاقة جاك بالموضوع؟
هنري كمل:
كلامه بعد اختفاء الطفل، أختي دخلت في حالة انهيار، وأبوكي قال للكل إن الولادة حصل فيها مضاعفات وإن الطفل غاب. لكن أنا كنت عارف إن فيه حاجة غلط.
بصيت لجاك.
كان واقف ساكت، وعينيه في الأرض.
صرخت فيه: إنت كنت عارف؟!
رفع عينه ليا وقال: أيوه… وعارف كمان مين أخوكي.
قبل ما أقدر أسأله، هنري ضرب بعصايته على الأرض وقال:
كفاية تأجيل يا جاك! البنت من حقها تعرف الحقيقة كلها.
جاك اتنهد، وفتح الملف الأسود من جديد.
طلع شهادة ميلاد قديمة، وكان فيها اسم طفل مكتوب بخط اليد:
جاك هنري ريتشاردسون.
بصيت للشهادة، وبعدها بصيت لجاك.




